الجمعة ٧ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٧
بقلم موسى نجيب موسى

قــال العـــراف

قال العراف:-
هناك "شخص" ما تحبك جداً جداً...!!
انطلقت قذائف العراف من فوهة فمه إلى قلبي مباشرة وقبل أن ترحل الدهشة عن عيني وترتعش شفتاي بكلمات الاستغراب عاجلني:-
هذا الكلام ليس من عندي بل من عند الله.

لم يترك لي الفرصة لكي أفكر من تكون هذه "الشخصة" !!! أو حتى أحاول أن أجد أي منطق طبيعي لكلامه بل تتابعت قذائفه المحددة الهدف بدقة وعاد يقول:-

إن هذا "الشخصة" جميلة وثرية وفوق كل هذا فهي مرتبطة بشخص آخر، هذا الارتباط تحديداً خطوبة فقط وليس زواجاً.. فأرجو أن تبتعد عنها لأن الشيطان سوف يتدخل فليته يتدخل بعيداً عنك.
ضربات العراف المتلاحقة تواكبت مع ضربات قلبي الذي كاد أن يتوقف.. حاولت بحركة لا إرادية أن أخبئ خاتم الزواج من يدي.. عاد العراف إلى فتح فوهة مدفعه صوب قلبي مباشرة:-
 كذلك هناك "إنسانة" بمعنى الكلمة غالية عليك جداً وتحبك جداً وتنام معك على سرير واحد.. وترتع بحريتك في مراعيها الخضراء.
بهدوء شديد سحبت خاتم الزواج منيدي ودسسته في جيب سترتي وقلت له:-
لكني غير متزوج.
ومن قال لك أنني قلت أنك متزوج؟
إذا كان الأمر هكذا.. فمن تكون تلك الإنسانة التي تنام معي في سرير واحد وارتع في مراعيها الخضراء؟!!
لم يرد ولكنه رمقني بنظرة غريبة كادت أن تشرخ روحي وقال بحده لم أعهدها فيه من قبل:-
سوف نرفع قلبينا بالصلاة والله سوف يكشف لنا الأمر.

صديقي "رفيق" كان يبدل نظرات الحيرة والتيه بيننا ويحاول قدر استطاعته تجنب ذلك العراف الذي لم يكن يطلق البخور أو يطلق لحيته للأيام والزمن أو حتى كان يطفئ الأنوار ويتفوه بكلمات غير مفهومة.. كذلك لم يكن هذا العراف يتحسس مناطق حساسة من جسدك أو حتى يقوم بعمل الاحجبة أو التعاويذ كل ما كان يفعله أنه عندما تقصده في أمر ما.. يرحب بك في منزله العامر بأحدث الأجهزة الكهربائية والإليكترونية ويضع يده على فمك طالباً منك عدم التفوه بأي كلمة ثم يغمض عينيه ويطلق العنان لسيل من الكلمات تقذفها أمواج بحر فمه الهادر.. تحاول كثيراً أن تلاحق هذه الأمواج أو تقاومها أو تستبين الكلمات المنتقاة بعناية شديدة من قاموس غريب على أذنك وحياتك فلا تصل إليك سوى (الله.. ربنا.. تحت الدم.. ابنك.. بين يديك.. الآن.. ضع يدك عليه يا رب.. احضنه يا رب.. تحت الدم.. تحت الدم)

تخرق الكلمات أذني بقوة. أحاول جاهداً معرفة السر وراء هذه الصلاة العجيبة التي يطلقها هذا العراف.. لكني لا أصل إلى شئ.. بعد أن فتح عينيه ورآني بوضوح أخذ يحكي لي كل شئ في حياتي.. رغم أنه أول مرة يراني فيها وجهاً لوجه.. الشيء الغريب حقاً هو أن كل الكلام الذي قاله صحيح مائة في المائة وحدث في حياتي تماماً.. توقفت كثيراً عند موضوع "الشخصه" المخطوبة الجميلة الغنية والتي تحبني جداً جداً...حاولت أن أعرف منه تفاصيل أكثر تعينني على معرفة من تكون هذه المزعومة؟ لم يعطني إجابة شافية أو أي دليل يساعدني في الوصول إليها لكنه عاد يقول في حزم نهائي:-
 هناك "شخصة" ما تحبك جداً جداً وهذا الكلام ليس من عندي بل من عند الله.

دارت بي الحجرة ولم أدر بنفسي...بعد أن أودعت بعض الجنيهات في يد ابنته الصغيرة "مريم"خرجت من عنده مهرولا لا أعرف لقدمي طريق ولا وجهة معينة لي؟ ولا أعرف هل خرج معي صديقي "رفيق" أم تركته فريسة أخرى يلتهمها ذلك العراف بصلواته الغربية؟ في المساء لم أشأ أن أخبر زوجتي بما حدث حتى لا أفسد قلبها الناعم والذي يحبني بقوة ستة عشرة عاماً مضت.. أخذت استعرض كل البنات التي مرت على في حياتي كلها سواء هؤلاء اللاتي يحطن بي في العمل أو بنات جيراننا أو أي بنت كنت قد قابلتها في أي مكان ودار بيننا حديث ومازال حديثها عالقاً بأهداب عقلي.. وأخذت تتوالى على هذه البنات في صور متتابعة ومتلاحقة حتى اللاتي لم يتوفر فيهن شروط العراف الثلاث (خطوبة – جمال – ثراء ) لم اهتد إلى شئ أو أرسى على بر أمان أو حتى التقطت خيطاً ولو دقيقاً أسير عليه حتى أثبت صحة أو كذب ما قاله لي العراف. توالت الأيام وتعاقبت معها الشهور وفي كل مرة أذهب فيها إلى العراف يؤكد لي نفس الكلام بل وبنفس الألفاظ دون أن يغير أو يبدل شيء فيها.. لم أشأ أن أسير وراء أوهام رجل لا يعرف ما يقول وقررت أن أنسى الأمر برمته وأنتبه لحياتي وأحوالي حتى كان صباح حين هلت علىّ بوجهها البشوش وبسمتها الناعمة وتلقفت يدي في حنان غير معهود حتى كادت تضمها بين كفيها وترفعها إلى صدرها الرجراج وقالت لي في دلال غريب:-
صباح الخير يا أستاذ موسى.
سحبت يدي بسرعة وخرجت مهرولاً حتى وصلت إلى الكنيسة الوحيدة الموجودة في القرية.. دخلت ولم أشأ أن أسمع تحذيرات الكاهن بضرورة خلع حذائي لأن الأرض التي أقف عليها مقدسة.. بل هرعت إلى الهيكل وتمددت على المذبح المقدس حتى تراءت لي فصائل وكتائب كثيرة من الملائكة كانت تهل علىّ من كل صوب وحدب وهي ترفرف فوق جسدي الممدد على المذبح المقدس ورائحة بخور عنيفة تملأ أنفي بقوة وكلمات ترانيم ترتخي على ألحانها جفوني وتتراقص على نغماتها أذني حتى جاء ملاكان فحملاني إلى أعلى.. إلى أعلى حتى أصطدم جسدي ببطن القبة الوحيدة للكنيسة من الداخل فهوى جسدي بشدة وعندما فتحت عيناي وجدتني في ملابس العرس وهي في ملابس زفافها الجميلة والكاهن الذي كان يحذرني من مغبة الدخول إلى الهيكل المقدس بالحذاء يقبض على كفينا ويتمتم بكلمات غريبة لا أفهمها ووجوه كثيرة أعرفها جيداً تملأ صحن الكنيسة.. بحثت عن وجه العراف بين كل هذه الوجوه ولكني لم أره مطلقاً..

قلت لها وأنا أدعك كفها البض بأصابعي الغليظة:-
صباح الخير يا أبله.

سرت رعشة في جسدها وسحبت يدها برفق بعد أن علا وجهها الارتباك ورمقتني بنظرات ذات مغزى وراحت تسأل كل من يقابلها عن الشيء الغريب الذي أصابني لكنها لم تجد أي جواب ينقذها من وحش الحيرة الذي افترسها بلا رحمة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى