الاثنين ١٦ آذار (مارس) ٢٠٢٠
بقلم علي بدوان

«عكوب الجبل» على أرصفة يافا 1939


على الرصيف في إحدى زوايا أم المدن (مدينة يافا) قبل النكبة، وتحت الحائط الإستنادي لمنزلٍ يبدو من الفخامة بمكان، وفي الصورة المرفقة والملتقطة في ثلاثينيات القرن الماضي، يجلس البعض من فلاحي قرى منطقة لواء اللد (يافا + اللد + الرملة)، يبيعون المنتوجات الزراعية وأغلبها من ذات (الأوراق الخضراء)، وخاصة منها تلك المنتوجات المُحببة لدى الفلسطينيين. ففي الصورة يجلس فلاح فلسطين يبيع (عكوب الجبل الفلسطيني، الذي يتفنن الفلسطينيين من أهل المدن بطريقة طبخه ويطلقون عليه مُسمى اللحم النباتي)، فيما تظهر صورة المشتري ابن المدينة بملابسه المدني (القنباز المدني والطربوش).

بُعيد النكبة، وبين فلسطينيي الشتات، لم تختفي خيراتُ ما أنبتته الأرض الفلسطينية الطيبة عن أبنائها في (دياسبورا) المنافي والشتات، وفي سورية على وجه الخصوص، فقد بقيت سيرة (الخُبيزة) و (العكوب) و(العِلت) و (الفرفحينة) التي يُسميها الدمشقيين (بقلة) وغيرها من منتوجات الأرض الفلسطينية في الجليل ومرج إبن عامر وسهول جنين وطولكرم ... حاضرة في حياة مخيم اليرموك وعموم فلسطينيي سوريا.

لقد كانت تلك النباتات تُشكّل في مُجملها جزءاً من غذاءٍ شعبيٍ طيب المذاق لأبناء فلسطين قبل النكبة، وقد أعاد اللاجئون الفلسطينيون في سوريا إعادة تأكيد إنتاج تلك النباتات على أرض سوريا العربية الجُزء المُكمل والمتكامل مع فلسطين، وأعادوا إنتاج تراثها... وتفننوا بطبخها مرة ثانية وثالثة ورابعة كمأكولات شعبية مضافاً إليها المُقبلات ولوازمها ...

أعادوا تأكيد إنتاجها على أرض غوطة دمشق وبساتينها وعلى إمتداد الأرض السورية الشقيق التوئم للأرض الفلسطينية. فبات نباتات (الخبيزة) و (العلت) و (الفرفحينة) و (العكوب) وما أدراك ماهو (عكوب الجبل الفلسطيني) حاضرةً على موائد الجميع ... وبات فلاحي غوطة دمشق يجدون في سوق الخضار في اليرموك سوق (البركة) واليُسرِ والتيسير لجميع الناس، والموئل لهم لتسويق وبيع تلك المنتوجات الزراعية.

في البساتين المحيطة باليرموك والقريبة منه، نمت الخبيزة وأخواتها وغيرها، وفي حدائق مخيم اليرموك، ترعرعت أوراقها مع ربيع كل عام، وحتى على زوايا الحفف الأرضية للبيوت التي يتسرب نحوها الماء نمت وريقاتها، فكانت مرافقة لحياة الناس.

مع تلك النباتات التي تُصنع منها المأكولات الشعبية الطيبة بكل إشتقاقاتها، كانت هناك أيضاً النباتات العطرية ذات المنافع المُختلفة بما فيها المنافع الطبية، ومنها : الميرمية، والزعتر، والمليسة ... وغيرها، والتي لاتطيب العديد من المشروبات الساخنة دونها... فكيف لوكانت آتية من الأرض الفلسطينية.

تلك وتلك، تُراث فلسطيني، تُراث يحمل رائحة قرى وجبال ومرتفعات الجليل وشمال فلسطين عموماً، وسهل جنين ومرج إبن عامر وسهول سارونة وسهول طولكرم وجبال نابلس... تُراث نحمله بأمانة ومحبة، تُراث يعيد إنشداد الجميع للوطن الفلسطيني ولأرضه الطيبة التي كانت أرض الخَصبِ والخصوبة، وأرض البركة التي ورد ذكرها بالكتب المقدسة.

أخيراً، واثناء خدمتى العسكرية على سفوح جبل الشيخ، كان (عكوب الجبل) يزدهر في موسمة، وكان لزاماً علينا، تناوله أثناء اعدادنا لوجبات الطعام، فكان (عكوب جبل الشيخ) قمة في الطيب، وفي التطابق مع (عكوب فلسطين) فالأرض واحدة، والإمتداد واحد.
إنه (عكوب الجبل) الفلسطيني، الذي يُعري ويهزم الأكذوبة الصهيونية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى