الأحد ٢١ آب (أغسطس) ٢٠٢٢
بقلم عادل القرين

على لسان صبية!

أخذتني خطواتي إلى حارة أجدادي، لأشتم عبق ذكراهم، واستنطق طين آثارهم..

حيث رأيت ذلك البيت القديم في طريقي، وتكاد راحة يدي تندس بأحد جدرانه، والضوء المُتكسر يخرج من بابه، والقطط تقفز على جُدرانه، والحمام الزاجل يطير فوق أسطحه بهديله!

أطفال يمشون هُنا، وبنات يهرولون هُناك، ومن طريقة كلامهم يتحسسون ويتوجسون..

ملابسهم بسيطة وممزقة، فقد أرهقها الزمن، وأتعبتها النظرات، وكأن لسان حالهم يقول: من هذه؟ وماذا تريد منا؟ هل للفرجة حضرت إلينا؟ أم لأترابنا وماذا يصنعون؟!

حينها تركت أذيال ممشايَّ عندهم بالتساؤل والحيرة..

لا لشيءٍ وإنما كيلا يعتصر قلبي وتنزل دمعتي من طريقة كلامهم الحزين ونظراتهم المسكونة بالوجع!
أخذت الطريق السالك أمامي بتعثرٍ، وإذا بعجوزٍ (مُتملفعة) بتاج الكرامة، ومُتجلببة برداء العفة والشيم..
حيث خرجت من أحد المنازل التي رأيتها في بداية مسيري بين الأزقة، وهي تناديهم:

(دخلوا يا عيال، تره غدانا جاهز على السفرة)!

فأجابها أحد الصبية: "ها؛ هو ذات الغداء يوم أمس وما قبله يا أمي؟!"
فأطرقت الأم برأسها، وقالت: (هذا رزق الله، والله يكتب لنا الخير من أهله)!

كانت الشمس ملتهبة، ومسامعي تلتقط صوتهم المكسور بحسرة، وألعابهم البسيطة مُبعثرة فوق أكوام الطين والعلب الفارغة!

ثم التفتت إليَّ قائلةً: "تفضلي يا أبنتي معانا على المقسوم؛ كأنك غريبة بين مساكننا؟!"

فشكرتها على طيب كلامها بقبلة على رأسها وجبينها، وقلت لها: أنا حفيدة الحاج تقي كاظم تقي (رحمه الله)، جاركم الذي يسكن عند بئر البستان الشمالي..

إلى أن ودعتها على ذات الثناء الجميل والموروث المتبادل..

وبعد سويعةٍ أتبعت نظراتي ومسيرتي إلى الجهة المُقابلة، والتي أوصلتني لبيت جدي، حيث أبي هناك ينتظرني أمام بابه الخشبي بسيارتنا البُنية..

فركبت السيارة، وقصصت عليه الحكاية من بدايتها، وبان الحزن على ملامح وجهه، ثم أخذ يسألني عن بيت تلك المرأة وحالهم، وأخذ يتصل بكل أعمامي وأخوالي لمساعدتهم!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى