الثلاثاء ٣١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٩

قراءة في ديوان «على ضفاف الأيام» لنائلة أبو طاحون

رائد محمد الحواري


دائما في العمل الأول يحاول الكاتب/ة أن يظهر العديد من طاقاته الابداعية، فرغبة النشر تكون جامحة، وهذا ما يجعله/ا تحت ضغط شديد، فحالة الاندفاع تنعكس على طبيعة النص المقدم، خاصة في المجموعة القصصية وديوان الشعر، فأحيانا تضيع وحدة العمل الأدبي، لكثرة المواضيع المطروحة، وتعدد الأفكار التي يقدمها الكاتب/ة.

في ديوان "على ضفاف الأيام" نجد مجموعة مواضيع تتناولها الشاعرة، منها ما هو شخصي، ومنها ما هو وطني، كما نجد تعددا في الشكل الأدبي المقدم، فأحيانا تكون القصائد مباشرة وتتلاءم مع المهرجانات الشعبية، خاصة في المواضيع الوطنية، ومنها، ما جاء بألفاظ ناعمة ومضمون أبيض، وهذا ينطبق عل قصائد الحب تحديدا، ضمن هذا التعدد قدمت الشاعرة "نائلة أبو طاحون"، فهو يلبي كافلة الميول عند القراء، فمن يريد قصائد وطنية سيجدها، ومن يريد قصائد حب سيجد مراده أيضا، سنحاول أخذ نماذج من شعرها لنتعرف عليه أكثر، تقول في قصيدة "أمّاه":

"عم الظلام وساد كل ربوعنا
مذ فارقت شمس الشموس وهادي
وكآبة في الليل ترقد في دمي
لتؤازر النبضات في إرفادي
للحزن طعم لم أذقه بغيرها
ومرارة قد عششت بفؤادي
ها قد رحلت وبت للدنا
ونكأت جرحا لم يزل بضماد
وتركتني للحزن أعظمي
كدبيب نمل غي لحى الأعواد
بالدمع أشهق والفؤاد محرق
والنار تـأكل طارفي وتلادي
أنا ها هنا قلب تصدع ركنه
وتزعزت في بعدها أوتادي

أواه من وجع تجذر في دمي ونما بسفح القلب والأنجاد" ص11و12، الحالة ألم هي المهيمنة على القصيدة، فعندما جعلت العنوان "أماه" وليس أمي" كانت تتعمد أن يكون مضمون القصيدة منسجما مع حالة فقدانها، فأمّي تشير إلى الحديث العادي أو الفرح، بينما "أمّاه" تشير إلى حالة الألم والفقدان، وهذا انعكس على مضمون القصيدة وعلى الألفاظ المستخدمة، فهناك كمّ كبير من السواد نجده في: "الظلام، فارقت، وكآبة، الليل، دمي، للحزن، لم، ومرارة، رحلت، نهبا، ونكأت جرحا، وتركتني، ينخر، كدبيب، بالدمع، أشهق، محروق، والنار، تصدع، وتزعزت، بعدها" هذه الألفاظ بشكلها المجرد توصل فكرة الألم حتى لو تجاهلنا المضمون.

ولكن الشاعر/ة المبدعة تحاول أن تقدم الألم/القسوة للقارئ بأقل الأضرار، فما هي الوسيلة التي استخدمتها "نائلة أبو طاحون" لتخفف من الألم الحاضر في القصية؟، إنّ استخدام الشاعر للصورة الشعرية خففت على القارئ شيئا من الألم، فرغم القسوة والقتامة في القصيدة إلا أنها من خلال هذه الصورة: "وتركتني للحزن أعظمي كدبيب نمل في لحى الأعواد " استطاعت أن تخفف علينا شيئا من حدة الألم، وعندما استخدمت لفظ الألم والتوجع "أوّاه" أشعرتنا وكأننا نحن من لفظه، فشعرنا بالراحة، بعد أن عبرت/عبرنا عنما فيها من حزن.
إذا كان الألم السابق شخصيّا ومتعلقا بالشاعرة، فهي أيضا تتأثر بالوضع العام، الوطني والقومي، ففي قصيدة: "أرض النفاق" نجد سوادا وقسوة المجتمع/الواقع:

"ظمئت نفوس الناس ونحسر المطر
وتشبعت أرض العروبة بالضرر
سفكوا الدماء ليرتووا أوما دروا
في سفك كل قطرة عظم الخطر؟!
عاثوا فساد وانتشوا من خمرة
بجماجم الأطفال صبت من سقر
واستوحشت أرض النفاق وفرخت
إن الخيانة بعض آفات البشر" ص44،

ألفاظ سوداء تنسجم مع فكرة الألم المطروحة، فنجد: "ظمئت، بالضرر، سفكوا، الدماء، سفك، الخطر، عاثوا، فساد، بجماجم، سقر، واستوحشت، النفاق، الخيانة، آفات" ولكن إذا قارنا القسوة الأولى مع هذه قسوة فسنجدها هنا دموية: "سفكوا، جماجم " ونجدها متعلق بالناحية الاجتماعية: "نفاق، فساد، عاثوا، خيانة، آفات" من هنا يمكن للقارئ أن يكتشف ويتعرف على نوع السواد من خلال الألفاظ المجردة، ونجد قدرة الشاعرة على توصيف حالتنا في البيت الأول، فجمعت بين بؤس الناس مع بؤس الطبيعة، وهذا يأخذنا إلى الملحمة البعل الكنعانية التي تتحدث عن القحط، الذي يصيب الأرض وما عليها بعد غياب البعل.
وفي المقابل هناك قصائد بيضاء جاءت بأفكار ناعمة وألفاظ سلسة، كما هو الحال في قصيدة "براءة":

"طال الزمان بخافقي وقراري
مترنما بالحب والأشعار
وكأني ما زلت رهن طفولة
تاجي البراءة والوداد سواري
وأراقص النجمات في عالي السما
وأرافق الغيمات في أسفاري
طير وأشدو في خمائل موطني
وكأنني ترنيمة المزمار
وفراشة تزهو بأطياف المنى
تتنافس الأزهار في مضماري" ص14

المخففات، عناصر الفرح تتمثل في الكتابة/الفنون، الطبيعة، المرأة/الرجل، التمرد/الثورة، في هذا المقطع نجد مجموعة من عناصر التخفيف/الفرح، فهناك الكتابة/الفنون نجدها في: "مترنما، الأشعار، أراقص، وأشدو، ترنيمة، المزمار" ونجد الطبيعة في: "النجمات، السما، الغيمات، طير، خمائل، فراشة، الأزهار، ونجد الرجل الغائب من خلال: "بالحب" وبهذا تكون الشاعرة قد استخدم ثلاثة عناصر من عناصر التخفيف/الفرح، وهذا المقطع أيضا يتماثل مع ملحمة البعل التي تتحدث عن خصب الأرض والفرح الذي يعم الناس بعودة البعل.
وإذا ما ابتعدنا عن فكرة البياض والسواد، وتقدمنا من طريقة تقديم القصائد، سنجد الشاعرة تقدم لنا قصائد غنائية، معتمدة على التفعيلات الراقصة، فتجعلنا نحلق معها مبتعدين عن حالة الألم الكامنة فيها، تقول في قصيدة "للفجر عنوان":

"لنا في السجن إخوان
فما ضعفوا ولا عانوا
لنا من أثرهم قبس
به الأوطان تزدان
بهم تزهو سرادقنا
وإن في القوم شنآن
بهم تعلو بيارقنا
بساح الحرب فرسان
وإن كلت عزيمتنا
فهم للنصر عنوان
ومهما خيم الظلم
وشد القيد سجان
سيصهر من عزمهم
زنازين وقضبان
وسيشرق فجرهم حتما
فوعد الله إيمان" ص46.

اللافت أن الشاعرة قدمت الأسرى كمخلصين لنا، ولسنا نحن المخلصين لهم، ونجد هذا في قولها: "الأوطان تزدان، تزهو سرادقنا، للنصر" وهذا القلب في الفكرة هو المثير، فأثرهم الإيجابي لم يقتصر علينا نحن فقط، بل تعداه إلى الوطن عامة، وإذا أضفنا إلى نصاعة الفكرة الشكل الذي قدمت به "نائلة أبو طاحون" نكون أمام قصيدة استثنائية، فريدة، قدمت الألم بشكل ومضمون الفرح.

ونجد الشاعرة تحاكي قصيدة فدوى طوقان في قصيدة: "على شطآن يافا" والتي تقول فيها:

"على شطآن يافا يا أحبائي
زرعت الورد صنت العهد
والتاريخ كم قلنا
هنا كنا
هنا سنكون
فلتشهد
على شطآن يافا يا أحبائي
تعمدنا بنور الشمس
صلينا على أرواح من ماتوا
ومن غابوا
ومن ما زلنا منفيا
يقاسي البعد
سألت الموج:
هل ما زالت تذكرهم؟!
هنا ولدوا
هنا شبوا
هنا كانوا
فثار الموج منتحبا
أما عادوا" ص56و57.
وجاء في قصيدة فدوى طوقان:

"على أبواب يافا يا أحبائي
وفي فوضى حطام الدور.
بين الردمِ والشوكِ
وقفتُ وقلتُ للعينين:
قفا نبكِ
على أطلال من رحلوا وفاتوها
تنادي من بناها الدار
وتنعى من بناها الدار
وأنّ القلبُ منسحقاً
وقال القلب: ما فعلتْ؟
بكِ الأيام يا دارُ؟
وأين القاطنون هنا
وهل جاءتك بعد النأي، هل
جاءتك أخبارُ؟
هنا كانوا
هنا حلموا
هنا رسموا
مشاريع الغدِ الآتي
فأين الحلم والآتي وأين همو
وأين همو؟
ولم ينطق حطام الدار
ولم ينطق هناك سوى غيابهمو
وصمت الصَّمتِ، والهجران
وكان هناك جمعُ البوم والأشباح"

التماثل في المضمون وفي طريقة التقديم، فهناك الأسئلة: " هل"، حضور المكان: "يافا"، والحسرة على الغائبين: "ولدوا، شبوا، كانوا" والجميل في قصيدة نائلة أنها قدمتنا من إرث شعري كدنا ننساه، واللافت أن الحزن هنا حزن ناعم/هادئ، بعيد عن حالة الغضب والانفعال، ورغم أنه ناعم، إلا أن داخله بركان متفجر، فهو يثير المتلقي إنسانيا ووطنيا، وهذا الأمر ما يجعل القارئ ينحاز أكثر إلى العدل وإلى أولئك الذين كانوا وشبوا وولدوا.

وهناك قصائد خفيفة ناعمة سلسة مثل قصيدة "طقوس":

"أنا لي طقوسي في الهوى ولي السيادة
ولي الحضور المستبد لي القيادة
ولك التذلل في الهوى ولك العبادة
ولك الفؤاد حوى هل من زيادة" ص48.

ورغم أن الشاعرة كانت قاسية حينما قالت له: "السيدة، المستبد، القيادة" إلا أنها تراضيه عندما ختمت القصيدة بقولها: "ولك الفؤاد حوى" فهي بهذا أزالت ومحت كل الاستبداد السابق، فلفظ "الفؤاد"/الحب تغلب على السيادة والقيادة والمستبد" وأعتقد أن هذا النوع من القصائد القصيرة والجميلة والناعمة له أثر على المتلقي، لأنه يواكب عصر النت والسرعة، التي يسعى إليها الكثير من المتلقين اليوم، فهم يميلون نحو المقاطع القصيرة والومضة، وبهذا تكون الشاعرة قد لبت حتى طلب ورغبة هؤلاء النتيون.

الديوان من منشورات مكتبة كل شيء حيفا، الطبعة الأولى 2020.

رائد محمد الحواري

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى