الثلاثاء ١٤ تموز (يوليو) ٢٠٠٩
بقلم غزالة الزهراء

في مهب الريح

لحد الساعة لم يندمل جرحها الغائر بعد، مازال ينزف، وينزف بطريقة مدهشة، هذه الزنزانة البغيضة في بغض المومياء لم يعد بوسعها تحملها، ضاقت ذرعا بها، جدرانها الشاهقة، الباهتة الطلاء تثير اشمئزازها، وقيأها، وتمردها.

النهار ينسحب ببطء شديد ليعلن انتحاره، ويولد الليل حالك سواده، يقبع عنوة فوق صدرها الممزق، الجريح، يرهبها بقوة لامتناهية، ويبث حولها بذور القلق، والنتانة، والوحدة، والعذاب، قلبها الفتي يتضور أسى، وارتباكا، وحيرة بين أضلاعها، يحن حنينا موجعا إلى وجه الشمس البهي، الضاحك، وإلى البرية المترامية الأطراف في دعة واطمئنان، وإلى التمرغ كالحمل الوديع فوق الثرى الحاني من غير مقابل.

في هذه الزنزانة الرابضة فوق كف القدر، وخلف هذه القضبان الحديدية الصلبة، الراسخة في العمق يتيه عقلها، ويتوجع في منعرجات المجهول، وتضطرم نيران حارقة في جوف صدرها من الألم المعفن، والسخط، والتذمر، والانهيار.

تعلوها التساؤلات الفوضوية، المتذبذبة، تنهش دماغها في ألم ضار، وجوع أبدي شرس، تشتاق لأنامل الشمس الذهبية لتبسط عليها دفئها الساحر، وتغازلها من غير خجل، ولا وجل، وتحنو عليها حنو الأم الرؤوم على وليدتها.

آه! الصداع يملأها، والدوار يلفها كما يلف الرضيع بقماطه، تتذكر كل شيء، وتتأسف بمرارة قاسية تضارع مرارة العلقم، فلا داعي لأن تتذكرها، مجرد التفكير في أمها يفقدها رشدها، ويؤلمها إلى حد الغرق.
تحت وطأة التوهان، والدرب الضائع، والغربة الموحشة تشعر كأنها دمية علاها الغبار، وأهملها الزمن الغادر بين ركامه، وعافتها الأيادي النرجسية، الطاهرة.

كانت صغيرة تتسلى بالدمى، والتراب، والقصب، وتطارد الفراش المزركش لونه، وتلعب مع نديداتها مبتهجة، مغمورة بالحبور، وتطلق ضحكاتها الرنانة في أجواز الفضاء الرمادي، الفسيح غير آبهة بمآتي الغد، ولا بانزلاقاته.
البيت الذي تقطنه منذ ميعة صباها كان دوما عامرا بالجنس الخشن، توجه(أمل) لأمها سؤالا صريحا لتفهم حقيقة الوضع: من هؤلاء ياأمي؟
تغتصب ابتسامة ترسمها على شفتيها في اصطناع مثير، وتقول لها بفخر كبير: أعمامك، وأخوالك، تقربي منهم لتسعدي.

أخذت جوابها محمل الجد، لم يراودها شعور آنذاك بالكذبة الدنيئة التي ابتكرتها من وحي خيالها، بل كانت ترفرف مرحا وتحليقا حين تتخم بالهدايا الجميلة، والأموال الطائلة، والألبسة الفاخرة ذات الذوق الرفيع، وكانت تتعطر بأجود (الماركات)، وتسافر بمعية أمها أينما تشاء.

تقول لها وسعادة ماسية متألقة تزغرد فوق شفتيها، وتلهو فوق شاطئ عينيها: إنهم يحبوننا كثيرا، أليس كذلك يا أمي؟
تضمها إلى صدرها ضما قويا هاتفة في بحر من الاطمئنان والاعتزاز: الناس يحسدوننا على هذه النعمة السخية يا بنيتي.

تعاركت(أمل) ذات يوم مع (سهى) بنت الجيران دونما سبب، تفاجأت بكلامها اللاذع الذي حز في نفسها، وضعضع مشاعرها: والدتك رديئة الخلق.
وأخرجت لسانها شامتة.

ركضت إلى البيت كأنها هاربة من ألسنة حريق مهول سيبتلعها بعد حين، وأخفت محياها الصغير الذي يصدح بالبراءة الناصعة بين راحتيها، وانتحبت بعمق من كل قلبها.
دنت أمها منها هامسة في أذنها كالندى الغض الذي يلثم جبين الزهور بحب: ماالذي يبكيك بهذا الشكل المريع يا صغيرتي؟
رفعت رأسها المتعب نحوها، قالت وهي تتشكى شكاة المظلوم، وتقاوم غصات الألم التي أرجفتها بشدة:(سهى) أساءت إليك بكلام جارح، ومؤلم.
ــ أطلعيني عليه يا قرة عيني، هيا لا تترددي.
ــ أنبأتني أنك رديئة السلوك، غير صالحة.

احمرت عيناها في محجريهما كليث غضبان، صرخت مهددة: سأقطع لسانها المسموم، شيطانة متعجرفة مثلها تتطاول علي؟ تبا لها!
ثم أخفضت صوتها رويدا رويدا وكأن شيئا لم يحدث البتة، وتابعت تقول محذرة إياها: لا تجتمعي بها لأنها ستسبب لك الكثير من المتاعب، ولا تتسلي معها، أعديني.
ــ أعدك.

شرعت تمسح دموعها اللؤلؤية الجارفة التي تهاطلت كأنواء غزيرة من مقلتيها، ورددت في فضاء نفسها الذي اجتاحه غبار اليأس، وهدرت فيه أمواج الألم: كلامها كان بمثابة الرمح الذي صوب نحوي فأشجاني وأدماني، ولكن مع مرور الأيام سأغتصب حقي منها عنوة.
واجهتها ذات مساء مكشرة عن أسنانها في غضب لترتد على أعقابها هاربة لا تلوي على شيء: والدتي فاضلة، وعفيفة، نقية في نقاوة الذهب الخالص، أتسمعين؟

اعتلت السخرية الحمقاء محياها الداكن السمرة، غمزت لرفيقاتها، وضحكت باستهتار، وقالت متحدية إياها: أمك فاسقة تظهر وداعتها نهارا، وتنغمس في حمأة المعصية ليلا، و.....
تعاركتا لربع ساعة وكان الانتصار من نصيب(أمل).

من تلك الآونة لم تعد تقذفها بشتائمها، ولم تجرؤ على ذكر اسم الوالدة على لسانها.
هكذا تمطى إحساس رائع بداخلها كونها انتقمت لأغلى أم وهي أمها. إستردت لها تاج اعتبارها، وأطفأت سعير الغضب المندلع بضراوة في صدرها الصغير.

كبرتا في آن واحد، وامتدت يد الزمن المشاكس، المكابر لترفع الستار عن وجه أمها، وهاهو ذا يجهر بالحرف الواحد: والدتك ساقطة، منحطة، عاشت طوال حياتها تنافق، تزور، وتخادع، نعم خدعتك باسم العفة، والنظافة.

بدأت تتفهم بالتدريج مما يدور حولها من نفاق، وقذارة، وافتراء، وأدركت أن هؤلاء الأوغاد الذين يطأون المنزل ليسوا بأعمامها، ولا أخوالها كما تزعم أمها.
واجهتها بالحقيقة وكأنها أمام فوهة مدفع مخيف: لا أريد لهؤلاء أن يعبثوا بحرمة بيتنا، ولا بقدسيته.
ردت عليها مزمجرة: ماذا تقصدين بهؤلاء؟
ــ عشاقك القادمون من أوكار النتانة، والزنا، والفساد.

هوت على خدها بضربة قوية من يدها، ثم صرخت كالرعد القاصف: والله كبرت ياأمل، وها أنت تحاسبينني على تصرفاتي، سأصفق لك بكل حرارة.
لم تجرؤ (سهى) على الاختلاط بها خوفا من سمعتها النقية أن تتلطخ بالقيل والقال. فكيف لها أن تخالط ابنة امرأة ساقطة تقتات من فضلات الرذيلة، وتستحم بمياه التعفن الآسنة؟
قالت لأخيها (جلال) وهي باكية، شاكية: لنحاول التفاوض معها لعلها تتوب، ويغفر لها الله ما اقترفت من الآثام.

ــ الشيطان نفسه لا يجسر على التفاوض معها، أنقف في وجه العاصفة الهوجاء؟ ماذا يكون مصيرنا يا ترى؟
ــ لنحاول مرة، مرتين، آلاف المرات.
ــ لا فائدة منها ترجى.
ــ وهل ندعها على سجيتها المطلقة ترتكب الآثام ونحن نتفرج لا نحرك ساكنا؟ السيناريو الدنيء الذي تتكرر فصول مأساته في بيتنا يشعرني بالحقارة تجاه نفسي، سأتصدى لها بمفردي إن لم تدعمني بعزيمتك، وسأتقبل النتائج مهما كانت خطورتها شديدة علي، أنا سأقف في وجه العاصفة الرعناء، وليكن ما يكون.

جذبها من يدها برفق وهو يقول بنبرة حزينة: تعالي، تعالي لأريك المفاجأة.
ــ مفاجأة!؟ ماذا تعني بقولك؟
سحب حبلا غليظا من خزانته، ثم نطق بصوت يمخره الضباب والأسى: ألا تعرفين ماذا أفعل به؟
ندت منها صرخة مفجعة اهتز لها كيانها، وقالت وهي ترتجف في ذعر بين: حبل!؟ ماذا تفعل به؟ أتريد شنقها وأنت في ريعان شبابك تموج بالحماسة والعطاء؟ أرجوك، أتوسل إليك، لا تفسح للشيطان اللعين مجالا ليغرر بك، وينتزع منك نفحات إيمانك.
لم ينبس ببنت شفة، بل ظل محتميا بستائر الصمت التي لفته إلا أن العبرات السخينة خانته فسالت تهدر كالمطر.

ــ هات الحبل، أرجوك.
ــ لا تحاولي، لن أعدل عن قراري.
مضى أسبوع برمته وهي تتوجس خيفة من ذلك الغد المبهم الذي سيسفر عن نتائج غير محمودة العواقب، وأخيرا حدث ما لم يكن يخطر على بال أحد، ألفت(جلال) في غرفته قد انتحر بالحبل الغليظ وقد ترك ورقة صغيرة يقول فيها باختصار شديد: حاولي أن تنأي عن درب الحرام يا أمي قبل فوات الأوان.

رهيب جدا أن تفقد أخاها في عز شبابه وعطائه، وتصير مهيضة الجناح من غير دفء، ولا سند.
لو كان والدها موجودا بجانبها لما حصل لها كل هذا، ولكن ما باليد حيلة، لقد تغمده الله برحمته الواسعة بعد مرض عضال طالت مدته.

قالت لها أمها مترجية إياها: أنظري إلى الهدايا الثمينة التي جلبها لك(رضوان) .
ــ لا أطيق رؤية ذلك الوضيع، ولا هداياه، فليذهب هو ومن معه إلى قلب الجحيم، ولن أقبل مال الحرام.
أقرضتها زميلتها (نورا) بعض المال لتسير به أمورها في دراستها الجامعية، وجاءتها فكرة طرز المناديل، ولم لا وهي تتمتع بعاصفة من نشاط وجد؟

أقبلت على شراء الأدوات اللازمة من قماش، وخيط، ومقص، وإبر، وهذا ما دفعها لأن تنظم وقتها الثمين بين الدراسة والحرفة اليدوية.
الطالبات انبهرن بها، وتدافعن على شرائها وهن جادات مبتهجات، بيع المناديل المطرزة لم يقتصر على الطالبات فقط، بل تعدى إلى أصحاب المحلات.
وكان الربح الحلال مقبولا.

مازال ذلك الرجل الشهواني، القبيح يطارد(أمل) من مكان لآخر، ويترصد أخبارها ليوقعها في شباكه النجس، عيناه البارزتان مليئتان بالقذارة، والفساد، ولسانه يتصنع الكلمات المعسولة ليصطاد بها فرائسه، يجوب أنحاء المدينة بسيارته الفارهة مغازلا بناتها الحسناوات، فهناك من وقعن شر وقوع ثم عضضن أصابعهن ندما على سذاجتهن، واستهتارهن، وهناك من عرفن نواياه السيئة فانسحبن من ميدان مكره، وشروره وهن شاعرات بالفوز، والرضا، وعدم تأنيب ضميرهن.

أخرج من جيبه كومة من الأوراق المالية قائلا في ترفع بالغ: أنظري، إنني ثري ثراء فاحشا، الفتيات والنساء يسعين بولع شديد إلى التقرب مني، أما أنت فترفسين النعمة ببساطة، وتتهربين، وتمانعين.
ــ أنت لا تفهم من الحياة شيئا.
ــ الحياة هي النساء والمال.
ــ أمام مالك الوفير لن أتنازل عن عفتي.
سخر منها قائلا: لا يمكنك الحصول على رجل مثلي أيتها الجامعية، أنا في القمة وأنت في الحضيض. المال الذي أدخره في البنك يفوق شرفك بكثير
ــ إخرس أيها الوغد اللعين، لست فريسة سهلة لأقع في قبضتك، وتلوكني بأسنانك، من تظن نفسك؟ نجم من نجوم هوليود اللامعين؟

ثم طأطأت رأسها كأنما تفكر في شيء ذي أهمية، وقالت وهي تتصنع الخجل بمهارة فائقة: أنقوم بجولة ممتعة في سيارتك؟
ــ طبعا وما المانع؟
اقتربت منه ، وراحت تفتش حقيبتها بأصابع راجفة وهي تقول: سأهديك شيئا يعبر لك عن عربون محبتي.

ابتسم قائلا: أصحيح ما تقولين؟ لا تهمني الهدية بقدر ما تهمينني أنت، صدقيني.
غرزت في غابة صدره مقصا كبيرا بكل ما أوتيت من قوة، وركضت هاربة.
ألقي القبض على(أمل)، وأودعوها بين جدران السجن.
لحد الساعة لم يندمل جرحها الغائر بعد، ما زال ينزف، وينزف بطريقة مدهشة، هذه الزنزانة البغبضة في بغض المومياء لم يعد بوسعها تحملها، رغم كل هذا نبت في أعماقها أمل مورق، والدتها تابت مؤخرا إلى الله بعد أن أحست بذنبها تعاظم وتفاقم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى