الأحد ١١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٠

دَمُ الزُهْرِيِّ

سعيد الحجي


(قصة قصيرة من وحي الخيال)

تنويه: تتضمن القصة مشاهد وأحداث مروعة وجبت الإشارة إليها قبل قراءتها.

وقف (عمي احمد) المعروف باسم "الزوايقي" خلف نافذة غرفة بيته الذي يحتل نصف السطح بالمنزل المكون من طابقين ونصف الطابق. مسح زجاجة النافذة بطرف الستارة وراح يتأمل الضريح المهجور ل(سيدي بولفضايل) الذي يبعد عنه بعشرات الأمتار. كل صباح يمر عمي احمد بالقرب من الضريح ولا يفوته أن يقرأ عليه السلام ويتضرع على قبره بالدعاء أن يشمله وأسرته بأفضاله وكراماته وأن يمن عليه برزق وفير يُخرجه من ضنك الفقر وقلة اليد. سكان الحي جميعهم يعتنون بالمقبرة المجاورة لهم، غير أن الضريح المهجور المتهاوي يحظى بعناية أكبر من نساء الحي. عند كل مناسبة دينية تذهب النساء على شكل قوافل صغيرة لتنظيف أطراف الضريح من بقايا المتسكعين وصباغة الحجارة المتراصة التي تحيط بالقبر بالكلس المنقوع في الماء. فالضريح أصبح ملاذ الفقراء البائسين ومشفى المرضى اليائسين من سكان الحي. أقْفل عمي احمد ستارة النافذة وتمدد على سريره الحديدي يرتاح من عناء يوم كامل بالورشة التي يشتغل بها بمجمع للصناعة التقليدية.

رغم موهبته الفذة في تزويق الخشب على الطريقة التقليدية لم يستطع عمي احمد فتح دكان أو ورشة خاصة به وقد أشرف على الستين سنة من عمره. تزوج متأخرا وأنجب أربعة أبناء، ثلاث بنات وولد ذكر أطل عليه متأخرا ولكنه ملأ عليه الدنيا فرحا وبهجة. يذهب كل صباح باكر من نفس الطريق إلى الورشة حيث يشتغل مع مالكها مقابل أجر يومي زهيد، ويعود كل مساء من نفس الطريق بمحاذاة مقبرة سيدي بولفضايل، بينما تتكلف زوجته وبناته بقضاء حاجيات البيت.

اعتاد عمي احمد قضاء فترة نهاية النهار متسمرا خلف نافذة غرفة نومه يراقب غروب الشمس من البيت المتواجد أطراف المدينة، ويراقب في نفس الوقت النساء اللواتي يترددن على ضريح سيدي بولفضايل. بعض النساء يُشعلن الشموع على الصخر المجير بالابيض المحيط بالقبر وبعضهن يربطن خيوطا بالشجرة الوحيدة التي تُظل القبر. يظل عمي احمد على هذه الحال حتى يُرفع أذان المغرب فيدخل للصلاة ثم يتناول عشاءه ويستسلم للنوم مبكرا. يستيقظ كل يوم قبل الفجر ويتوضأ ويذهب خلف النافذة ينتظر الأذان مستمعا ببزوغ أول خيوط الصباح، يصلي ويتناول نفس إفطاره الصباحي المتواضع ثم يتوجه نحو عمله من الطريق المظلم المحاذي للمقبرة.

منذ ولادة ولده إسماعيل قبل تسع سنوات لم تعرف حياته أي جديد. حياة رتيبة وأفق منغلق ومسار متكرر بين ورشة التزويق ونافذة الغرفة.

بنفس الهمة المنكسرة نهض عمي احمد ذلك الصباح الخريفي مثل ٱلة صدئة، دخل الحمام وفتح الحنفية التي اعتاد سكان المنزل على أزيزها المزعج، أكمل وضوءه وعاد إلى الغرفة ليتسمر خلف النافذة. وهو يراقب من بعيد ضريح بولفضايل الذي بالكاد يرى بالنهار، لاحظ ضوءا خافتا يتحرك في حركة دائرية بالضريح أو بمحيطه. لم يسبق لعمي احمد أن شاهد مثل ما شاهده ذاك الصباح. لا النساء ولا الرجال يجرؤون على دخول المقبرة في جنح الليل إلا من كان فاقدا لوعيه من المتسكعين، وهو مع ذلك أمر لا يحدث إلا مرة واحدة كل سنة أو سنتين.
فالمكان موحش ويبعث الرهبة في النفوس نهارا وبالأحرى في ليل بارد حالك كهذه الليلة.
استمر عمي احمد في مراقبة ما يحدث لكنه عجز أن يستوعب ما يراه. عندما حان وقت العمل جمع أغراضه وانطلق نحو الورشة وقد قرر مع نفسه التوقف بالضريح حتى يستجلي الأمر من عين المكان. عندما وصل الضريح وجد رسما دائريا يحيط بقبر بولفضايل ومِلْحا منثورا على أطرافه. واصل طريقه يفكر فيما حدث دون يهتدي الى سر ذلك.

في اليوم الموالي، وفي نفس الساعة لاحظ عمي احمد نفس ما لاحظه أمس من حركات دائرية لضوء خافت، تتوقف الحركة قليلا ثم لا تفتأ تعود ثم تختفي نهائيا قبيل بزوغ أول خيوط الصباح. لم يكن الفضول فقط هو الشيء الوحيد الذي يعترك في نفس عمي احمد بل حتى الخشية أن تمتد يد المعتدين للعبث بقبر سيدي بولفضايل الذي يستمد منه عمي احمد وكل سكان الحي القوة والأمل لمواجهة صعوبة الحياة. فالرجل يحيى على أمل أن الولي الصالح لابد أن يستجيب يوما ما لدعوة من دعواته التي يتضرع بها كل صباح ومساء عندما يمر بجانبه. فكر في الذهاب ليستطلع ما يجري هناك قبل اختفاء الضوء المتحرك لكنه تردد قليلا خوفا من أن يلحقه أذى، لكنه صمم إن عاد الضوء المرة القادمة إلى المكان فإنه سيتوجه فورا لمعرفة ما يحدث مهما كلفه الأمر.

بنفس التوقيت المعتاد نهض ذاك الفجر بهمة أكبر ولأول مرة بعد سنوات عجاف أحس أن جديدا يجتاح حياته الرتيبة ولو كان ضوءا خافتا في مكان مهجور. سدد نظره إلى المكان وبدأ يترقب بروز الضوء، وبعد دقائق قليلة بزغ الضوء الخافت من جديد بنفس المكان وأخذ يتحرك بنفس الطريقة في اليومين السابقين. بسرعة دخل عمي احمد إلى المطبخ وأخرج هراوة خشبية غليظة كانت مخبأة وراء الباب للطوارئ وحمل مصباحا يدويا صغيرا ثم توجه نحو الضريح بثبات. تعمد أن لا ينير المصباح في طريقه إلى المقبرة وأن يمشي بتؤدة حتى لا يشعر أحد به. عندما وصل الضريح أشعل المصباح فأبصر شخصين يرتديان جلبابين صوفيين أبيضين وقد غطت لحيتان كثيفتان وجههما. بادرهما بالسؤال وهو يرفع الهراوة في وجههما: "من أنتما وماذا تفعلان هنا؟". كان الشخص الأول المسن مقتعدا الأرض بينما كان الشاب الذي يحمل مصباحا للغاز يدور متمتما حول القبر. لم يَفِرْ الرجلان ولم يُبديا أي خوف من عمي احمد بل بقيا متماسكين. دنا الشاب قليلا من عمي احمد ورفع المصباح أمام وجهه وقال له بصوت خفيض: "أنزل الهراوة من يدك، وقلي من تكون؟ هل أنت من أعوان السلطة؟". لم يكن عمي احمد عدوانيا ولا عنيفا، استجاب دون أن يشعر بخطر ما لطلب الشاب، ربما لأن مظهر الرجلين لم يكن يوحي بما يمكن أن يبعث على الخوف من الأذى، بل بالعكس إن مظهرهما فيه الكثير من الوقار والسكينة. رمى عمي احمد الهراوة على الأرض وقال للرجل المسن بنبرة مسالمة: "لا، لست رجل سلطة، أنا فقط من سكان الحي وخشيت أن يتعرض الضريح لسوء من المتسكعين!". ابتسم الشيخ وطلب من عمي احمد الجلوس إلى جانبه. قال الشاب متوجها لاحمد الزوايقي: "نحن نعرفك جيدا وقد ألفنا مرورك من هذا الطريق كل يوم، وكنا متاكدين أننا سنلتقي يوما ما في هذا الموقف". قال عمي احمد دون ان يهتم بما صرح به الشاب: "حسنا! أريد أن أعرف، ماذا تفعلان هنا وماذا...؟" قاطعه الشيخ بهدوء ودماثة: "ليس الوقت مناسبا لنحكي لك الآن كل شيئ، ولكني أُطَمئِنك أن ما نقوم به خير، وبما أن الله تعالى ساقَك إلينا في هذا الفجر المبارك، فإن ما نقوم به وما سنقوم به سيكون فاتحة خير علينا وعليك بإذن الله!" عقب عمي احمد: "ماذا تعني؟" استطرد الشيخ بسرعة: "لا تكن مستعجلا، غدا نلتقي بعد صلاة العصر بالجامع الازرق حيث نصلي وسنحكي لك كل شيء" ثم أضاف وهو يحرك سبابته تنبيها: "أنصحُك وأترجاك أن يظل ما حدث بيننا سرا لا يعلمه أحد حتى لا يغضب عليك سيدي بولفضايل وتجر على نفسك سَخَطه". وافق عمي احمد بكل عفوية على طلب الرجلين واستودعهما على أمل اللقاء بهما بعد العصر بالجامع الازرق. أثناء طريقه نحو الورشة دارت برأسه كل الافكار السوداء حول السحر والدجل والشعوذة والكرامات ولكن الرجل بطيبته وبساطته وأميته توسم خيرا في كلام الفقيهين خاصة لمَّا أخبراه أن أبواباً من الخير ستنفتح أمامه. في قرارة نفسه، كان متيقنا أن الولي بولفضايل يخبئ له مفاجأة سارة نظير دعواته اليومية وحرصه الشديد على حماية قبره من العابثين.

موعده مع الفقيهين كما يبدو من مظهرهما الوقور أحدث في نفسه وقعا مريحا، فلأول مرة منذ سنوات طويلة سيصلي في مسجد وسط المدينة وربما يستغلها فرصة ليجلس مع الرجلين في مقهى تُكسر رتابته اليومية.

بعد انتهائه من صلاة العصر وقف عمي احمد بباب المسجد المكتظ ينتظر خروج الغريبين، وبعد دقائق لمحهما قادمين من شارع مقابل للمسجد. بعد السلام عليه، اعتذرا له بدعوى أن الوقت لم يسعفهما للحضور للجامع الازرق للصلاة معا وطلبا منه مرافقتهما لبيت قريب مفروش كانا يكتريانه. لم يتردد عمي احمد في مرافقة الرجلين الملتحيين إلى بيتهما، دخل وجلس في غرفة تفوح منها روائح العطور والأبخرة، وعلى الطاولة التي تتوسط الغرفة مصاحف قرآنية وقراطيس وأوفاق وحروز ومحابر وصمغ وتحتها بقايا صوف محترق. جلس الفقيه المسن في مواجهة عمي احمد ورحب به، وقال له كمن يقرأ الكف أو من أوتي فراسة قراءة الوجوه: " أؤكد لك السي احمد للمرة الثانية أن الله بعثنا لبعضنا البعض، وحاجتك عندنا وحاجتنا عندك" تبسم عمي احمد وقال: "إن شاء الله!". اقترب الفقيه الشاب من الزوايقي وقال له: "ماذا تظن أننا كنا نفعل هذا الفجر بقبر سيدي بولفضايل؟" هز الزوايقي رأسه نافيا محتفظا لنفسه بما دار في خلده من أفكار سوداء. "إسمع يا سي احمد، لن نضيع معك وقتا طويلا، نحن فقيهان وهبنا الله كرامة استخراج الكنوز وهي هبة ربانية، وأنت رجل صادق ومن أهل الصلاح والتقوى وقد اختارك سيدي بولفضايل من دون سكان الحي لتكون شريكا لنا في الكنز المدفون بجوار قبره جزاء لك على صبرك وقناعتك وحبك للولي الصالح سيدي بولفضايل!". ثم أضاف: "ليس عليك سوى الإنصات والامتثال لما نامرك به وتنفيذ ما نطلبه منك، وسيفتح الله عليك وعلى أسرتك أبواب الخير، وستتحول حياتك من جحيم الفقر الى نعيم الغنى" ثم واصل نصيحته: "عليك بكتم السر عن أقرب الناس إليك إلى أن يقضي الله حاجتنا في أيام قليلة قادمة إن شاء الله، بعد أن نُتِم ترتيب بعض الأمور الضرورية لاستخراج الكنز".

خرج الزوايقي من بيت الفقيهين وأحلام الاغتناء تتراقص في عقله على طول طريق عودته للبيت، وعندما بلغ الضريح توقف خاشعا أمام الصخر المتراص وقَبَّلَهُ بحرارة داعيا الولي أن يجعل جزءا من الكنز المدفون من نصيبه كما أخبره الفقيهان.

منذ ذلك اليوم لم تعد الرتابة جزءا من حياة الزوايقي، أصبح استخراج الكنز وتوزيعه والانتفاع به هو ما يشغل باله لدرجة الهلوسة. حتى الوقفة الصباحية خلف نافذة الغرفة لم تعد طويلة ومستغرقة كما كانت، بل أمسى حديثه اليومي مع الرجلين هو ما يشغله أكثر. في ذلك اليوم حدثاه عن الخطة بتفاصيلها لاستخراج الكنز. لقد أخبراه أنه سيتكلف بإحضار أدوات الحفر ونظرا لقوته البدنية فإنه أيضا سيتولى النبش عن الكنز وعن الصناديق المدفونة التي تحتوي قطعا نقدية ذهبية وحليا ومجوهرات وربما أحجار كريمة ثمينة، بينما هما سيتكلفان بتطويع الجن الذي يحرس المكان وبتحصين وتطويق وإبعاد الغرباء عن مكان الضريح أثناء النبش بقراءة القرآن والتعاويذ وكل ما له صلة بعملية الإستخراج. أخبراه أن ما ينقص وما يؤخر العملية هو عدم توفقهم في الحصول على دم طفل زهري. لم يكن عمي احمد على علم واف بمعنى الطفل الزهري باستثناء ما رسخ في ذهنه مما سمعه في طفولته عن القدرات الروحانية للطفل الزهري وعن الحظ العميم الذي يجلبه لمحيطه وأسرته، ولكن عمي احمد لم يفوت الفرصة بسؤال الشيخ المسن عن أهمية حضور الطفل الزهري لتنجح عملية اخراج الكنز. كان السؤال منتظرا، ولذلك استعد له الشيخ بما يكفي من الشرح والإقناع. قال الشيخ بكثير من التركيز بعدما أطرق عمي رأسه منصتا بإمعان: " لا يمكن للعملية أن تبدأ ولا أن تنتهي دون حضور الطفل الزهري، فالزهري هو مفتاح الخزائن ومحبوب الجن وهو روحٌ طاهرة بين منزلتي الجن والإنس، ولكن الجن تهابه بل وتغار منه لأنه أوتي قوة من خالقه" ثم تابع بنفس التركيز: "إن الجن تعشق الزهري ورائحته والنظر إليه، ومقابل دمه تكشف الأسرار وتفتح خزائن الأرض وتكثر الحظوظ ويلين قلب الجن لأي طلب ممن يحضر له الزهري". ثم ختم كلامه بسؤال عمي احمد "هل فهمت؟" رد الزوايقي بسؤال: "وكيف نعرف الطفل أنه زهري؟" عقب الشيخ بسرعة: "علاماته كثيرة في يديه ولسانه وعينيه، لا تشغل بالك بهذا؟ هذا دورنا".

تأسف عمي احمد كثيرا على تأخر موعد استخراج الكنز، ولكنه كان حريصا على توطيد العلاقة مع الفقيهين والذهاب إلى بيتهما لمعرفة الجديد كل يومين أو ثلاثة. وفي أحد أيام الجمعة، قرر أن يكرمهما فدعاهما لتناول وجبة الكسكس بمنزله وألح في طلبه رغم رفضهما درءا لكل شبهة بين سكان الحي.

حضر الفقيهان في الموعد بعد صلاة الظهر إلى بيت الزوايقي واصطحبهما إلى بيته على السطح، جلسا بالبهو الصغير ينتظران قدوم قصعة الكسكس، أطلت بناته الثلاث من بعيد على الضيفين ورحبت بهما بكل احتشام، بعد ذلك دخل ابنه اسماعيل وتوجه نحو أبيه يُقبِّل يده.

طلب الأب من ولده السلام على الضيفين ودعاه لتناول الكسكس معهم بصفته ذكرا. بعد الانتهاء من تناول الغذاء وتعبيرا عن فرحه بالولد كما جرت العادة سحب الفقيه الطفل اسماعيل بلطف من ذراعه وأخرج قطعة نقدية من جيبه وفتح كف الولد ووضعها في يده. عندما وقعت عين الفقيه على كف الطفل المبسوطة تململ في مكانه حتى كاد يسقط، بسط كف الطفل من جديد وحدق فيها طويلا، لقد شاهد خطا أفقيا مستويا استواء كاملا يقطع كف الطفل من طرفه الى طرفه، فتح كفه الأيسر فكانت صدمته مضاعفة. ودون أن يثير انتباه الأب دفع بالطفل الى الفقيه المسن وطلب منه النظر خلسة الى كفي الطفل المبسوطتين وقد قطعهما من الوسط خطان بارزان. إنه طفل زهري!

نهض الفقيهان على وقع المفاجأة الكبرى، وقبل أن يهما بمغادرة الغرفة انحنى الفقيه الشاب على عمي احمد وهمس في أذنه: " يبدو أن الله يحبك وسيكتب لنا بفضلك الرزق الموعود وقد ظهرت البشارة واضحة ناصعة في بيتك الطاهر" وختم معه بتودد " نلتقي بعد غد ببيتنا بالقرب من الجامع الأزرق، مع السلامة!" هز الفقيه الأكبر رأسه مُبارِكا ما قاله صديقه، وخرجا دون أن تفارق أعينهما وجه الطفل اسماعيل، بينما كان الطفل المسرور بالقطعة النقدية يتابع بعينيه الجميلتين المفتولتين قليلا الحركات المريبة للضيفين.

دخل عمي احمد غرفته ووقف وقفته المعتادة خلف النافذة المطلة على المقبرة يجتر ما قاله له الفقيهان. ابتسم ورفع يده نحو السماء شاكرا سيدي بولفضايل على كرمه وحسن جميله بأن يَسَّر على يديه رزقا وفيرا. لم يستطعْ عمي احمد النوم تلك ولم يذهب على غير عادته لعمله يومين متتابعين. كان يتحرق شوقا لملاقاة الفقيهين وسماع تفاصيل خطة إخراج الكنز. لَبِس للقاء الموعود أفضل ما عنده من هندام حتى أنه بدا أصغر من سنه بكثير. كان النور يشع من وجهه الذي لم يفرح ولم يسعد مثل هذا اليوم منذ سنوات، إنه اليوم الذي ستفتح له فيه أبواب السماوات وينتهي زمن ليبدأ زمن آخر من العيش الرغيد.

طرق الباب ودلف مسرعا إلى الغرفة حيث يجتمع الفقيهان. رائحة البخور وركام من الجمر المنطفئ ومحابر للسمق وأوراق صفراء وعمائم ملونة. بادره الفقيه المسن: "تفضل اجلس يا وجه السعد!" ثم توجه نحو صديقه الشاب الذي كان غارقا في رسم الجداول وتشكيل الطلاسم متسائلا وكأنه يتابع أطوار حوار بينه وبين الفقيه الشاب بدأ قبل دخول الزوايقي، ودون أن يكترث بحضور الضيف الجديد: " أنت متأكد أن إخراج الكنز وحمله خارج المقبرة سيتطلب منا اقتناء ثلاث دواب قوية؟". "نعم بكل تاكيد، شيخي الجليل، هذا ما تبينه الجداول وما أكدته الدوائر التي كان يرسمها الخادم الجني حول قبر الولي". أضاف الفقيه الشاب وهو يهز رأسه: "فعلا سيحتاح كل واحد منا دابة لحمل نصيبه من الكنز، كما أن كلا منا سياخذ وجهة مختلفة حتى لا يفتضح أمرنا". استطرد الفقيه: "صحيح، أن أصعب مرحلة هي مرحلة حمل الكنز وإيصالها للبيت، لكن بعد ذلك سيكون من السهل بيع الحلي والأساور الذهبية والأحجار الكريمة وتصريف قطع النقود من الذهب والفضة عند صاغة فاس ومراكش". كان الوجوم يسيطر على وجه الزوايقي وهو يتابع ما تخطه يد الفقيه من جداول، ولما سأل الفقيه الأكبر عن الحفر ومدته قفز عمي احمد من مكانه مقاطعا الرجل بلهفة: "لا تشغلوا بالكم بالحفر، سأتولى الأمر لوحدي، ويمكنني حفر دائرة قطرها مترا ونصف وعمقها مترين ونصف في أقل من ساعتين!" نظر إليه الفقيه الشاب مبتهجا بحماسه وعلق: "أظن أن عمق الحفرة لن يتجاوز مترا ونصف، كما أن التربة رملية وسيسهل حفرها". صمت الفقيهان طويلا وهما ينظران بأسف لبعضهما البعض، حتى قطع صمتهما سؤال الزوايقي:" إذن لنتوكل على الله ونبدأ هذه الليلة، ما الذي يؤخركما؟". رد الفقيه دون أن يرفع رأسه: " نحتاج لأهم شيء، نحتاج لطفل زهري حتى تسمح لنا الجن بإخراج الكنز". استطرد الزوايقي: " ظننتكم عثرتم على الطفل الزهري قبل مجيئي إليكم!". عقب الفقيه الشاب: "هو كذلك، لقد عثرنا عليه فعلا". "أين هو إذن حتى نصحبه معنا؟". رفع الفقيه الشيخ رأسه ونظر في عيني الزوايقي وقال له بحزم: " إنه إسماعيل، ولدك!". انتفض عمي احمد في وجه الفقيهين: "هل انتما مجنونان؟" ثم جلس وهو يفرك رأسه ووجهه الذي تحول إلى وجه شيطان. قال الفقيه الشاب: " لقد بحثنا في كل مكان ولم نعثر على طفل زهري آخر غير ولدك. أمامنا يومان لإخراج الكنز بحسب الجداول التي بين يدي. إن حجم الكنز يفوق ما ألفنا سماعه، هذا الكنز سيجعلك من أغنى أغنياء البلد في وقت وجيز" أضاف وهو يتظاهر بالحزن والتعاطف مع الزوايقي: "أمامك فرصة لن تكرر أبدا، نحن سنساعدك، فكر جيدا في الأمر ولا داعي لفضح نفسك وفضحنا معك، نحن سنكتري الدواب الثلاث، وأنت ستتكلف باقتناء ٱلات الحفر وباصطحاب ولدك اسماعيل معك" ثم ختم كلامه: " سننتظرك داخل الضريح بعد منتصف الليل، وعلينا إنهاء العملية قبل صلاة الفجر، سننتظرك، وإذا لم تحضر كما اتفقنا، سنغيرك بشخص ٱخر". وقف الشيخان لتوديعه ثم أخرج أحدهما كومة أوراق نقدية وناولها عمي احمد وقال له: " خذ، ربما تحتاج إلى مال، عد الى بيتك الٱن وخذ حذرك! تصبح على خير!"، ثم أضاف صديقه بنبرة واثقة "سننتظرك!". صفع عمي احمد الباب وراءه وغادر البيت دون أن ينبس بكلمة.
في طريقه إلى البيت اشترى فأسا ومعولا ومجرفة ثم عرج على أقرب محل لبيع الحلويات فاشترى كل ما تشتهيه أنفس الأطفال من حلويات وشوكولاطة وعصير فواكه، ولم يفته أن يشتري من محل الجزارة كيلوغراما من لحم الغنم ونصف كيلو من كبد البقر الذي تعشق زوجته التهامه مشويا.

وضع كل الحلوى والشوكولاطة وعصير الفواكه على المائدة، وطلب من زوجته تحضير العشاء بشي قطع الكبد الطازج على الجمر، ثم استدعى أبناءه للخروج من الغرفة. لم يصدق الأبناء ما رأت أعينهم الصغيرة. تحلقوا حول المائدة يتقاسمون بينهم الحلويات وكل تلك الملذات التي لم يتذوقوها أبدا بهذا السخاء والوفرة. كانت البنات مفرطة في العناية بأخيهم الأصغر اسماعيل، الكل يتهافت لإرضائه وإطعامه واقتسام أجود الحلوى معه. إيثار وتدليل البنات لأخيهم ليس أقل من ذاك الذي يحظى به اسماعيل من أمه وأبيه. اسماعيل هو الفرع وغدا سيصبح الأصل، وهو الضَعْف وغدا سيصبح قوة العائلة وحامل إسمها والذائذ عنها، وهو الطفل المُدَلَلَ وغدا سيصبح الرجل المُدلِل لوالديه. لم يتناول الأولاد من الكبد المشوي سوى النزر اليسير بعدما امتلأت بطونهم بالحلويات والسوائل من كل لون. عمي احمد كان مقلا كعادته في الكلام ولكنه كان يراقب التهام أبنائه للحلوى بابتسامات متقطعة لا حياة فيها.

نهض وتوضأ وصلى العشاء، ثم وقف خلف نافذته. هذه المرة أحس أنه يرى عالما مختلفا عما اعتاده من خلف نافذته، لم تعد الصباغة ولا أشكال الزواق ولا صراخ مالك المحل يحتل حيزا ولو صغيرا من عقله. أصبح رأسه يغلي مثل مرجل.

ليلتان تفصل الزوايقي عن مغادرة الفقر ومعانقة مباهج الحياة. يعض خِنْصره وهو يفكر كيف سيدخل الحياة الجديدة بعدما يكون معنى الحياة قد غادر جسده. ليلتان قد تجعل من الستين عاما التي مرت من حياته مجرد حلم عابر، وقد تحول القادم من عمره إلى كابوس. انتصف الليل ولم يتزعزع عمي احمد من مكانه، لم يعد يعني له الخلود للراحة شيئا وأمامه ليلتان لأخذ القرار. قرر أن يتمدد على السرير لعل النوم يُنقذه من جحيم الأسئلة والوجوه. تمدد ولكنه رأى في سقف الغرفة كل المشاهد المروعة التي تنتظره، رأى اسماعيل يلتهم الحلوى وقد اتسخ قميصه الأبيض ببقايا الشوكولاطة، ورأى نفسه يحفر الأرض وقد اتسخت ثيابه بغبار ركام من التراب، ورأى الفقيه وهو يتمتم وقد تلطخت يده بالدماء، رأى نفسه يبيع الدنانير الذهبية في أسواق فاس ومراكش، ورأى نفسه يسكن مزرعة ويدير مصنعا للخشب وورشة للتزويق التقليدي. ليل طويل وعينان زائغتان ورائحة الكبد التي تنبعث من فم زوجته الغارقة في النوم إلى جانبه. لا شيء أتعبه أكثر من رائحة احتراق الكبد.

أطل ضوء الصباح على الغرفة، ولازال عمي احمد ممددا على ظهره يسمع ويشاهد في السقف حوارات الشيخين وقبر سيدي بولفضايل والفؤوس والمعاول الجديدة وقهقهات الأولاد وقطع الكبد المشوي.

نهض من فراشه، توضأ وصلى الصبح وخرج من البيت هائما على وجهه. قرر أن لا ينام في الصبح ويصل الليل بالليل حتى يتمكن منه النوم بسهولة في الليلة الموالية. أمضى الزوايقي النهار كله تتقاذفه الشوارع والأزقة، أحس أن العيون التي كان يبصر بها لم تعد هي نفس العيون، يوم كامل وهو يجوب المدينة طولا وعرضا دون أن يتذكر شيئا مما قابله، أحس كذلك أن قلبه لم يعد نفس القلب الذي كان يقبع في صدره صامتا لا تُسمع دقاته. عاد للبيت منهكا مع غروب الشمس. لم يكن يشعر بجسده ولا بأصوات من يحيطون به، لولا أن اسماعيل عند رؤيته ارتمى على يده وقبلها وقال له بصوت متودد: " بابا، أمس أكلت الكثير من الحلوى، ولم أستطع تذوق الكبد المشوي الذي يعجبني، متى ستحضره لي؟" رَبَتَ الأب بحنان على رأس اسماعيل، وتوجه رأسا إلى النافذة.

انكب برأسه على زجاج النافذة، وبدأ يفكر فيما ينتظره من الساعات المتبقية عن المهلة التي منحها له الشيخان. لم يستطع الوقوف طويلا من فرط الإنهاك الذي أصابه جراء المشي طول النهار، قرر أن يتمدد على الفراش ويبدأ في ترتيب خطواته قبل حلول منتصف الليل للقاء الشيخين اللذين سيكونان في انتظاره بالمقبرة. أول ما فكر فيه هو الطريقة التي سيسحب بها إبنه اسماعيل من فراشه دون إيقاظ أخواته وزوجته واقتياده بعيدا عن أعين من يقابلهم في الطريق حتى لا يثير شكوكهم بعد وقوع الواقعة. فكر كذلك في آلات الحفر التي خباها بمدخل المنزل تحت الأدراج. فكر في كل شيء من يوم مولده إلى هذه اللحظة التي أصبح النوم يغالبه فيها بقسوة. فكر في كل شيء حتى في سر هذا التغيير الذي طرأ عليه منذ أن سمع بالكنز وتحوله إلى شخص آخر مغيب الإرادة وفاقدا للإدراك. تساءل مع نفسه إن كان للفقيهين تاثيرا فيما يجري وفيما يعتزم القيام به، أم أنه سقط أعمى البصيرة في شَرَك وهج الذهب والفضة.

كلما تذكر اسماعيل يلتهم الحلويات بِنَهم الأطفال تعود إلى ذهنه مشاهد القطع الذهببية والحلي والمجوهرات المشعة من داخل الحفرة ووجه الشيخين المقطبين في آخر لقاء والكبد المشوي والمصادفة الغريبة لإسم ولده المطابق لإسم إسماعيل ولد ابراهيم. يتساءل من جديد هل كل هذا كابوس، أم أن هبة سيدي بولفضايل يجب ان يكون لها ثمن وتقدم لها تضحية بحجم الهدية. يتأسف قليلا من قسوة قلب بولفضايل الذي اختار أن يجعل القربان أعز ما لديه. يفرك عينيه ورأسه وينظر إلى ساعة يديه فلا يستطيع ضبط عقاربها فجفونه تكاد تلتصق من شدة النوم والتعب.

بالمقبرة، يقف الشيخان في قلق ظاهر ينتظران قدوم الزوايقي وولده اسماعيل وقد ربطا الدواب الثلاثة إلى جذع الشجرة التي تُظل قبر الولي الصالح، عيناهما مسمرتان على الطريق المؤدية إليها. دقائق قليلة مرت على منتصف الليل. وقع خطى متثاقلة متقدمة نحوهما تُسمع من بعيد. انبطح الشيخان أرضا خوفا من الغرباء، وفي لحظات وصل عمي احمد يحمل المعاول ويتبعه ولده بين النوم واليقظة. نهضا الشيخان بسرعة. سحب الشيخ المسن الطفل من يده وقال وهو يشير إلى أبيه تحت ضوء المصباح الخافت:" ليس لدينا وقت نضيعه، أنا سأتكلف بالطفل، وأنت ستبدأ الحفر فورا داخل الدائرة المرسومة حتى تصل عمق متر ونصف، أما الشيخ عبد الله فسيتولى تلاوة التعاويذ والتحدث مع الجن وخدام الولي الصالح". ثم أضاف: " قبل أن تبدأ الحفر، يجب أن نهدر هذا الدم الطاهر ونخضب التراب ليسهل الحفر". أدار الزوايقي ظهره لولده وأسلم روحه لشيطان نفسه. على وقع تلاوة الشيخ عبد الله وضع الشيخ المسن عصابة على عيني اسماعيل ومدده على ظهره داخل دائرة التراب ثم استل من تحت جلبابه سكينا كبيرا وجز رأس الطفل. لم يصدر عن الطفل سوى صوت خافت خاطف سبقته كلمة بابا خائفة، ثم أخذ يفرغ دمه داخل الحفرة حتى جف جسده ثم سحب جثمانه إلى تحت الشجرة. انطلق الزوايقي بشكل جنوني في الحفر بالمعول ورفع الردمة بالمجرفة خارج الحفرة. رائحة الدم التي اختلطت بأصوات تلاوات سور القرآن والتعاويذ حولت الزوايقي إلى وحش أهوج بقوة عشرة رجال. لم تكد تمر ساعة من الزمن حتى بلغ الزوايقي من الحفر المتر الأول من العمق وعندما حاول أخذ قسط من الراحة خارج الحفرة ارتطمت عيناه بعيني ولده الشاخصتين. قفز من جديد داخل الحفرة وبدأ يضرب الأرض بقوة أشد. بعد ساعتين كان عمق الحفرة أكبر من قامة الزوايقي. عندما بلغ المترين من الحفر، بدأ الشك ينتاب الشيخين وأصبحا يكثران من النظر داخل الحفرة والتلعثم في تلاوة القرآن. بعد ساعة ثالثة من الحفر بدأ ضرب المعول بالارض يحدث طنينا قويا وأصبح النبش صعبا وقاسيا. وقف الشيخ المسن على رأس الزوايقي وقال له:" ماذا هناك؟ هل اقتربت؟"، "لا اعتقد أني أقف على صناديق، إنما أقف على صخرة كبيرة، حتى صدى ضربات المعول تؤكد أني أقف على صخرة" رد الزوايقي بنبرة عصبية. قاطعه الشيخ المسن بنبرة آمرة:" استمر، لا تتوقف فقد اقتربت" ثم نظر إلى صاحبه الذي توقف عن القراءة نظرة خائبة.

غمس الزوايقي نفسه دخل الحفرة وطفق يضرب الصخر بجنون، وعندما توقف أحس أن الصمت يعم المكان، أطل برأسه خارج الحفرة فلمح الشيخان يفران خلسة من المكان، تسلق الحفرة بصعوبة وحمل الفأس وبدأ بمطاردتها في الطريق المؤدي إلى مدخل المدينة وهو يصيح :"خدعتماتي يا اولاد الكلب، لن تفلتا من يدي". واصل الجري حتى لحق بالشيخ المسن وضربه بالفأس على رأسه حتى انغرست فيه وسقط على وجهه يسبح في دمه، ثم تابع مطاردة الشيخ عبد الله الذي كان أخف سرعة حتى دخل أسوار المدينة. وقف الزوايقي حائرا بين مفترق الأزقة يبحث عن الشيخ الهارب الذي توارى عن الأنظار داخل دروب المدينة العتيقة، وفي لحظة قرر العودة وهو يسابق الريح إلى المقبرة لعله ينقذ ابنه إن بقي على قيد الحياة.

لما وصل إلى المقبرة جثا على ركبتيه أمام جثة ابنه الملطخة بالدماء تحت ضوء النجوم المتلالئة في السماء التي تضيئ وجه اسماعيل المتدلي، حمل ابنه على ركبتيه وأخذ يصيح بجنون: "لقد أعماني الشيطان وغدرت بك يا ولدي اسماعيل، لقد غدرت بك يا ولدي اسماعيل".

شق دوي الصراخ المتكرر لعمي احمد سكون الليل ورددت اشجار الغابة المجاورة صدى الصراخ واهتز الحي بأكمله من حدته. قامت زوجته مفزوعة تتحسس الجدران حتى تمكنت من إشعال نور الغرفة. رأت زوجها جاثيا على ركبتيه على السرير يصرخ مثل صريع، وفي لحظات دخل أبناؤه الأربعة الى غرفة النوم ووقفوا مشدوهين أمام مشهد أبيهم يصرخ وهو يتصبب عرقا. رفع عمي احمد رأسه بصعوبة، غيوم الكابوس تبددت وانقشعت شيئا فشيئا عن عينيه فرأى أولاده الأربعة مصطفين أمامه يتقدمهم ولده اسماعيل. هُرِع جيران الحي عن بكرة أبيهم إلى بيت الزوايقي وازداد الطًرْقُ على باب بيته، وتعالت الأصوات والهتافات تتساءل عما حدث لإسماعيل. صرخ عمي أحمد: "أين الدجالان، أين القاتلان؟" وهو ما يزال تحت وقع الكابوس، ثم قفز من سريره والتقط ابنه إسماعيل من الأرض وضمه إلى صدره حتى كاد يعتصر جسده الصغير ثم انطلق مخترقا جموع الناس التي تكدست بمدخل المنزل غير آبه بأسئلتهم حتى وصل إلى أقرب مركز للشرطة. دخل مكتب الضابط المداوم وقال وهو يلهث وينحنح: "جئت أبلغ عن جريمة قتل!". رفع الشرطي عينيه المثقلتين بالنوم وقال بتوتر: "الصباح لله!" ثم أضاف: "من القاتل ومن المقتول؟" رد الزوايقي دون تفكير: "أنا القاتل، وإبني هو المقتول" مشيرا بسبابته الى اسماعيل الذي شبك يديه على عنق والده وعاد للنوم على صدر أبيه. نهض الشرطي من مقعده الجلدي وتفرس جيدا وجه الزوايقي، أيقن من خبرته أن ثمة أمرا جللا تخفيه هذه العيون المتورمة وهذا الوجه الشاحب حد الصفرة. توجه الضابط نحو الحمام، غسل وجهه حتى يطرد النوم عنه، ثم ملأ كأسا بماء فاتر وعاد إلى مكتبه. قدم كأس الماء إلى عمي احمد وأمره بالجلوس. أشعل الشرطي سيجارة، وارتشف آخر ما تبقى من ثمالة كوب القهوة البائتة، شَغَّل مُسجِّل هاتفه وأخرج ورقة وقلما من درج مكتبه ثم قال بنبرة هادئة: "حسنا سأفتح المحضر، ما اسمك وما اسم أبيك وأمك؟" ثم تابع " أريدك أن تهدأ وأن تحكي لي كل شيء بالتفصيل، ولا تتوقف حتى أطلب منك ذلك، هيا تفضل، اِحْكِ!"...

سعيد الحجي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى