الأربعاء ٤ تموز (يوليو) ٢٠٠٧
بقلم حسن الشيخ

رجوع صبران و ناقته

لا يدري على وجه التحديد، لماذا عاد. إلا أنه عاد محملاً بالوله الكالح. الوله الذي داسته أخفاف القوافل، وحوافر الخيل.

وقف صامتاً متأملاً. بينما راحت ناقته التي أنهكها الرحيل والشوق، تقضم بعضاً من حشائش برية، لها لون الأوجاع. لم تبد الناقة انفعالاً يذكر، وكأنها تجاهلت الصخب الذي صدر من غير توقع، ولم تلتفت لتغريد النساء البدويات التي تعرف كل واحدة منهن.

كان الموقف يوحي بالانفجار. شيء ما قد يقع في أي لحظة دون مقدمات تذكر، ودون حاجة إلى بداية معلومة.

ضيّق صبران لثامه. حدّق في الأفق تارة، ثم حدّق في الخيام المتناثرة هنا وهناك. بدا مضطرباً شيئاً ما، إلا أنه استطاع إخفاءه، بنظرة عميقة من عينين قد هدهما الرحيل والبعد. التفت صبران إلى خيمة هناك. خيمة أنوار. تسائل! هل يناديها. أين أنوار. همّ برفع صوته. إلا أنه تراجع وبقي واقفاً.
(هل ستنتقم أنوار مني؟ هل ستغرز خنجراً لامعاً في صدري وتبتسم؟ الثأر هو مهر أنوار، الذي لن يتحقق إلا بموتي. هل نست أنوار حبنا العذري، حبنا البدوي الصافي. لا أدري.)

رفع عينيه وهو لم يزل متلثماً، واضعاً بندقية صيده خلف كتفه. رأى مجموعة من الرجال قد أحاطت بناقته، بصمت حذر.
لم يتحرك. بينما تكاثر الحشد بهدوء وترقب، وسادت فترة صمت قصيرة، تخللتها (نحنحات) الرجال، وهمس النسوة.
أراد صبران أن يفك لثامه، ويتحدث. إلا أنه تراجع، فكر في شيء آخر.
(ناقتي تلك هي التي تستطيع أن تفهمني! لا أحد سواها. ناقتي حميدة التي حملتني إلى فضاءات الصحاري، دون كلل أو تبرم، تحكي لي برغائها حكايتها مع الرمل والعشب. وتشتكي أحياناً، لكن دون تذمر مزعج من عطشها. أسبوعان قد مرا دون ماء. صبورة على الظمأ. بينما أنا أستحلب من ذرعها اللبن).
تطلع من جديد للحشد الصغير. تطلع باستغراب ودهشة. إلا أنه فكر في أنوار. هل وقفت بين النسوة، متخفية خلف (برقعها). يتمنى أن يسمعه رجال القبيلة. نساؤها. أنوار أيضاً.
قال له عمه زيدان يوماً :
- اسمعني يا صبران، هذه الناقة لأبيك. أنت قد تحتاجها في سفرك هذا.
ثم أضاف بنبرة بها شيء من العطف :
- لم تزل صغيراً يا صبران، ولكنها عادات القبيلة، لا بد من اعتزال القبيلة سنوات عشر.
ولم يجب يومها صبران على عمه الشيخ زيدان. إلا أنه تطلع الآن فلم يجده بين الواقفين.
عندما عاد صبران على ناقته حميدة، في تلك الظهيرة، كانت في صدره علّة، سببتها سنوات الترحال الطوال، والحنين إلى أنوار.
أما الرجال الذين التفوا حوله. أبناء عمومته. فقد تطلعوا غير مصدقين بعودته. ظنوا أنه لن يعود. وأن جفاف الصحراء وحرارتها كافيان لحتفه.
نظروا بحيرة متعجبة. فقد سبب غيابه الطويل مزيداً من الإحساس بالذنب، والشعور بالخجل. إلا أنهم رغم ذلك مجبرون لتنفيذ حكم القبيلة، بإبعاده عن مضاربها، لإثم لم يرتكبه قط. هذا الإحساس الذي داهم رجال القبيلة، والنشيج المنقطع بين النسوة، ما كان يتم بتلك الاحتفالية الصعبة، لولا هيئة صبران. لم يكن يحتاجون لأن يضع لثامه عن وجهه، كما لم يكن يحتاجون لأن يتحدث لكي يعرفوه. طلعته المهيبة كانت كافية.
هيئة صبران التي بها شيء من البؤس، والانكسار، اللذان يأنفان التذلل، حولّت الاستقبال التلقائي لصبران، إلى احتفالية جنائزية، أشعلت الصحراء بدمع له طعم التراب المبتل.
حميدة، لم تعرف الشبع، ولسنوات طويلة. لكنها حين تشبع في تلك الأيام الربيعية القليلة، فإنها (تبرك) وتجتر بهدوء، بينما تحدق بانكسار في الصحراء البعيدة. وعندما ترغب في النوم، تتوقف عن الاجترار، وتمد عنقها برضى على الأرض وتنام.
قالت أنوار وفي صوتها شيء من المرارة والخجل :
- ستظل مطارداً، بعيداً، عن الديار بذنب لم ترتكبه.
- سأعود يوماً ما. كما أخرج الآن. فهل تعدينني بالانتظار؟
ثم أضاف قبل أن تجيب وبشيء من الانكسار والحكمة :
- الانتظار مرارة، وقدر، مكتوب على جبيننا. لا أنا ولا أنت لنا خيار في دفع المكتوب. هذا ذنب لم أذنبه، وخطأ لم أرتكبه. ولكني أتحمل وزره بالنفي من الديار. عنك. إلا أنني لن أنساك.
- صبران.. يا ابن خالتي، تعال نفضي بحكايتنا لهذا القمر التائه، ,نجعله شاهداً على مأساتنا.
قالت ذلك وأحست بأن كلماتها ليست معبرة بدقة، عما قصدته. رغبت في معاودة القول من جديد، إلا أنها ارتبكت ففضلت الصمت.
نزع صبران لثامه، اتسعت حدقات العيون، وتطلع الرجال بفضول وغرابة ودهشة في وجه صبران. تطلعوا دون أن تنفرج لهم شفاه. كان الموقف صعباً. احتفالي جنائزي. لم تسعف أحد منهم الكلمات المناسبة لقولها. حامد وفريد، رفيقا الطفولة، كانا بين الحشد الصغير إلا أنهما لم يتحدثا أيضاً.
قال له عمه زيدان قبل رحيله أشياء عديدة. استمر عمه زيدان يوصيه بنفسه وبناقته، تحدث معه عن أبيه وذكرياتهما القديمة. تحدث في اليومين الأخيرين عن أشياء غامضة، حتى بدا وكأنه يهذي. قال :
- تذكر يا بني بأننا أهل ضرع. فعليك بألبان الناقة وأبوالها، فإنه دواء للذربة. أما مزودتك فلا تجعلها تفرغ من الزاد أبداً. خذ عباءة الصوف هذه، ستحتاجها ليس لبرد الصحراء فقط، بل للفيحها الحار أيضاً. ضعها الآن خلف الشداد، لتجلس عليها. إن إرْقال الناقة الدائم، لأمر مؤلم لك. أما إذا تعبت من المسير، فأنخ الناقة. ولا تبتعد عن مبرك الناقة، فإن للصحراء غضبها الذي قد لا يمكن التنبؤ به. وضع بندقيتك تحت رأسك، ونم نومة الذئب.
هذا ما قاله له عمه زيدان. ليس هذا ما قاله له بالدقة، ولكن شيئاً يشبهه إلى حد بعيد. لا يتذكر الآن الكلمات بذاتها، فقلبه رغم هدوئه على ناقته، يخفق بشدة. يجول بعينيه بهدوء، يبحث عن والدته، يبحث عن أنوار فلا يجدهما. فتنتابه غصة موجعة من الداخل. لو برزت له واحدة منهما لتغير الموقف الآن. لكان ترجل من ناقته، وأخذهما بالحضن. لانقلب الموقف إلى فرحة حقيقية بالعودة. إلا أن الصمت الغامض، هو ما يسود الآن.

تسائل. ناقته حميدة، يمكنها أن تدرك ما يرغب في قوله الآن. حميدة فقط. ربما أنوار أيضاً. لكن حميدة، وخلال السنوات الخمس الطويلة، عايشت همومه، وصحته، وآلامه. وحدها حميدة مرت بتلك التجربة المرة، التي عايشها هو. يتذكر بوضوح ساعات الخوف التي تتملكهما، حين تعبّر الصحراء عن غضبها. فالصحراء لها قوانينها الغامضة، الموحشة. والتي تخالف فيها قوانين الطبيعة. يتذكر جيداً ذلك اليوم الذي هبّت فيه رياح (السموم) العنيفة. تلك الرياح المحملة بالتراب، لا بل بالكثبان الرملية الحارة. حينها لم يستطع المقاومة. ولا حتى حميدة، رغم قوتها وصبرها، لم تملك سوى إغماض عينيها، والرغاء بحزن وألم. رغاؤها كمن يطلب النجدة. إلا أنه وبعد ذلك تحول الرغاء إلى حشرجة داخلية. امتلأ فمها بالتراب. فعانقها وارتميا أرضاً. استمرت العاصفة، لأكثر من يومين بلا هوادة. الخوف سيطر عليهما. فلم يقويا حتى على البكاء. الذهول سيطر على ذلك الموقف. كل ما كان يتذكره أن الكثبان الرملية قد غطتهما تماماً. فقد القدرة على التنفس، فقد الوعي لوقت طويل. وعندما أفاق، بدا وكأنهما يخرجان من قبر.

أما عندما وقفت العاصفة، ونهضت حميدة. فقد بدا عليهما التعب والإجهاد، كانت بحاجة شديدة إلى الماء. لكنها لم تشرب. بل تركته يرتوي. وسارت بصمت وهدوء. وعند غدير صغير، توقفت وشربت حتى ارتوت. ثم بركت وانبطحت، تمرغت على التراب بسعادة.

لا يدري لماذا تمر كل تلك الذكريات المرة الآن، وبسرعة. كل ما يطلبه بعد الرحيل الطويل، هو الصفح. إلا أن الوجوه ليست هي الوجوه التي خلفها وراءه. وحتى مع تكاثر الحشد الصغير، لم تلح له أمه، ولا أنوار، ولا عمه زيدان. إخوانه الصغار لا يتذكر وجوههم الان. لكن الديار هي الديار ذاتها. إلا أن الذكريات أشد وضوحاً.
الأمراض التي داهمته، داهمت حميدة أيضاً. فكثرة المشي والترحال أصابها بالحفا. لم تكن تتألم، إلا أن عرجها دلته على إصابتها. نزل تفحص أخفافها، فلاحظ دوائر حمراء مرسومة عليها. لقد تلاشت تلك الطبقة الخشنة الواقية لبطن الخف. نظرت حميدة إليه نظرة شاكية فأناخها. لكنها استلقت.

تطلع حوله حائراً مستفسراً. أخذ شيئاً من (الجاعد) من فوق (الشداد) فرقّع أخفافها. قال بفخر بعد أن أخذ نفساً عميقاً :
-  تلك الناقة الشعلاء، لا تتعب من المشي.

هم بالنزول من الناقة. لكي يفتح باعه، للأهل، للأحبة. وينسى الماضي. إلا أن دوي طلقة غاضبة، صدرت من الحشد، لتستقر في صدر صبران.
حدث ذلك بشكل سريع. و بشكل مفاجئ مؤلم. لم يكن صبران، ولا حتى ذلك الحشد مستعداً لها. حينها سقط صبران على الأرض. وبصورة أقرب إلى الخيال، منها إلى الحقيقة. حدّق بعينين دامعتين، قد علق بهما التراب، إلى الحشد تارة، وإلى حميدة تارة أخرى. ثم همهم بكلمات لم تكن تسمع.

ثم انحبست الكلمات، وبقي شيء من الدم المتخثر على الوجه واليدين. بينما بركت حميدة إلى جانبه، نظرت إليه تارة وإلى الحشد تارة أخرى، نظرة استفهام مروعة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى