الخميس ١٧ شباط (فبراير) ٢٠٠٥
بقلم أسد محمد

حب أخضر ـ القسم الثاني والأخير

في طريقها إلى الكلية أزاحت تذمر بعض أعضائها المتعبة جانبا ، غذَّتْ خطواتها مسرعة عبر الدروب القديمة ذاتها .. وربتت ردفي همتها بكفي الرغبة بغية الوصول في الوقت المناسب .. واعتذرت من نفسها عن التأخير .. احتملت خطواتها المستعجلة وفاء للانتظام الصارم الذي تعودت عليه.. عند مدخل الكلية كانت على موعد مع الجداول المعدة سلفا والمعلقة إلى لوحة الإعلانات ، ودن أن يثير انتباهها نسيان قلمها ، بحثت عن قلم وأخيرا وجدته مع المستخدم ، وبعد أن أعادته شاكرة ، قال من وراء ابتسامة جافة " أنت من أوائل الطلبة الذين حضروا .."
ثم فهمت منه بأن الدراسة لن تبدأ بشكل جدي إلا مع بداية الأسبوع التالي .. جالت بها كلماته كذكرى طيبة.. تحسست بعفوية المبنى الذي بدا لها كوجه طفل ، سمعت رجع صدى حتى أقل حركة منها وهي تصعد الدرج إلى قسم شؤون الطلاب، انتهت من بعض الأعمال الملزمة التي يبدأ معها الفصل الدراسي .. وبعد ذلك تلقفها الممر الروتيني ودفعها للعبور من أمام المكتبة التي كانت تمر من أمامها كل يوم أكثر من مرة أثناء الفصل الأول ، شعرت بحشرية الدرب الصغيرة التي وسختها أقدام المارة بالطين ، فابتلعتها كأنها تبتلع لعابا جافاً .. منعتْ نظراتها من ممارسة حقها في التحديق إلى مكتبة صغيرة داخلها نصف مضاء.. عبرت بسرعة عبر أكمة المكان الذي كشف عن حيوية استدعت ذاكرتها للتناوش معه بهدوء ..

انتابها شعور متطفل على مائدة الهدوء وامتزج مع الجو الضبابي الذي أفرزه موسم الشتاء كأنه على موعد مع التذكير بأنه في احتفالية الوداع الاعتيادية ..

أصدرت مفاصل الباب وهي تفتحه صريرا ذكّرها بصديقتها ندى التي كانت تردد مازحة : " يذكرني صوته بحالتنا أثناء الفحص .."
علّقت المفتاح في المكان المخصص له ، رتبت سرير صديقتها، ثم سريرها.. انتهت من هذه المهمة ببطء .. تسلل خدر أنيس إلى أعصابها فاستسلمت له كوجبة شهية ..

بعد راحة لم تطل استقبلت الشرفة المتنبهة لحضورها ، ومعها كأس شاي ، استندت إلى الحزام الحديدي بكامل ثقلها ، وتأملت على حين غرة جثة الشاي التي يدفنها دخان البخار المتصاعد منها ، بقيت على الحياد من شفتيها التي رشفت رشفة وحيدة .. انتشت نشوة ناقصة امتزجت مع رخاوة الوقت العابر لبرهة دون أن تمانع ملاحقة شكوى عفنة حول لحظتها الراهنة .. استدعتها الغرفة ، فدخلت إليها ، نظرت إلى ساعة الحائط ، وانتهى بها شرودها إلى ترك العقارب على حالها..

اجتهدت في ترتيب بعض الأشياء التي تفوح منها راحة
ذكريات الفصل الدراسي الذي مضى كلمح البصر ، تسللت إلى مخيلتها قامة ندى ، فهمست: " كنت في هذا الفصل أسرع منها في الحضور إلى الجامعة ، أو ربما هي الآن معه على الشاطئ، من يدري؟! .."

انتهت من ترتيب الغرفة ، وفجأة تعرى أمامها فراغ عميق كشبح عدواني ، وخلع عن وجهه قناع نقلها إلى حد طرح أسئلة حادة حول العيش ولو للحظة كطالبة وحيدة في غرفة متواضعة للطلبة ، دون عمل أو دراسة أو الجلوس ولو لأقل من رفة جفن في أحضان الطبيعة.. فاض منها إحساس زلق حول شعورها العرضي هذا..

تحرّك تأملها كفتى شجاع وحملها بعيدا عن هذا الفراغ المشبوح الذي لا يليق بفتاته المتشبعة بالحيوية .. أخذها إلى يوم أمس عندما كانت تعمل صباحا مع أمها في الأرض أقبلت عليها كحكاية مثيرة قبل النوم ، ودون أدوات التشويق المعتادة سمعت مواويلها وهي تنكش حول شجيرات الزيتون ، وتقش شجيرات ( الشرنب ) المترهلة ، وصوت مزق طرف ( حراجتها ) الذي علّق بشوك يابس ، وضحكة الأب الذي تلا الحادث .. ضحكت كأن الأمر حدث للتو .. تسلل موال إلى روحها فهضمته ، وهضمت موالا ثانيا ، ثم ثالثا لتجد نفسها تردد :

" ضارب بالرمل مليان مندَلْ

عزولي عالولف يا ناس منْ دَلْ

دعوني أشرب الخمرات مِن دَالْ

اللي كانوا يمرقوا تحته الأحباب ."

انتابها إحساس مسطح بأنها لم تجدْ دندنته كأمها ، فكان كالمحرض الذي أيقظها من عبء تكرار عفوي لأشياء غير مضطرة لتقليدها ، اكتفت بالتعلق مع لحن أمها الحنون وكأن وجدانها مولود منه.. وهمست : " أمي في كل شيء رائعة .."

استطردت وتذكرت ما قالته والدتها عندما انتهوا من العمل ظهيرة أمس :" يا مو .. الجامعة أبدا منا .." وفهمت هذا القول بأنه إيعاز واضح وصارم يدعوها للمضي إلى الجامعة ، فدفعها للسفر بعض الظهر رغم وجود بعض الأشغال التي لم تكتمل ..

ظلت ممددة على طرف السرير تلعب بضفائرها بيدين فاترتين، بينما تحدث قدمها المدلاة في الفراغ شغبا متطرفا ، انتهى بإصابة علبة الكرتون المسجاة في زاوية معتمة ، و تغفو فيها دفاترها ، فجأة نهضت ، انحت إلى سوية السرير وسحبتها من تحته، وقع نظرها على عنوان في الجريدة التي تغطي العلبة ، وأخذتها منه كلمة " نعوة " قرأتها وارتسمت أمامها صورة الفتاة المتوفاة بحادث سير أليم .. وكأنها صديقتها .. مسح المربع المجاور هذا التجاوز للمشاعر ، وفيه إعلان زواج لشابين.. حدث لعينيها رأرأة حادة وهي تمرر نظرها بين الإعلانين

– إعلان وفاة وإعلان زواج - بقيت على حد شفرة خشنة من أسئلة غير بريئة ..
وبسرعة مزقت الجريدة .. أيقظت دفاترها من نوم استمر طيلة عطلة نهاية الفصل الدراسي ..
بدت أمامها كأصدقاء ..أفردتها على الطاولة .. وتركتها تدير حوارات في غاية الدعابة ..

ذكّرها الدفتر المطلي بالحبر من طرفه السفلي بالبحر الذي شبّ أمامها كصبي مشاغب عندما رشقها برذاذه وهي تعبر بالقرب منه عائدة إلى الوحدة السكنية ، وكأنه أراد أن يوشم دفترها بذكرى .. همست :" وقتها كان غاضبا ، وملمسه كالشوك ، بعكس تلك المرة التي لمسته فيها ، وكان ملمسه كبطن بطتنا.."

وذكرها ملصق لزهرة على دفتر آخر بزميلتها التي استعارته، وتركت عليه بقعة زيت ، وأعادته خفية دون اعتذار ، فأخفت البقعة ، وشكرت زميلتها التي كانت السبب في وضع هذا الملصق الجميل ..
قلبت دفترا باهتمام وتساءلت: " معقول أنا من كتبت كل هذه التمارين وبهذه الروعة والترتيب ؟! "
قدم الدفتر نفسه إليها كصديق ينتظرها كي يذهبا معا إلى أولى المحاضرات ..
قرأت تمرينا من ذيل الدفتر وفي الصفحة الأخيرة ، فأحست بأن روحها لا تزال تعيش فيه ، وتذكرت قول أمها عندما وقفت أمام شجيرة زيتون ، وقالت " فيها كثير منا ، فهي تنظر إلينا ، وتكلمنا ، وتشكرنا ، وتحتفل بوجودنا إلى جانبها .. تشعر مثلنا.. إنها كطفل من أطفالي ، وأبادلها كثيرا من الحب.." ، رفلت وهي تستعيد ذلك الأمس الذي حلق حولها كعصفور
..
فجأة طلّت أمها من النافذة كملاك ، ثبتت ناظريها وكأنها على موعد مع قدومها من تلك المسافة المحاذية للأفق القادرة على استحضاره متى شاءت ، تمدد الصمت بينها وبين هذه اللوحة الرائعة كفاصلة تستدعي قراءة الجملة التالية ..

نثرت خيالها المتوثب ما بين سطور لحظاتها ورتبتها لتتفق والحالة التي تمر بها ، لم تكن هناك أبجدية أو حكاية طويلة تتسع لهذه المشاعر الحسية .. خاصة وأن ملامح ضيعتها قد أطّرتْ هذه الوجوه التي رافقتها إلى الغرفة وكأنهم هم الذين جاؤوا معها إلى الكلية لا كتبها وأدواتها التعليمية .. بررت هذا الموقف مع غمغمة لزجة : " لا يزاحمني أحد على تخيلهم .. لا صديقتي ندى و لا الدراسة ولا عمتي ولا أيامي الماضية .. "

أقامت هدنة هشة مع فيضها المتدفق ، وبعيدا عن المجاملة الآبقة وقعت في أسفل صفحة هيجانها مستسلمة لحالتها ، واستراحت من موعد متكلف مع أحلام يقظة تتكون عناصرها الأولية من ماضٍ يتكاتف مع حاضرها في تماه بسيط وجميل ..

وبسرعة ألقت بروحها إلى فيض وجداني آخر أججه طيف والدتها التي لا تشبع من تقبيل أطراف ثوبها وقدميها وكل خلية من خلاياها ..
" أمي قلب البيت ورونقه إلى جانب والدي عيون البيت وجدرانه القوية.."

بقيت لصيقة مشاعرها وكأنها تتعرف إلى نفسها من جديد .. استسلمت إلى هذه السكينة الأشبه بوردة أخذها جمالها إليه..
استراحت قليلا ، نظرت إلى كتب ندى الموجودة على رف صغير ، قرأت أطراف عناوين ، وتذكرت ما قالته " الكتب وطن العقل وهوائه.."
تقصدها الوقت بلقاء بسيط خال من التصنع ، استجمعت بعض الراحة ووضعتها في ساعدها بانتظار الدراسة..
أرسلها النهار إلى ظهيرة بدت لها كفطيرة من صنع أمها .. وعلى وقع دندنات موسيقا محلية قادمة من غرفة مجاورة غفت بهدوء وهي تودع غصناً رسمته بطرف عينها وبحبر نظراتها على زاوية النافذة ..

تمشت في سوق المدينة القديم بمفردها بعد زيارتها اليتيمة له في الفصل الدراسي الأول برفقة ندى.. بقيت حيادية تجاه كل ما يقع عليه بصرها .. عادت منه إلى ساحة الشيخ ضاهر ، وبدت للسوق بأنها زبونة غير جادة .. أجلّت شراء بلوزة لحين قدوم صديقتها كي تشاركها الاختيار ..

عبرت شارعا طويلا ، انتهى بها إلى موقف ( السرفيس) ، أخذت مكانها وهي تنظر إلى المارة من وراء زجاج نافذة مغبر وغير مصقول ، شاركتهم عجالة متربصة بالهدوء ، وطرحت عليها منظرا لا يخلو من عبثية رجل سمين ، تبرأ منه الشبع ، يلتهم (سندويشة) في المطعم المطل على الساحة ، وكأن المدينة تدخل في مؤامرة ضده وتعري شهيته لتجعلها فرجة للآخرين..

اتكأت بخصرها على طرف المقعد الفارغ بانتظار أن يمتلئ.. وخالجتها فكرة غير مرتبة حول المدينة الأشبة بأكوام القش والإنسان فيها أصغر من إبرة ، وبأن المدينة الكبيرة كشرطي يفرض على هؤلاء السير وفق قوانين محددة ، وتفرض على زائرها منظر الصبْيَة الذين يبيعون على الأرصفة ، و شم رائحة الفلافل وشواء اللحمة التي تزكم ، والموضة التي تفرض نوع اللباس، والباعة الذين يسوقون أصواتهم الثكلى ، كأنهم في ثكنة عسكرية سينفذون ما يطلب منهم في نهاية الأمر ..
تمنت أن تشتري حبة جوز هند من العربة الواقفة مقابل المقهى الصغير ، لكن السرفيس تحرك وحملها كنكرة يسابق بها الزمن إلى أمكنة تتراءى لها من وراء أسئلتها الطفولية..

تحسست نوعا من الاستهلال الداخلي للانحناء أمام هذه الفوضى، وأغلقت البوابة على وقع أفكار تكاد تسقط في حفرة شكوكها .. وعلى الفور بدا الصمت كأنه الابن الشرعي للحظاتها هذه التي تفرخ احتمالات والحاني على امتداد نظراتها الهاربة إلى استقامة واقعة ضمن مدى ظنونها ..

انتهت محاولة تحري صبيانية لشاب جالس في المقعد المجاور لها بعد أن استخدم طرف عينيه ويديه وحتى جزمته بإثارة انتباهها بقمع من السائق الذي انتبه إليه وعبث في وجهه فغير مكانه على الفور ..
ارتاحت لهذا التصرف ووضعه ضمن سياق " احترام ابنة البلد.. "
تسارع العالم الخارجي في الهبوط نحوها عبر أحساسيها المرتهنة له ، تركته لعجلات الوقت المتسارعة ، وقررت عدم النزول عند النفق الأخير من جهة الجامعة بغية شراء حاجة ، ترددت بدافع الخوف من حشرية شاب آخر لن تقوى على كبحه.. رددت : " المدينة كواد كبير مثل عتمة .. يجب أن تعرف ممراته قبل أن تغامر بعبوره .."

كانت المدينة خلفها كمسودة دفتر عليه مسألة لم تنته من حلها رغم الجهد المبذول .. وعندما ظهرت الجامعة من وراء أشجار كينا الأرصفة الباسقة ، أغلقت هذه المسودة بحسرة ..

دلفت من السرفيس ، ومضت باتجاه كشك صغير بقصد شراء بطاريات لساعة الحائط ..
أجابها البائع بأن الكمية نفذت .. همست وهي تسير : " للمرة الثانية نسيت أن أشتري بطارية .."

تذكرت قول ندى وهي تتدحرج على الطريق المائلة باتجاه السكن الجامعي ".. يجب أن تتعب ، وتكابد ، وأحيانا تقدم للمدينة كل ما في جعبتك من فلوس كي تصادقك ، لايوجد فيها شيء مجاني .."
وهنا انبرت بشيء من التحدي ، وأضافت : " بس الضيعة غير هيك ، أحيانا تكون حتى همومها مناسبة طيبة للقاء مثمر.. هي صديقة للجميع .. وتقدم الهدايا بلاش .."

مشت على طرف جرح تنزف منه المقارنة بين قريتها والمدينة كأنها تستعدي تجربتها البسيطة هذه ..

ظلت كذلك حتى وصلت غرفتها ، فتحت الباب تسبقها تنهيدة أشبه بلغز .. مع خطوتها الأولى في الغرفة سمعت صرخة مدوية جعلتها تجفل من أعماقها .. انكمشت على نفسها وتجمدت في المكان كوتد مغروز في الأرض .. فاجأتها ندى وتقدمت منها كغزالة .. لفتها بين ذراعيها .. تعانقتا ..

- سلاف .. !
- ندى .. !
- أنتظرك.. يوم أمس بطول سنة وأنا وحيدة في هذه الغرفة ..
- مرة ( تانية) لا تسبقيني..
- أنا مشتاقة لك ..
- بالله .. كيف حالك ؟
- مثل حالك..

كأكأتا على وقع تهمة مفتعلة من ندى .. تبخرت المدينة والفراغ والأسئلة و .. من أمام سلاف دفعة واحدة .. ظلتا واقفتين في حالة من نسيان طارئ لنفسيهما .. وبحركة حذرة من ندى بدأ الحديث يطفو على سائل اللقاء الأول .. تحمّى الكلام بينهما جمرة فجمرة ..
جلستا متقابلتين على السرير كحوريتين ، وبيد سلاف ضفيرتها الحريرية كأشعة.. قالت ندى : " كتر خير الجامعة اللي رجعتنا لبعضنا البعض ، فهي أفضل صديقة لنا.."

جاءت موافقة سلاف على كل ما تقوله صديقتها كمذاق الشوكولاته على قلبيهما .. قامت سلاف وجهّزت
( المتة ) ، بينما راحت ندى تفرغ شنتتها من المونة وبقية الأشياء التي حملتها ، وقدمت لسلاف هدية.. قالت ندى مازحة :
- هذه هدية من دمشق اشتراها لي والدي، لم تعجبني وقلت في نفسي (ضحكت بصوت عالٍ ) بدل أن أرميها في الزبالة أهديها لسلاف ..

بادلتها سلاف المزحة بمزحة مماثلة " طبعا ، أنا أفضل من الززز.. " ثم تناولت الهدية .. لبستها ، وقالت :
- " من شو بيشكي جسمي ، إنها تناسبني .. كَتر خيرك ! وفرتِ عليّ ثمن بلوزة .. كنت راح اشتري واحدة مثلها .. أو أسوأ شوية .. "
امتدحت ندى جسمها الذي يليق له كل شيء .. أيضا قدمت لها سلاف هدية .. تأملتها ندى بإعجاب ، وقالت :

- سترافقني مدى الحياة ، إنها مستحاثة لحشرة على حجر جميلة..
- وجدتها في بستاننا .. فقررت تقديمها لأعز وأغلى إنسان ..
- أشكرك ..
فاضت جوارحهما بذكريات خلت .. وبدت كل واحدة بالنسبة للأخرى كملاذ آمن تسعى إليه .. أشاعتا في الغرفة حبورا تجسّد ضياء أنار وجهيهما كأنهما على موعد مع احتفالية منتظرة لرمي الملل والرتابة في سلة مهملات عتيقة ..

بدأت الذكريات تصطف أمامهما كتلاميذ منضبطين.. وكلما انتهتا من واحدة وقفت الأخرى بشيء لا يخلو من تحريض يدعو للاستجابة لها .. تحركتا في الغرفة كبجعتين للتو دخلتا الماء .. انتهت بهما الفوضى والشغب الطفولي غير المقصود إلى الشرفة ، كانتا تستعدان للجلوس عندما نظرت سلاف إلى الأفق ، وقالت :

- الآن فهمت ليش البارحة ما قدرت على شرب الشاي وحدي ..
- ( ليش)؟
- لأنه ما كنتِ معي ..
كان هذا الكلام مقدمة لحوار طالبتين أظهرتا دلعا ، وعبرتا عن غنجهما بقصص وردية عن الضيعة والشباب والدراسة والسفر..
حكت ندى عن ابنة بلدتها التي أنهت دراسة اللغة الإنكليزية من جامعة حلب ، وقبلت مباشرة في شركة طيران خليجية كمضيفة..
وكانت فرصة لسلاف كي تسألها سؤالا لا يخلو من استفزاز :
- تحسدينها؟
- لا أحسدها ، لكن الطيران جميل .. جميل..
- بعد التخرج من الكلية هل ستعملين مضيفة ؟
- ( بكير على هذا الحكي..!)
انتهت ندى من هذا الجواب بشرود استمر حتى لكزتها سلاف ، وقالت بصوت واضح :

- هه.. نحن هنا ولم نطر بعد ..
- أحلق من غير أجنحة ..
- لا تنس .. خذيني معك ..
- الطيران .. الأفق .. رؤية العالم من فوق .. العمل ..الأحلام .. كلها أمور جميلة ..
- أنتِ الآن تطيرين بسبب الأحلام أم بسبب وائل ؟
- لهذه الأسباب وغيرها...
- ( نيالك) من غير حسد ..
- ألا تحلمين ؟

كان وقع هذا السؤال كصرخة في وادي سلاف الهادئ ، سؤال مسّ وبشكل مباشر الحميمية التي تعايشها وتغذي تأملاتها منذ زمن طويل ، سؤال حرّك صداه صمتا عجزت عن منعه من الارتطام بجنبات عوالمها التي تركن إلى هدوء حاولت تثبيته بقوائم من قناعة ورثتها عن أمها وتجربتها الماضية ..

لديهن برامج مثل برامجنا ؟ هل آباؤهم مثل آبائنا ؟ هل يخافون على المستقبل ؟ ماذا تعني لهم طالبة من العالم الثالث ؟ "
أزاحت طرف التأمل عن شفتي الوقت .. امتصت همها بخشونة ..
مع هذا الانتقام المفرط ضد وحدتها .. استبقت صديقتيها جانبا، وطردت وائل من نافذة الذاكرة .. وطلبت منه ألا يعود إلا حينما تستدعيه .. أو يستدعيها وهو في مركب أكثر قدرة على المغامرة ..استشفت من وراء نظراتها أفقا لا من طين ، أو من

سفر .. بل رأت قرية سلاف أجمل أفق في الكون .. انتابتها نوبة شجون حول البشر الذين يعيشون وراء هضاب كانت يوما ما..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى