الثلاثاء ٢٣ حزيران (يونيو) ٢٠٠٩
بقلم غزالة الزهراء

عمارة تستغيث

هذه العمارة التي يقطنها(رشيد) وأمثاله صارت مرتعا للأوساخ، والعفونة، والنفايات، أطفالها مشاغبون، يختلقون المشاكل، ويتقاذفون بالحجارة فتسببوا في كثير من الأحيان في تكسير زجاج النوافذ، وتعمدوا الكتابات الفوضوية على الحيطان. إنهم يسعون كالجرذان المتعنتة كل حين إلى التخريب، والبلبلة دون أن يفكروا أدنى تفكير في العواقب المتدنية التي تمطر الكل بوابل من المضرة، والخيبة، والتذمر، والهلاك.

إذا استمر هذا الوضع المزري على نفس الوتيرة من الإهمال، والعبث، واللامبالاة سيكون ذلك أفظع، وأنكى، وأمر.

أجال(رشيد) بصره الزائغ هنا وهناك كأنما يبحث عن شيء ثمين فقده، لم يشعر بالرضا مطلقا على ما آلت إليه هاته العمارة، تبدو مشوهة، متجهمة تماما، لا تبعث أبدا على الاستقرار، والترحيب، والتفاؤل.

وضعية متردية كهذه لا يحق للمرء الوقوف حيالها مكتوف اليدين، يتفرج دون أن يحرك ساكنا.
اجتمع(رشيد) بساكنيه، دار بينهم حوار ساخن لعلهم يستأصلون بؤرة الداء التي نخرت لب العمارة كالسوس.
ــ ألا تلاحظون أن عمارتنا تردت حالتها إلى مالا تحمد عقباه؟ أنظروا جيدا، الأوساخ مبعثرة في كل مكان، رائحتها العفنة مصدر قلق، وإزعاج.
نطق(كمال) مؤيدا إياه: معك حق، يجب أن نقضي على هذه الظاهرة السلبية بشتى الوسائل، وأن ننعم كلنا بمحيط لائق، نظيف.

تدخل(سليم) برأيه الصائب، ونظرته الثاقبة: إذن علينا بتكثيف الجهود لننقذ حبيبتنا مما هي تتخبط فيه، ونعيد لها إشراقتها المغتصبة من جديد.
ارتفع صوت(فريد) وقد اكتساه جد وعزم: لنتحد يا رجال، ونكافح هذه الظاهرة المأساوية التي أثرت سلبا على معنوياتنا، وعكرت صفو حياتنا.

صاح الكل بثقة كبيرة: لنتحد، لنتحد.
أطرق(رشيد) رأسه مليا ثم استأنف قائلا مؤكدا: وصغارنا كذلك هم مسؤولون عن نظافة المحيط، وحتى زوجاتنا يلعبن دورا فعالا في هذا المجال.

ــ زوجاتنا!؟ (نطقها العجوز ذو العقد السادس من العمربدهشة واستغراب)
رد عليه(رشيد) ليزيح عنه غشاوة الغموض التي احتلت جزءا وافرا منه: نعم زوجاتنا هن اللواتي يعالجن أبناءهن بالنصيحة المثلى، يحببن لهم نظافة المحيط ونقائه، وكيفية المحافظة على المكان الذي يعيشون فيه، ويتنفسون هواءه. أليس لهن دور هام في ذلك يا سيدي؟

هز العجوز رأسه وقال وقد ارتسمت على وجهه ظلال من الارتياح والتفاؤل: الآن فهمت.
كان جميع السكان ينتظرون يوم غد، ذلك اليوم الذي يشمرون فيه عن سواعدهم، ويطهرون فسحة المكان بمكانس، ودلاء تفيض بالماء، ستكون العمارة آنذاك مشرقة الوجه، بسامة الثغر، ووليدة التطور.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى