الأحد ١٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢١
بقلم سلوى أبو مدين

دعوة لتحطيم الآمال

تزيح الغطاء عن جسدها بتثاقل، وتنهض وهي محملة بالهموم والآلام فتوخزها أوجاع في الساقين.

تتنهد.. تضغط بكفيها على الركبتين، تضيء المصباح.. تدخل حجرة بناتها وتتأكد من تدثرهن بالغطاء، ثم تدخل الغرفة الثانية، وتتأكد من أن أبنها جهاد. ! يجلله الغطاء،. يشعر بها، وتقول صباح الخير يا بني.."أمي سمعتك طول الليل تتألمين."استدارت نحوه.. ونظرت إليه بحنان، وقالت: لا يوجد غيره.. الروماتزم قاتله الله! لا عليك يا بني أنت في السنة الأخيرة من الثانوية العامة، انتبه إلى مذاكرتك واهتم بنفسك، قبلته على جبينه.. وارتدت ملابسها، أحكمت إغلاق الباب غادرت مبكرة تنفخ في يدها من برودة الجو وشدته، وهي تمشي وتتألم خرجت وآذان الفجر يتردد في المساجد، منتظرة حافلة تنقلها الى منزل سيدتها الذي يبعد الكثير عن منزلها.

في السادسة والنصف وصلت.. أعدت الإفطار ثم خرجت واشترت الخضار من السوق، وعادت تكمل أعباء المنزل من تنظيف وطبخ وغسل.

في الوحدة والنصف ظهرا، أخذت أجرها وما تبقى من طعام اليوم وعادت مسرعة سعيدة، نسيت الآلام وأوجاع الروماتزم وهي تفكر في أولادها.

وما أن وصلت لمنزلها حتى سلمتها إحدى الجارات ظرفا أصفر. إنها رسالة لك يا سيدة عزيزة باسمك.. قالت لها.

أمسكت بالمظروف وأسرعت.. نحو غرفتها وأغلقت الباب خلفها مستعرضة الماضي، فقد تحملت المسؤولية وهي صغيرة بعد وفاة والديها.. وعكفت على تربية أخواتها إلى أن تزوجن، أما شقيقها عبد الرحمن فقد ربته حتى أصبح مدرساً كبيراً.. فهجر البلاد حيث يعمل في بلد عربي.

كانت تنتظر وصول أحد أبنائها.. وعندما لمحت ابنها نادته بلهفة وأعطته المظروف، فأخذ يقرأه عليها.. وقلبها أشبه بمعول يدق في أرض جرداء، يطلب منها أن يراها هي وأبناءها، لم تصدق ما سمعته وأخيرا تذكرتني يا عبد الرحمن بعد هذه السنين الطوال.

قالت: بصوت متحشرج.

بعد عودة عادت بناتها من مدارسهن.. قدمت إليهن الخطاب والابتسامة لا تفارقها.

قالت بفرح: الم أخبركم أن خالكم طيب ولا يستطيع أن يبتعد عني لكن الظروف أجبرته على ذلك، وأنه يسأل عنكن دائما استعدوا كي نسافر إليه يوم الخميس.

كانت تدخر بعض النقود لتكاليف السفر.. وبعض الهدايا لأخيها. استقلت القطار هي وبناتها الأربع، وتركت ابنها مع إخوانه في المنزل فكرت ماذا تهديه؟

لم تفكر طويلاً، ملأت سلتين كبيرتين.. بأصناف مختلفة من الفواكه والبسكويت، ركبت القطار هي وبناتها،

كانت تنظر من نافدة القطار وهو يمر بين الحقول وتشعر بفرحة تغمرها، وأن جراحاً كبيرة قد تندمل وتزول.

لقد بذلت في سبيله الجهد والتعب.. وبعد أن حصل على الشهادة ذهب وتركها وحيدة.

وصلت الى المدينة التي يقيم فيها شقيقها.. كان يسكن في عمارة شاهقة الارتفاع أخذت المصعد وصحبها حارس العمارة الى الدور السابع.. وقلبها يهبط ويعلو.

وما أن وصلت حتى قرعت الباب.. فتحت الباب سيدة وما أن رأتها هي وبناتها حتى دعتهن الى الدخول تركت الهدايا التي أحضرتها عند الباب.. لم يكن استقبال السيدة على ما يرام.

كانت السيدة التي استقبلتهم زوج الأخ، لم تبدى أي ترحيب بهن لحظات ودخل شقيقها عبد الرحمن ابتسمت ثم تنهدت تريد أن تأخذه في أحضانها، ولكنها تراجعت لفترة ما، مدت يدها وصافحته بدأن بناتها بالسلام على خالهن وهن مندهشات من فخامة المنزل والأثاث المتميز.

كل واحدة انطلقت إلى جانب.. وبدا إعجابهن لما رأينه.

ابتسم متجاهلا وهو ينظر إليها..

سألها كيف كنت تعيشين أنت وبناتك.؟ قالها بفتور شديد؟

كانت الأخت من شدة فرحتها تمطر أسئلة على أخيها حتى أصابها العطش.

قالت بخجل شديد: معذرة يا أخي هل لي بكأس ماء.. تنحنح بصوته وأجاب طبعاً طبعاً كدت أنسى.
وصلت زوجته وهي تحمل المرطبات وكأساً من الماء البارد.. وضعته ثم غادرت الغرفة، قال عبد الرحمن:

تفضلوا.. المسكينة زوجتي منذ الصباح وهي مشغولة في إعداد الغداء، لا يوجد من يساعدها.
أخبريني يا أختي عن أحوالك وكيف تعيشين.. وكيف تسير أمورك؟

أمطر عليها بكم من الآسئلة الكثيرة.

ثم أردف زوجتي، تدعوكم للغذاء تفضلوا.

هل لي بكلمة يا أختي على انفراد أريدك في موضوع حاص.

تحرك صدى قديم وصور تدور في مخيلتها.. ربما يريد أن يرد دينًا قديماً لي حدثت نفسها.

ماذا قلت يا أختي.. هل توافقين؟ قال عبد الرحمن.

أجابته: تريد أن تغترب من جديد، لم اصدق أنك عدت يا أخي منذ توفي والدنا وأنهيت دراستك الجامعية.. ليتك تبقى بقربي، أنا لا أريد منك شيئاً.. أريد أن أطمئن عليك وعن أخبارك فقط.

أجاب مسرعاً: لا.. لا أستطيع فرصة العمل في الخارج نادرة جداً علاوة على راتب كبير إلى جانب عربة خاصة لي.. وغيرها من التسهيلات التي لم أحظ بها هنا.

ما أريد قوله لك.. هو أنني أريد مساعدتك.. اتسعت حدقة عينيها.. وهي متعجبة مساعدتي كيف؟

علت محياها ابتسامة واسعة.. لا أعرف كيف أشكرك أجابت سعيدة؟

قال: أريد ابنتك أمل.. أن تدير منزلي، يقال عنها في الخارج"هاوس كيبر"وسوف أعطيها الأجر الذي يرضيك.
علت وجهها الدهشة، لم تصدق ما سمعته اضطربت أنفاسها.. دارت في مخيلتها صور قديمة.. وهو يصرخ وتحمله على ذراعها وتقوم بغسل جسده وتطعمه، بعد ما ترك لها أبواها الحمل الثقيل.

اغرورقت عيناها بالدمع.. وكأنه يريد رد دين.. فيما تحملته من أجله

وأكمل يهديها الألم سوف تكون سعيدة.. وأعطيها غرفة خاصة..

و.. و.. و.. وسرد طويلاً من الأماني والآمال، وهي لا تتذكر سوى صور قديمة.. تتراقص مكسورة أمامها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى