الأحد ١ شباط (فبراير) ٢٠٠٤
رواية للكاتبة الفلسطينية الصاعدة سحر الرملاوي
بقلم سحر الرملاوي

رواية لاجئة ـ الحلقة 7 من 18

ليلة البارحة ، لم أستطع النوم

أصبح سعيد في حياة ريم هو الحل لكل مشكلة ، و هو البطل الذي لا تقف في طريق تصميمه عقبة ، كانت تشعر تدريجيا أنها تسلم إليه طوعا قيادة دفة حياتها ، في الواقع كانت تريد أن تسلم هذه القيادة إلى أحد ما ، كان أبوها دائما هو هذا الأحد و لكن بسفره و ذلك الفراغ الذي تركه كان لابد لمن يملؤه أو حتى يملأ جزء منه ، و كان سعيد هو المستعد دوما لملء هذا الفراغ ، باتت تشعر أنها قادرة على منحه الثقة مطـــلقة ، تشـــعر أن عــهدا و رباطا بينهما مختوم منذ الأزل ليكــون هذا الشخص تحـــديدا هو منقــذها و حامــيها ، و ماذا بعد ؟

سألت نفسها مرارا إن كان تعلقها بكلماته ، وثقتها بأن في يده دائما حلول مشكلاتها هو الحب الذي يتحدث عنه الناس ، و تنتظره سوسن و يتأوه من أجله المغنون و المغنيات •• لكنهم يتحدثون عن لهفة الانتظار في غياب الحبيب و هي لا تشعر بهذه اللهفة ، يتحدثون عن الأحلام التي يسكنها الحبيب و هي لم تحلم به ليلة رغم وجوده المكثف في حياتها ، يتحدثون عن جمال الكون حين يكون الحبيب مع حبيبه و هي لم تشعر للحظة أن مشكلاتها اختفت و أن بيتها تحول إلى بستان حين رؤيته •• كل ما كانت موقنة به تمام اليقين ، أنها إذا احتاجته وجدته ، و إنها إذا ألمت بها مشكلة كان هو الوحيد الذي يخطر ببالها عندها ، و أنها أصبحت في داخله التزاما حتى هو لا يستطيع ــ إن أراد ــ أن يخلعه عن نفسه ، لسبب تجهله و تعتقد أن حتى سعيد نفسه يجهله ، كانت تشعر بهذا و لا شيء غير هذا ••

ووجد سعيد الحل كما وعد ، حمله ابتسامة في عيونه و هو يطالع وجه ريم التي فتحت له الباب بنفسها هذه المرة ، قرأت في عيونه أن الفرج قريب و عندما تحدث كان الفرج ليس ببعيد و إن لم يكن بكل القرب الذي توقعته :

 هما في الواقع حلان ، أولاهما إدارة الوافدين ، و عن طريقها يمكن حذف أو تخفيف المصاريف خاصة و الأم مصرية ، و الحل الثاني مكتب المنظمة و عن طريقه يمكن تقديم طلب ليدفعوا هم المصاريف نيابة عنكم ••
تساءلت الأم :
 وما مكتب المنظمة ؟
فقال الأستاذ سعيد :
 مكتب منظمة التحرير الفلسطينية ، إنه بمثابة القائم بأعمال الجالية الفلسطينية هنا و بسؤالي _ _ عرفت أن كثيرا جدا من الطلاب الفلسطنيين تعلموا عن طريقه ••
قالت ريم :
 لكنها كما تقول طلبات و قد تأخذ وقتا طويلا لحين البت فيها ••
قال سعيد :
 لقد فكرت في هذا الأمر و لدي حل له ، زيــارة إلى عميـــد الكلية نشـــرح فيها الظروف و الملابسات و نتعهد بدفع المصاريف على أن يتم اختبارك و تلتحقي بالقسم الذي تريدين و تواظبي على الحضور و لا تدخلي الامتحان إلا بعد دفع المصاريف ••
نظرت إليه ريم ممتنة و قالت :
  لقد فكرت في كل شيء ••

نكس رأسه و قال بهدوء ••
  ليلة البارحة ، لم أستطع النوم ، اعتدت على أمر لم يحدث فجافاني النوم و استحوذ علي التفكير ••
 
فقالت الأم باسمة :
 إذن الفضل في هذا التفكير الشامل هو الأمر الذي لم يحدث ؟
تطلع سعيد إلى ريم و سألتها عيونه :" لماذا لم يحدث ؟"
و أجابت عيونها :" كنت متعبة و حزينة "
فقالت عيونه :" ألست واحتك حين يقسو عليك الوجود ؟"

أشاحت بوجهها و لم تعط له الفرصة ليقرأ رد عيونها ••

قالت :

 و لكن أستاذ سعيد ، أليس من المحتمل أن يرفض عميد الكلية هذا الطلب ؟
أجاب :
 لن نخسر شيئا ، لقد كان ما أمامنا هو البقاء في المنزل و انتظار حل غيبي ، و الآن أمامنا فرصة قد تنجح ، و محاولات أخري قد تقدم حلا جذريا فلم القلق ؟
قالت الأم :
 لابأس ، غدا إن شاء الله نتحرك ، تذهبين يا ريم إلى الكلية و تحــاولين مـــقابلة العميد و شرح ظروفك له ، و أذهب أنا إلى إدارة الوافدين باعتباري الأم المصرية التي تريد تعليم أبنائها ، و أما مكتب المنظمة فليكن خطوة مشتركة بيننا بعد غد إن شاء الله ••
قال سعيد :

 سوف أصحبك يا خالتي إلى إدارة الوافدين ، أعتقد أن ريم بامكانها أن تعبر أفضل عن نفسها بنفسها أمام العميد ••
قالت الأم :

 لا يا بني يكفيك الأجازات التي أخذتها من عملك حتى الآن بسببنا ، وفقك الله و جزاك عنا خير الجزاء ، صف لي فقط المكان و سأذهب اليه بمفردي ••
 أولا يا خالتي لم آخذ أية اجازة من عملي ، مكتب المحاماة لي و أنا حر في الذهاب أو لا ، و ثانيا ، ليس بيننا هذا القدر من التكليف حتى تشكريني على أداء واجبي ، أم أنك مازلت تعتبرينني غريب ؟
 لا يا بني ، بل إنك أفضل من كثير من الأقرباء ، و لكن ••
و حسمها سعيد كعادته ، كلمته كانت الأخيرة ، ووافقت الأم و هي تدعو له ، فيما قالت ريم لنفسها :
 هذا هو سعيد الذي أعرفه ••

و كان اليوم التالي يوما حافلا لريم لم يخطر ببالها أبدا أن تمر فيه بكل ما مرت و لا أنها ستتعلم منه أهم درس لحياتها العملية ، فقد توجهت صبيحته لمقابلة العميد و انتظرت ساعة حتى سمح لها السكرتير بالــدخول و هنـــاك وقفت أمامـــه حائــرة من أين تبــدأ ؟ و تبخرت كل الكلمات التي ظلت طوال الليل ترددها و تحفظها و تختار أكثرها وقعا على النفوس ، استمهلها العميد لحظة لتستجمع قواها و عندما تحدثت فوجئت بحديث لا يشبه ما سبق و أن أعدته ، حديثا كان مباشرا و صريحا و مختصرا و بلا مقدمات ، شعرت أن وقته و هيبته لا تسمح لها بالسرد الطويل لذا فقد قالت :

  سيدي العميد ، أنا طالبة فلسطينية ، أريد أن أتعلم لكنني لا أملك في الوقت الراهن مصاريف التعليم التي تطلبونها ••

تطلع إليها العميد مليا ثم قال برفق
:
 نحن لا نطلب شيئا يا ابنتي ، إنها القوانين و الأنظمة ، و لا أملك حتى أنا العميد الغاءها أو التعدي عليها ••
فقالت بهدوء حذر ، خوفا من أن تسبقها دموعها كالعادة :
  لا أريد الغاءها ، أريد فقط تأجيلها ••

تطلع إليها بوجه لا يحمل تعبيرا و هز رأسه و كانت دموعها التي تحذرها قد خانتها فسقطت بمجرد أن نطق العميد بالرفض :
 لا استطيع ••
شعرت بالانكسار ••و كانت هذه هي المرة الاولى التي تشعر بالانكسار فيها ، شعور عميق يشبه أن تميد الارض و تنطبق الجدران و تتعمق المهانة و الشعور بالخذلان ، شعرت أنها قالت كل ما استعدت به و لم يستجب لها ، شعرت أنها أهرقت ماء وجهها و لم يلتفت إليها أحد ، كانت المرة الأولى التي تطلب شيئا و هي تشعر أن ما تطلبه إن تمت تلبيته سيكون من قبيل الإحسان •• انكسارها في تلك اللحظة كان يعني تضاؤلها أمام نفسها حتى الاختفاء ، عندما لمح العميد دموعها ، التفت إلى اوراق أمامه و قال لها :

  المقابلة انتهت ••

خرجت من عنده بأقدام لا تعرف كيف حملتها ، و برأس يهدر الخوف و الذل فيها و بعيون تدور و تمطر بغير أنقطاع ، خرجت بقلب مكسور •• مكسور ، كانت تستــند على الجــدران و تتعثر في خطوها ، لمحها السكرتير و قد كان يعرف طلبها فعرف ما أجيبت به •• ظلت عيونه ترقبها و هي تسير ببطء كان يتوقع وقوعها في أية لحظة لذا استمهل الدكتور طارق الذي دخل في هذه اللحظة لمقابلة العميد و أشار إليها لينبهه أن شيئا ما سيحدث الآن ، و حدث بالفعل ما توقعه ، للحظة شعرت ريم أن ظلام أسود يزحف بسرعة في رأسها ، و شعرت أن نافورة دم تدق جمجمتها تريد أن تكسرها ، و شعرت بالأرض تميد بها فسقطت مغشيا عليها ••
عندما أفاقت ريم وجدت نفسها على سرير صغير ، في حجرة ضيقة بها طاولة وحيدة عليها بعض المعدات الطبية ، كانت الغرفة خالية ، حاولت استجماع قوتها للنهوض لكنها لم تستطع و اكتشفت أن محلول معلق لتغذيتها ، تساءلت عن مكانها و تذكرت ما حدث لها ، تذكرت فأسقطت نفسها على الوسادة مجددا و شرعت في بكاء صامت ••

لم يطل الأمر فقد دخل الطبيب و معه الدكتور طارق و بادرها :

 ها هي طالبتنا قد أفاقت ••
نظرت إليه و لم تستطع الرد بسبب العبرات التي سكنت حلقها المتعب ، و تحدث الدكتور طارق فقال:

  أنت هنا في عيادة الجامعة ، نقلناك قبل قليل ، يبدو أنك متعبة •• لماذا جئت اليوم إذا كنت بهذا التعب ؟

مرة أخرى لم تستطع الرد ، فجلس الطبيب بجوارها و أمسك رسغها و عد نبضاتها ، ثم أقفل علبة المحلول المعلق و انتزع الحقنة المغروسة في أوردتها و قال:
 اطمئني ، إنك الآن أحسن حالا ، امسحي دموعك و اشربي هذا العصير و ستكوني بخير ••
بعدها ناولها كأس عصير بارد ، مدت يدا مهزوزة و استلمته و شـــــكرته بعيونها ، و بعد الجرعة الأولى وضعت الكأس و قالت بصوت ضعيف :
 الحمد لله ، أنا الآن احسن حالا ، أشكرك ••
أشار الطبيب على الدكتور طارق و قال :

  الدكتور طارق ، أستاذ في الجامعة ، هو من حملك إلى هنا ••

نظرت إليه امتنانا فقال مبتسما :

  أنت خفيفة على أية حال ••

ابتسمت عيونها المبللة فقال الأستاذ :
 أنت طالبة مستجدة أليس كذلك ؟
تنهدت و قالت :
 كنت ••
و سألها فاجابت و عندما عرف الموضوع ابتسم و قال :
 سوف أساعدك يا ريم ، سأذهب الى العميد و أشرح له الموقف و اعتقد أنني سأتمكن من اقناعه •• انتظري هنا ••

انصرف قبل أن تتمكن ريم من استيقافه أو منعه ، هي لا تريد المزيد من الذل ، يكفيها ما حدث •• لكنه ذهب ، و حاولت النهوض ، فقال الطبيب :
  على أقل من مهلك ، الدكتور طارق إذا قال فعل ، و هو صديق الطلاب ، يعتبرونه واحدا منهم ، كما ترين هو صغير السن ، لكنه نابغة و لــه حــس فني راق اكــثر مما تتوقعين •• و لعل هذا سر إحساسه بالناس أيضا ••

أومأت برأسها تفهما و أكملت نهوضها و قبل أن تنتهي من تسوية هندامها سمعت ضجة خلف باب العيادة و فتح الباب فدخل ثلاثة من الشباب يحملون شابا مصابا ينزف الدم من رأسه ، أسرعت ريم مبتعدة عن الفراش ، فارقدوه عليه و تحدثوا معا ليشرحوا ما حدث ، فلم تفهم منهم شيئا و الطبيب بدوره لم يلتفت لما يقولون و اندمج سريعا في عمله يعاين الجرح و هو يردد :
 إلى متى ستظل أرعن يا أحمد ، متى تتخلص من رعونتك و طيشك ، ناوليني القطن يا ريم ••
لم تتوقف ريم أمام الطلب الغريب و لا لهجة الأمر التي تحدث بها الطبيب و أسرعت فورا لتلبية طلبه فتراجع الشباب للخلف فقال الطبيب :

 اخرجوا جميعا ، سيكون بخير مجرد جرح بسيط ، هاتي ماءً يا ريم ••
خرج الشباب و أحضرت ريم الماء ، أعطته للطبيب الذي بدأ يغسل الجرح و الدم عن وجه أحمد بسرعة و دراية ، ثم طلب من ريم عدة طلبات حتى انتهى و قد غطى الجرح و عــقمه و كان أحمد في كل هذا صامتا مستسلما ليد الطبيب و لتقريعه له ، لا يفعل إلا أن يتألم للحظة ثم يعود للصمت ، و عندما انتهى الطبيب نظر أحمد إلى ريم و همس للطبيب مبتسما :

 من هي ؟
نظر الطبيب إلى ريم و فجأة اكتشــف أنه استــعان بها في عمله دون أن ينتبه ، فابتسم و قال:
  ريم •• أنا آسف ، هل أزعجك العمل معي في علاج هذا الأرعن ؟

هزت ريم رأسها و ابتسمت و هي تقول :
  لا ياسيدي الطبيب ، بالعكس لقد أسعدني أني استطعت المساعدة

قال الطبيب و هو ينهض لتحيتها :
 هذا أحمد ، سيد الطيش في هذه الكلية ، لا أدري كيف قبلوه فيها و هو لا يملك أي حس فني ، مهارته كلها في أن يضرب الناس و يضربوه ••
قال أحمد :
 كفى يا دكتور سامي ، لقد اوسعتني تعنيفا منذ دخلت كما أنك قدمت تعريفا مغلوطا للآنسة و لم تقدمها لي ، فهلا فعلت ؟
فقال الدكتور :

 قدمي نفسك له يا ريم ، فلن يهدأ حتى يعرف ••

و تقدمت ريم باسمة منه و قالت له اسمها ، وشرحت أيضا ما حدث معها اليوم و ظروفها ، كانت تتحدث معه بطلاقة عجبت لها ، حتــى أنها أخـــبرته بمــشاعرها أثناء لقاء العميد و بعدها و هو الأمر الذي لم تخبر به طارقا رغم تحمسه لها ، استجابت لردوده المرحة فابتسمت و شعرت أن الموقف لم يكن يستحق كل هذا العناء و عندما ضحك أحمد و هو يتحسس جرحه و قال :

 سوف تعتادين على مواقف الطلب و الصد و الرفض أو القبول ، إنها الحياة العملية التي تدخلينها للمرة الاولى فحاولي أن تكوني أقوى ••
عندما قال هذه العبارة تلاشت تماما مشاعر الهزيمة داخلها ، و شعرت بالتفاؤل و قررت انها لابد أن تقاتل لتحصل على ما تريد و عليها ألا تستسلم لكل شعور بالحزن قد تجده في نفسها ، قالت لأحمد هذه الكلمات فبادرها مبتسما و هو يحاول النهوض :
 أحسنت ••
أوقفه الطبيب و قال :

 ليس قبل أن تكمل محلول ريم ، سأبدل الحقنة و أغذيك بما تبقى فلقد نزفت الكثير ••
تطلع أحمد للطبيب و هو ينفذ ما قـــال و نظــر للمحلول الــذي يقــــطر ببطء في أوردته و قال باسما :

 الآن بيننا محلول يا ريم ، صرنا عِشرة !!
طرق الباب و دخل الدكتور طارق الغرفة مبتسما و عندما رأى احمد قال :
 آه •• هذا أنت ، كم طالبا ضربت اليوم ؟
قال أحمد :
 مظلوم و الله يا دكتور طارق ، لقد اصطدم رأسي بحاجز الشرفة و شج كما ترى دون قصد ، و في الحقيقة فإنني كنت متجها لضرب سمير لولا هذا الحادث الصغير ••
التفت الدكتور إلى ريم و قال لها :
 أبشري يا ريم ، لقد تحدثت مع العميد و أقنعته فطلب أن تقدمي لرئيس شئون الطلاب طلبا تتعهدين فيه بعدم دخول الامتحانات النصف سنوية ، أو النهائية ، إلا بعد دفع المصاريف ، و سيعتمد الطلب بمجرد إحالته إليه ••

  حقا ؟

زغردت الفرحة في عيون ريم ، و شعرت بسعادة فائقة ، و كأن الايام ستصالحها ، شعرت بألفة قوية مع هذا المكان و هؤلاء الأشخاص الذين أحاطوها بالاهتمام و فرجوا كربتها ••لم تستطع الكلام ، اكتفت بنظرات الامتنان ووصلت نظراتها للجميع فبادلوها ألفة و مودة و ابتسام ••
أخفى الدكتور طارق خلف أبتسامته أمتعاضا يشعر به منذ أن بدأ الحديث مع العميد •• فوجيء تماما بما لدى العميد من نظرة متعنتة غير قابلة للمرونة ، حاول أقناعه بأن الطالبة مقبولة و يمكن التصرف في موضوع المصاريف بالتأجيل ، فقال العميد :

 و لماذا تدرس إن كانت لا تملك ؟ نحن لسنا ملجأً للمحتاجين ••
 لكنها لا تطلب صدقة •• تطلب تعليما ••
 ليس من حقها •• أنها فلسطينية •• أولى بمقعدها طالب مصري ••
صاح الدكتور طارق غير مصدق ما يسمع :
 ما هذا المنطق ؟ لو تحدث به شاب لا يعرف التاريخ لعذرناه ، و لكنك أنت سيادة العميد ، هذا أمر لا يصدق ••
فقال العميد على الفور :
 هذا لأني أعرف التاريخ ••
فقال الدكتور طارق بلهجة قوية :
  و التاريخ لن يغفر لك أنك حرمت طالبة عربيـــة من التعلـــيم لمجــرد أنها فلسطينية •• و يوما ما ستكبر ريم و يصبح لها صوت لأي سبب و عندما يسألونها عن نقطة السواد في حياتها فستذكرك أنت ••

لم تعد ريم إلى منزلها إلا بعد أن قدمت الطلب إلى مــدير شئــون الطلاب بعد أن كتبته و نسقته بمساعدة الدكتور طارق و الطالب أحمد ، و عندما استلمه الموظف و كاد يرفضه هاتفه الدكتور و أبلغه أمرا فقبل الطلب على الفور وأعطى موعدا لريم بعد ثلاثة أيام لمعرفة الرد ••
و في المنزل كانت الام تتحدث لريم عن دمــاثة أخـــلاق سعيد و وقـــوفه الـــكبير بــجانبها و مساعدته الكبيرة لها في تذليــل كافة الــعقبات أمام تقديم الطلب إلى الأدارة و كانت تقول :

  تعرفين الروتين الحكومي ، و الشروط التي يجب أن تستوفى و صـورة جــواز الــسفر و عقد الزواج ، و غيرها من أمور لا أحد يعلم غير الله ماذا كنت سأعمل إزاءها لو لم يكن سعيد معي ، ناهيك عن أني وجدت من تخبرني أن الطلب لن يقبل لأن الزوج يعمل بالخارج •• حتى أنني صحت فيها ان تكف و ••

لاحظت الأم أن ريم كانت تستمع بنصف تركيز فقالت لها :
 ما بك يا ريم ؟ هل مازلت تفكرين فيما حدث مع العميد اليوم ؟
هزت ريم رأسها و ابتسمت لأمها لطمأنتها و قالت :
 بل أفكر في أمر آخر يا أمي ، تعبير جميل قاله أحمد ففتح لي عالم جديد ، و قدم لي رؤية جديدة للحياة ••
 أي تعبير هذا ؟
قالت ريم و هي تحاول أن تستخدم نفس عبارة أحمد ما استطاعت :
 لقد قال لي :" سوف تعتادين على مواقف الطلب و الصد و الرفض أو القبول ، إنها الحياة العملية التي تدخلينها للمرة الأولى فحاولي أن تكوني أقوى" هل تعرفين يا أمي كم أنني كنت غائبة عن هذه الحقيقة ؟
هزت الأم رأسها و قالت :

 أمر طبيعي إن الوضع الآن اختلف ، و إن الامور لا تؤخذ بكل هذه الحساسية ، و صدق أحمد فيما قاله من أن الحياة العملية ستعرفك و تريك ما لم تكوني تعرفي ، و عندما تدخلين الحياة العملية الكبرى بالعمل و الزواج ستنفتح أمامك عوالم أخرى ما زالت مغلقة ••
 شعرت يا أمي كما لو كنت صغيرة و كبرت فجأة ، أحسست بأنني أتلمس عالما جديدا بروح قديمة لا تحتمله و لابد من خلع هذا المعطف المستكين و ارتداء المعطف الواقي ، معطف نسيجه من اللامبالاة ، و الصبر و الإلحاح و التملق و القــوة ، و لا أدري بالضبط يا أمي إن كان المعطف الجديد سيناسبني أم أنني سأبدو فيه غير ما أنا ؟

قالت الأم :

 الناس تبدل معاطفها تبعا للظروف ، و لكن الناس لا تبدل نفسها لأي سبب ، و إذا كان تبديل المعطف ضرورة للتعامل مع الحياة الجديدة ، فاحرصي كل الحرص على آلا يطال التبديل و التغيير روحك أيضا ••
تطلعت ريم إلى أمها •• حكمة عظيمة قالتها ، و تعبير جميل استخدمته ، لكنه درس ثقيل تعلمته ، حملها تبعات كبيرة و ألبسها ثوبا كانت غير مستعدة لارتدائه ••

صبيحة اليوم التالي ذهبت ريم بصحبة أمها و سعيد إلى مكتب المنظمة ، و مضى وقت طويل فيه استغرق كل تفكير ريم و انتباهها ، فلم تلاحظ سعيد و هــو يحوطها بــنظراته و اهتمامه في كل خطوة ، و بدت الاجراءات طويلة و ساعات الانتظار مملة ، و في النهاية عندما تم تسجيل الطلب ، كانت الساعة قد شارفت على الثانية بعد الظهر ، عندها فطنت ريم إلى أن سعيد لم يذهب إلى عمله ، و أنه بقي معهما كل هذه الوقت ، نظرت إليه بعد أن عرفت الساعة و قالت :
 أستاذ سعيد ، لقد ظلـمناك معنا اليــوم ، أنت لم تذهــب إلى عملك ، لابد أن أمورا كثيرة تعطلت بسببي
ابتسم سعيد و قال :
 لا داعي لتحميل نفسك ذنبي أنا سعيد لأنني معكما ••
ابتسمت و قالت :

 لا أنت سعيد لأن أباك سماك هذا الأسم ••!!
فوجئت ريم بتعليقها كما فوجيء سعيد ، و ربما أكثر منه ، فها هي المرة الأولى التي تخرج فيها عن نطاق الحديث الجاد معه ، و تدخل إلى منطقة لم تكن تتوقع يوما أن تدخلها معه ، هكذا بمنتهى البساطة وجدت نفســها مشبعة بــروح المرح رغم اليــوم الحار و الاجراءات الطويلة ، و ربما لم تلاحظ الأم فقد كانت عبارة قصيرة ، إلا أن وقعها في نفس سعيد كان عظيما ، كان يعني له بدء إنهيار جبل الجليد الذي يتعامل من خلاله معها ، فرغم الابتسام الليلي المتبادل إلا أنه لم يسمع منها يوما عبـــارة تنبيء عن الحميمية ، أو تخبره أنه صار قريبا منها ، لذا تسمرت عيونه عليها ، تنازعه آلاف الرغبات في أن يضمها شكرا على هذه العبارة المرحة على قصرها ، و بدورها سكتت ريم ، و لكن ما كان يعتمل داخلها مختلف تماما عما كان يظنه سعيد ، لقد شعرت في هذه اللحظة بانهيار حائط الحذر بينها و بين الناس جميعا و ليس مع سعيد فقط ، شعرت أنها تحررت من لجام حديدي كانت تلجم به نفسها ، و شعرت أخيرا بالامتنان لأحمد ، ذلك الشاب الذي رأته لمرة واحدة فأستطاع أن يغير فيها الكثير لذا ابتسمت ، ابتسم الجميع و لكن افكارا مختلفة كانت تسبح في أدمغتهم ، و ربما في قلوبهم ••

كان يتعين على ريم أن تستيقظ مبكرا صبيــحـــة يوم ذهـــابها للجــامعة لتعرف النتيجة ، و لكن الام فوجئت كثيرا عندما دخلت غرفتها في الثامنة و النصف لتجدها غارقة في النوم ، كانت تبدو هادئة و بدت لأمها في تلك اللحظة راضيــة ، هكذا استشعــر قلب الأم و قلما يخطيء ، شعرت أن تجعيدات خفية على وجه ريم قد اختفت ، و أن راحة ما تلفها في هذه اللحظة ، ابتسمت ، على أنها ما لبثت أن سارعت بايقاظها ، هزتها برفق ، ففتحت ريم عيونها بهدوء و همست و هي تبتسم :

 صباح الخير يا أمي ••
ابتسمت الام بدورها و قالت لها :

 صباح الخير يا حبة العين ، متأخرة اليوم ، هل نسيت الجامعة و ميعاد مدير شؤون الطلاب فيها ••؟
ابتسمت ريم و تمطت بكسل و قالت و هي تنهض نصف نهوض :

  لا •• لم انس ، لكنني لست مرتبطة بموعد دقيــــق معه ، لذا فلا مانع من الذهـــاب الآن أو بعد ساعة ، أو حتى بعد صلاة الظهر ••

نظرت إليها الأم مندهشة و قالت :

 ليس من عادتك مقابلة الأمور بهذه البساطة ، أين هي العجلة ؟
 العجلة من الشيطان يا أمي ••
 و اللهفة ؟
 لن آخذ إلا نصيبي ••
 و رهبة الوقوف أمام المدير و سماع صوته الأجش ؟
 لن يقبض روحي على أية حال ••
 ماذا حدث ؟
أخذت منشفتها و توجهت للحمام و هي تقول لأمها بصوت عال مرح :
 لا شيء •• لقد بدلت معطفي ••
سارت الأمور على هذا النحو من البطء و المرح و اللامبالاة حتى شارفت الساعة على العاشرة و مازالت ريم لم ترتد ملابسها ، نظرت إليها الأم غاضبة و قالت :
 ريم •• ليس من معنى لما تفعلينه سوى أنك تخليت عن الحلم الذي تغرب والدك من أجل تحقيقه ••
انتبهت ريم و نظرت بدهشة لامها و دق قلبها بشدة ، همست :
 أبي ؟
هزت الأم رأسها ، ثم نظرت إلى ساعة الحائط فشاركتها ريم النظرة و قامت من فورها ، ارتدت ملابسها و تأهبت للخروج و عندما خرجت إلى أمها في الصالة قالت و هي منكسة رأسها :
 أمي •• أنا لم أنس أبي ، و لا نسيت تضحيته هذه ، و هو عهد قطعته على نفسي و لن أنكص فيه إن شاء الله ، اطمئني ••
تقدمت منها الأم و احتضنتها بتفهم و قالت :
  لا يطمئن إلى الغد إلا من يخدع نفسه ، لا يطمئن إليه إلا الكسالى الذين لا موقع لهم تحت الشمس ، أما أولئــك الذين لديهم هـــدف فيجــب أن يحاربوا الدنيا للوصول إليه ، و عندما تعتريهم لحظات فتور ، يجب ألا تطول فالدنيا لن تنتظر ••

هزت ريم رأسها إيجابا و غادرت المنزل ••
كانت عبارات أمها قوية بالقدر الذي يحتاج إلى التفكير العميق ، كانت متناقضة في مجملها مع نصيحة أحمد لها و عندما أمعنت النظر في الموقفين و الاتجاهين ووجدت أنها تركن اليهما معا و تكاد تكون مقتنعة بهما معا قررت أن تتخذ طريقا وسطــا يجــمعهما و يمزج بينهما في طريق الوصول إلى الهدف ، و عندما وصلت الى هذا القرار بعد طول تفكير كانت أيضا قد وصلت إلى الجامعة ، و في طريق صعودها للدرجات الطويلة التي تفصلها عن طابق المكتب الذي تريد وجدت من يستوقفها ، كان أحمد واقفا مع مجموعة من الشباب بنات و أولاد ، و كان يبدو عليهم جميعا الألفة و المرح بادرها احمد بصوت عال :

 ريم ، هذه أنت ؟
 تطلعت رليه و ابتسمت و سارعت بالرد :
 نعم •• هذه أنا ••
 تعالي سأعرفك على شلة الشغب الجامعي ••
 صعدت الدرجات الباقية بسرعة فأصبحت في مواجهتهم جميعا ثــلاثة شباب و شــابتين و الجميع كان يبتسم مرحبا بها ، عرفها أحمد على أسمائهم ، فرسخت فورا في ذاكرتهــا و اكتفى بأن يقول عنها :
 أما هي فريم التي حدثتكم عنها ••
قالت سمر و كانت أقربهن إليها :
 أهلا ريم ، ننتظر انضمامك إلينا في أسرع وقت ••
و قالت هدى :
 عن نفسي سوف أساعدك بما فاتك من محاضرات ، فأنا أحسنهم خطا ••
و قال سمير :
 مرحبا يا ريم ، الجامعة نورت ••
و قال فؤاد :
 لا تبدين كفلسطينية ، إنك تشبهيننا ••!!
هزت رأسها عجبا و تحفزت للرد فقال أحمد :

 لا عليك ، لقد قطعت ذيلها و اقتلعت عينها الثالثة !!
فقال محسن :
 قصد فؤاد أن يؤكد أنك صرت منا بالفعل و بين أهلك ، لكنه لا يحسن التعبير ••
ابتسمت ريم للجميع ، و كانت ابتسامة فرحة ، ابتسامة أمل جديد ، و غد أفضل •• عادت تتصفح وجوههم و تستشعر ابتساماتهم المرحبة في قلبها ، فقال أحمد :
  هل قابلت الأستاذ شاكر ؟

هزت رأسها نفيا فقال :
 إذن تعالي •• سارأفقك ••
و عند الأستاذ شاكر مدير شؤون الطلاب سارت الأمور على النحو المتوقع ، فلقد ، استمهلها لوقت ينهي فيه ما أمامه و يبحث عن طلبها ليعطها الرد و تعمد الانشغال فترة أطول مما يجب و في النهاية مد يده بالورقة و قال من تحت نظارته :
 لقد وقع عليها العميد بالقبول على ألا تدخلي الامتحانات إلا بعد دفع المصاريف ••
مدت يدها لتأخذ الورقة فانتشلها أحمد بسرعة و قال:

 هذا هو المطلوب يا حضرة المدير •• هيا يا ريم المناسبة تستحق احتفالا صغيرا ••
خرجا من الغرفة ، و لم تدر ريم ماسر هذا الاهتمام من أحمد بالموضوع و كأنه موضوعه ، راقبته و هو يمسك بالورقة يديرها بين يديه و يسير شبه راقص إلى حيث تقف شلة الشغب الجامعي و يقول لهم و هو يهز الورقة أمام عيونهم :
 الموافقة الكريمة صارت معنا ، ريم صارت معنا قولوا مرحبا لريم ••
و تعالت أصواتهم بالتبريك و التهنئة و نزل الجميع الدرجات قفزا و ساروا باتفاق غير معلن نحو استراحة الجامعة ، و كانت هي المرة الاولى التي تدخلها ريم ، و اتخذوا مقاعدهم حول طاولة مستديرة و صفق أحمد قائلا للنادل :
 أفضل مشروب لديك يا ولد ••
فقال النادل مبتسما :
 وجه جديد ••
فقال أحمد :

 بل زميلة دراسة مستجدة ، والدها في السعودية ، اخــدمها جيدا و لن تنساك بالبقشيش ••
 من عيوني ••

في أجواء المرح استطاع الزملاء الجدــد أن يدخــلوا عــلى ريم الفرحة و الشعــور بالأمان ، و ناقشوا معها الخطوة الجديدة التي ينبغي أن تقوم بها ، و حذروها أن من سيختبرها هو الدكتور محمد ، رجل شديد ، ينبغي الاحتياط لمقابلته و حدثوها عن ماهية هذه المقابلة الشخصية و كونها ستحدد مستواها و ما إذا كانت تستطيع الالتحاق بقسم الفنون التشكيلية أم لا و علق أحمد :

 و لكنني متفائل على أية حال ، فبوسع ريم أن تقنع الدكتور محمد بموهبتها بكل سهولة ••
فقالت هدى بسرعة :
 و كأنك تعرف شيئا عن موهبة ريم ؟
فرد أحمد على الفور قائلا :
 لا •• و لكنني أعرف ريم ••

فيما بعد ، عندما دخلت ريم إلى مكتب الدكتور محمد لمقابلته ، كانت تعرف أن اثنتي عشرة عينا تتطلع إلى الباب الذي دخلت منه للتو في انتظار النتيجة التي ستخرج بها ، فقد استقبلتها شلة الشغب الجامعي و اصطحبتها مع لوحاتها التي اختارتها من مجموع ما رسمت إلى مكتب الدكتور محمد و تركوها تدخل بعد أن حصنوها بكل النصائح اللازمة ، و قال أحمد في النهاية :

 و على أية حال فلا داعي للخوف فهو لن يقبض روحك ••
وقفت أمام الدكتور بهدوء فأشـــار لها بالجـــلوس و شـــرع في طرح أســئلة عادية عليها ، و فوجئت أن معظم الأسئلة كانت تنصب على القضية الفلسطينية و تفاصيلها و موقفها الشخصي منها و غير ذلك ، فكانت تجيب قدر استطاعتها ، و إن بدا أنها في عزلة تامة عما يحدث هناك ، و بعد قليل اكتشفت هي أنها لا تعرف عن قضية بلدها سوى ما يعرفه كل طفل في العالم و شعرت بالضحالة فصمتت فجأة ، ثم رفعت عيونا لامعة إلى الدكتور و قالت :
  آسفة يا دكتور محمد ، إذا كانت معلوماتي عن بلادي هي مفتاح نجاحي في هذا الاختبار ، فلابد أنني سأفشل فشلا ذريعا فيه ••

نكست رأسها خجلا ، فابتسم الدكتور محمد و قال :
 أولا هذا ليس اختبار ، انه مجرد مقابلة شخصية ، و ثانيا انا لا اسألك عن بلدك لاعرف ما اعرفه و يعرفه الجميع و قد تجهلين انت بعضا منه بحكم نشأتك بعيدا عنها ، و إنما أريد أن أعرف ما لا أعرفه عنها و تعرفينه أنت ، أريد أن أعرفها من خــلال إحساسك بها و ليس من خلال التقارير الأخبارية عنها ، فهل هذا ممكن ، أم أنه صعب بدوره ؟
رفعت إليه وجهها ، كانت تبدو في هذه اللحظة جميلة ، بعيون لامعة و عقل يستشرف شيئا مميزا و عندما تحدثت اكتملت الصورة كما رآها الدكتور محمد بحس الفنان فيه ، فقد خرج حديثها مغلفا في ضبابات شوق بعيد ، و كأنه يخرج من أعماق ملتهبة تتدفق فيها ينابيع الدهشة و الحلم و الرغبة في المزيد ، كان عنقها يبدو طويلا و رأســها مرفوع و ذقنها الدقيق مضموم على طابع الحسن الصغير ، قالت :

 فلسطين كما أعرفها و أحبها ، هي أرضي التي انتمي إليها ، الأرض التي تناديني بشوق و يستجيب إلى ندائها حنيني ، فلسطين هي الدمعة في عين أبي الذي يقتله الشوق إليها ، و هي الارتجافة في شفاهه حين يتحدث عنها ، فلسطين هي الورق المخبوء منذ سنين يحمل عناوين غربة بعيدة و شتات كبير ، هي الوثيقة حين يسمونها بعبارة اللاجئين ، فلسطين هي النبض الدائم في العروق ، و هي الشيء الوحيد الذي يسري مع الدم فيها ••

و تهدج صوت ريم و ترقرقت الدمعات و قالت و هي تنظر للدكتور محمد :
 فلسطين يا دكتور هي ذلك البئر المعطل في ساحة منزل مهجور ، هي بحر غزة و ناسها •• هي الرمز الجميل الذي يحميني من ضياع الذات حين أكون مخيرة بين أن أكون أو لا أكون •••• فلسطين هي الغائب الذي أبحث عنه و أحتاجه ••
و قال الدكتور :
 هذا كل شيء انصرفي الآن
 همست ريم بقلق و هي تشير لما في يدها :
 و اللوحات ؟
فقال الدكتور بغموض :
 اللوحة التي رأيت تشغلني الآن أكثر •• هيا انصرفي ••

و خرجت ريم فقام الدكتور من فوره ، أمسك لوحة بيضاء صغيرة و بدأ يخط فيها بسرعة وجه فتاة شامخة الرأس لها طابع حسن مضموم على تصميم و في نظراتها حنين •••
و صارت ريم طالبة منتظمة في قسم الفنون التشكيلية بكلية الفنون الجميلة ••

ابنة عمي ريم ••

لم أصدق نفسي و انا أقرأ سطور رسالتك الغريبة العجيبة القادمة من المجهول ، لم أصدق أن لي ابنة عم لديها كل هذا الحس المرهف و الرغبة في التواصل و السعي إليه •• كنت أعرف بالطبع ان لي عما اسمه جهاد يعيش في مصر لكنني مثلك كنت أسمع الأسماء و لا أرى الوجوه أو أحس بها ، وصل خطابك في وقت شديد الحرج فأبي الذي أضنته الغربة يحتضر و نحن حوله لا نملك له شيئا ينقذه ، يبدو يا أبنة عمي أن الغربة قادرة دوما على امتصاصنا حتى آخر قطرة و التضامن مع أعدائنا على تهمشينا و ضياعنا •• قرأت الخطاب عوضا عنه ، و شعرت أنه موجه لي أنا و ليس لأبي ، عرفت من خلاله روحا أخرى ضالة تبحث عن وطن •• و فرحت لأننا في عمر واحد تقريبا ، قد أكون أكبر منك بشهور فقط ، لكن الهم واحد يا ابنة العم ، الهم واحد و الهدف واحد ، أراه أنا في العودة الحقيقية للوطن و ترينه أنت في تعليم أعلى تحصلين عليه •• أراه أنا في كفاح مسلح ينبغي أن يبقى و ترينه أنت في صراع مع الحياة ينبغي أن يستمر ••لكن لكلانا نفس الهدف في النهاية •• لقد وقف أبي في طريقي دوما كان يخشى علي مصير مثل مصير عمي محمد ، و لعلك لا تعرفيه ، فلقد أمضى عمي الباسل في كفاح الصهاينة زهرة شبابه ، لم يتزوج و دخل السجن الاسرائيلي مرات عديدة و لم يستسلم و لم ينحرف عن هدفه يوما و في النهاية استشهد في السجن •• هذا آخر ما سمعناه عنه منذ ثلاثة شهور فقط و لعل عمي جهاد لا يعرف و أنتم بالطبع لا تعرفون ••

أما عن عمي بدر فقد بقي بجوار جدتي يعيش و يتزوج الواحدة تلو الاخرى و يصارع الحياة المفروضة يعمل يوما و يجلس عشرة و في كل هذا هو الشاطر الذي لا يشق له غبار في النصب و الاسترزاق و التحايل على المعايش بشتى الطرق ، لديه الآن سبعة أولاد ذكور و خمسة من الإناث و يصر على إكمال أولاده عشرة و معه الآن ثلاث زوجات ، أما نحن فإننا خمسة من الاخوة أنا أكبرهم و بعدي أربع بنات جميعهن يتعلمن هنا في الأردن و معنا الجنسية الأردنية أيضا ••أما أولاد عمي عامر يرحمه الله فهم تسعة و لكنهم متفرقون في بقاع شتى من العالم و لا تعيش هنا منهم إلا هديل و هي بالمناسبة فتاة وطنية و تحب قرض الشعر الحماسي و تحلم بيوم تستطيع العودة فيه إلى فلسطين ••

ابنة عمي البعيدة •• أحب ان تظلي على اتصال بنا و سأترك لك في نهاية الرسالة عنوان شخص مهم ينبغي أن تراسليه فهو على نفس دربنا يسير لم تقتلع منه الغربة الإحساس العميق بالوطن ، إنه من أبناء عمومة أبائنا و يعمل في ليبيا و اسمه سهيل ، و أنتوي إن شاء الله إرسال رسالتك له ضمن رسالة لي أحدثه فيها عنك و عن هدفك في المعرفة ••

صدقيني يا ابنة عمي إنها فقط البداية •• لكنها ــ مهما بحثت ــ هي البداية الوحيدة الصحيحة

ابن عمك

تامر عمر القاسم

طوت ريم الرسالة بعناية و كانت تقرأها قبل قليل للمرة العاشرة على الأقل •• تنازعتها مشاعر متناقضة و عجيبة ، أخذت تتضح و تتبلور مع كل إعادة قراءة و استقرت في النهاية على الشعور الجارف بالرغبة في معرفة النهاية •• أشعــلت فيها الكلمات الحماس و شعرت بعظمة أولئك المغروسين في أرضهم ، شعرت بالفخر أنها تنتمي لعم بطل استشهد و هو بطل ، و حتى عمها بدر لم تشعر بالنفور منه بل استماحت له ألف عذر ، و استوقفها طويلا ذلك التأطير الذي وضعها فيه ابن عمها من ناحية نظرتها لقضية بلادها ، و شعرت أن رسالة ما أصبحت مطالبة بحملها ، و لن يعفيها من حملها أن تكون لاجئة بل على النقيض ربما كان اللجوء هو السبب الأول لحتمية أن تحمل الأمانة ، دعاها إلى هذا حديثها مع الدكتور محمد و رسالة ابن عمها ، و قبل هذا حقيقة انتماؤها إلى الوطن السليب ، و حاولت تقييم وضعها منذ البداية و استغرقها التفكير في هذا الوضع الســـلبي الذي عاشتــه مخيرة ، و شــعرت أنها لابد أن تغــير من وضــعها ما أمــكنها ذلك و تعمق التفكير ليصل بها في النهاية إلى سؤال واحد :" ماذا بوسعي أن افعـل لبلادي ؟ " و لم تجد الإجابة الإ من تهويمة واحدة سيطرت عليها مفادها :" لابد أن أجدها أولا ••"
نهضت بعدها لتستقبل سوسن التي جاءت بكل صخبها كالعادة بادرتها :

  ريم ، افتقدتك كثيرا ، كيف حالك ؟

أجابتها الأم و هي تنظر إليها بلوم:
 لو كانت ريم حقا عزيزة عليك ما اختفيت طيلة هذه المدة ، منذ أول يوم في الجامعة ••
 قالت سوسن بأسف :
 معك حق يا خالتي ، و لكنك لا تعلمي مقدار تأثري بما حدث يومها لريم ، لقد كان الرجل فظا معها و لم أجد في نفسي القدرة على مواجهتها بعدها خشية إثارة حفيظتها ••
 فقالت ريم بتسامح :
 لا عليك يا سوسن ، إرادة الله فوق كل إرادة و الحمد لله على كل حال ••
 فقالت سوسن و هي تتخذ لها مجلسا في صالة المنزل فيما ذهبت الأم لإعداد الشاي :
 و الحل يا ريم ؟

قالت ريم و هي تبتسم :
  الحل هو أن تنهضي من فورك فتحضري لي محاضرات الأسبوعين الماضيين و تشرحي لي بكثير من الاستفاضة كيف هي الدراسة و المحاضرات ، حتى يتسنى لي متابعة الموقف كاملا غدا إن شاء الله عندما نذهب سويا للجامعة ••

صاحت سوسن غير مصدقة :
 ماذا تقولين ؟ هل استطعتم تدبير المال ؟
هزت ريم رأسها نفيا و قالت :

 بل وفقنا الله و استطعنا تدبير كرسي لي في قسم الفنون التشكيلية معك يا سوسن ••
قفزت سوسن فرحا و صفقت بيديها طربا و قالت و هي تقبل صديقتها :
 معا إلى الأبد يا ريم ، معا إلى الأبد ••

ليلة البارحة ، لم أستطع النوم

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى