الخميس ٤ شباط (فبراير) ٢٠٢١

«زهر حزيران» لحسن جلنبو


تشكّل التسمية التي اختارها الشاعر الأردني حسن عطية جلنبو لديوانه الصادر حديثًا "زهر حزيران" عتبةً تذهب بالذهن بعيدًا عن الصورة الانطباعية العالقة فيه لشهر "حزيران"؛ إذ يصبح عبرها شهرًا للعطر والياسمين اللذين يختلطان بأشواقه للمكان ولتفاصيله الإنسانية التي لم تغادره رغم سنوات البُعد الطويلة.

والديوان الصادر عن دار "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن، يقع في 166 صفحة من القطع المتوسط، وكتب مقدمته الأستاذ الدكتور فايز القيسي أستاذ الأدب الأندلسي في جامعة مؤتة. وهو الإصدار الشعري الأول لحسن عطية جلنبو، ويضم إحدى وخمسين قصيدة تتنوع بين الشعر العامودي وشعر التفعيلة، وتحاكي الوجدان بلغة عاشق يصور المرأة الحبيبة والعشيقة والرفيقة لتكون امرأة حقيقية تسكن الفؤاد وتجسّد فيه القيم الجمالية. فيكون معها "عابر سبيل" يعتريه الشوق في غربته، وتلازمه مرارة تتمثل في حالات الفقد التي عاشها بعيدا عن الأهل والوطن، ليكون الوطن والمرأة في قلبه صنوين لا يفترقان..

وقد أدرج الشاعر في بداية الديوان إضاءة تضع العديد من المفاتيح التي تتيح أمام القارئ آفاقا من التوقعات، فيبدأ ديوانه بقصيدة "زهر حزيران" التي مطلعها:

هذا الـ حزيرانَ أهدتني عباءتَها ما كان أجملَ في نفسي هداياها

وهي قصيدة يراوح الشاعر فيها بين الشعر العامودي وشعر التفعيلة ليخاطب "زهر الـ حزيران" بعد أنسنته وتصويره محبوبة يخاطبها وتخلع عليه عباءتها، ويبدو ذلك جليا حين يخاطبه مرة أخرى، ويطلب منه أن يتمهل قليلا فثمة لواعج في النفس لا بد من البوح بها. وتظهر صورة الحزيران في طيات الديوان في مواضع أخرى كثيرة، إذ يضوع الياسمين في قصائد غلب عليها الطابع الوجداني الشعوري، وعكست تجربة الشاعر، وآثار الغربة على شعره من خلال تكرار صورة الرحيل والسفر والمرافئ والموانئ، في إشارة مباشرة إلى التجربة الشعورية والإرهاصات التي أدت إلى تشكيل الوعي الشعوري لديه، الأمر الذي جعله في قصيدته "هوية" يبحث عن هويَّة تكون علامة واضحة في خضمّ الدفق الشعوري الذي ينساب في نفسه، فيقول فيها:

أبحث عن هُويةْ
تحملني في غربتي
رسولةً
للأرض والتراب والتاريخ والأصحابْ
وللحروف الأبجدية.

ثم تتماهى المحبوبة بالأرض لدى الشاعر بموجب سنوات الاغتراب فتجده يحنُّ إلى لقائها، والاجتماع بها بعد سنوات طويلة قضاها باحثا عنها، منذ وضع قدميه على خارج وطنه، فهي لم تزل حاضرة في وجدانه، تسكن ثنايا روحه.

يا غريبة
كم بات يسأل عنك
منذ اختطّ سطراً في كتاب الاغتراب.
كم كان يرجو كلّ طير في ضفاف الشوق حطَّ على
مرافئه القريبة.
كم كان ينتظر الصباح يجيء يبعث منك نور الشمس
تشرق في شواطئه الـ تضجّ بعتمة الشوق الرتيبة.

وفي صفحة الغلاف الأخيرة يقول الشاعر:

لم يزل في دفتري عشرُ قصائدْ.
لم أقُلها.
وثلاثون رسالةْ.
لثلاثين شتاءً قارسا دون يديها.
باحثا عنِّي ولكن لم أجدني.

كلَّ صيفٍ يتبدى طيفُها عذبا بهيّا
وأراها في حزيرانَ تراتيلَ حنين
وأراني في شجوني صادق الوعد نبيّا

يشار إلى أن الشاعر حسن عطية جلنبو يقيم في دولة الإمارات العربية، ويعمل في مجال التحرير الإعلامي، وهو يحمل درجة الماجستير في الأدب العربي المعاصر من جامعة مؤتة عام 1998، ولديه كتاب منشور بعنوان "ملامح التراث في الشعر الفلسطيني- معين بسيو أنموذجا" وصدر في العام 2019.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى