الأربعاء ١ آب (أغسطس) ٢٠٠٧
بقلم نزار أحمد

قيسٌ أنا ليلى

قيسٌ أنا الشوقُ والاحلامُ والصورُ
وفي فؤادي الهوى ما زالَ ينتظرُ
وفي سمائي يظلُّ الليلُ ممتلئاً
حتى إذا قد نأى عن عرشهِ القمرُ
إنْ لم أُسمّى أنا ليلى.. لما جلستْ
على ضفافي نجوم الكون تعتمرُ
ففي وصالي بحور الشعر قد عزفتْ
للعاشقين سبيلاً لي به وترُ
إذا وَهبتُ شراعي للمدى انبسطتْ
أنحاؤه حين نادى مركبي السهرُ
وإنْ مَنحتُ غدي للريح يلمسه
استيقظ الذنبُ والساعات تختصرُ
وإنْ مَددتُ له خصْري يعانقه
إخضرَّ فيه صهيل اللهو يجتمرُ
قد انحنى يعزفُ الأوتارَ لي فمه
فوق الشفاهِ وفي تكراره عِبرُ
فاشتات في ليلةٍ أوقدتها سفني
مني بريقاً غشى آثامه الفجرُ
يا قيسُ كذبتك الجوفاء ليس لها
في معشر العدل أنسٌ أو لها خبرُ
ليلى بما حمَّلَ الحادي قوافله
من خيرها القوم في إثرائهم يَسَروا
ما درَّها الكوكب الساري سوى شهبٍ
هَوَتْ عليه انتحاباً جوفه السِترُ
عُمْرانِ ذابا على أوتاره ندماًً
نعشٌ عليه احتقار الروح ينفجرُ
ألقي على ترفِ الماضي نهايته
وَدَّعتهُ مجحفاً والضوء منكسرُ
أقطِّرُ الدمع تذكاراً لأزمني
ترسو عليه بقايا العُمْرِ تحتضرُ
وأنهلُ الشكَّ أسقيه لأوردتي
به شظايا من الآهاتِ تنتظرُ
ألمُّ سهو احتضانٍ لا حنان له
أُوَرِّقُ اليأس حتى اليأس ينعفرُ
أجتثُ منه مناديلاً لأغطيتي
وأشربُ البين والحرمانُ مقتدرُ
وأرشقُ الكأس ليَتَ الكأس كان به
ذكرى حبيبٍ إليها قادني الأثرُ
أبِثُّ غيلي وتطفيه جوارحهُ
وأُدفِؤُ الزهد نحفاً كاد ينفطرُ
وأهملُ القلب أرميه تنازعهُ
بعضٌ من الأضلع استَشفى بها الذعرُ
والليلُ يغشيه تكرارٌ تُدمِّرهُ
خيل الصفاد وصيدُ الفجر مُختصرُ
والصبح إن جاء جاء الصمت يذبحهُ
كما يزيح ضفاف الشاطىء المطرُ
رَمَيتُ يا قيس أوراقي وزدت بها
فهل رمى عابثاً أوراقَكَ الشجرُ
رغم ابتعادك عني لَستُ جاحدة
ولا أعاتب ذنباً قِصره العِذرُ
هل تنكرُ امراةٌ شهباءُ عاشقها
وهل يُعاود فيها شوقها النظرُ
إنْ مرَّ بيَّ خيالٌ أنتَ ذاكرهُ
استشرقتْ نحوه الأطلال تزدهرُ
ما أثقلَ الغل عني شهوةً ابداً
إليكَ فيها خيوطُ الليلِ تحتمرُ
فكلما جاءني طيفٌ يداعبني
سَرَتْ إليهِ رياحُ العشقِ تعتذرُ
على وسادة قلبي اهتزَّ منطلقاً
لَوْعٌ به قطراتُ الوصلِ تنحدرُ
وفي قرارة نفسي نَزَّ حشرجةً
بها جميعُ عروق الذاتِ تقشعرُ
كأنَّ صبحَ الضنى ما عاد مختبئاً
فاستقبلته شجونٌ سلّها الصبرُ
سَئِمتُ يا قيس أخباراً بما مضغتْ
من السهام التي أطيابها الوَطرُ
سَئِمتُ والله دنيا أنت تاركها
سَئِمتُ نفسي وعندي للهوى خبرُ
لو مدَّ لي يده الخرساء أقتله
إني من الآن نارٌ زيتها القدرُ
إني أخاف من الابحار يا شجني
أخاف في عمقه يغتالني الضجرُ
أخاف يُلقي ذراعيه ويأخذني
فلا أراك ولا يحتاجني السَمَرُ
أخاف من كل أشيائي وما رسمتْ
لِيَ المتاهات حين استسلم النَحِرُ
أخاف تصحو فتوحاتي وفي عبثي
تنتابني لحظةٌ أكوابها الضررُ
قيسٌ أنا للهوى ليلى وطاربه
وعند ليلى يقين العشق يزدهرُ
دع عنك لؤمك وانظر صبر فاتنة
نعى فسائله أيوب والغجرُ
فلا خليلك يوماً نال مطلبهُ
ولا قتيلك يشفي كبده القبرُ
إني نُفيتُ بلا منفى أزِفُّ له
حَين الزمان عليه الغل ينتحرُ
إني غرقت ببحرٍ بان هيكله
يصطادني يا قيس ظلماً مائه العكرُ
وسارق النوم من جفنيَّ مدَّ لهُ
حرثاً من النزق المذبوح ينهمرُ
احمَرَّ خنجره واسودَّ مطرقه
يخُلِّدُ الروح مما أورق الزجرُ
يا قيس زيفك إني فيك خائنةٌ
والله ليس له صدقٌ ولا أثرُ
فأنتَ شخصٌ خجولٌ لم تكنْ رجلاً
هَرَبتَ أول ما انشقتْ بنا الحفرُ
لو كنتَ في الجرأة الثرياء محتكماً
لما غدونا رماداً ناره الأزرُ
ياقيس لا تسْقط الازهار نظرتها
إلا إذا قطفتها أذرعٌ كِثرُ
قد انتظرتكَ أعواماً حوافرها
كالبحر عمقاً وفيها العشق محتقرُ
يا قيس إنَّ ثرائي لم يكنْ سبباً
يُبرِّؤُ الذنب أو يحييه مفتقرُ
حيث الثراء ثراء الروح يا شجني
أرضى بعبدٍ فقيرٍ ملكه الفكرُ
فالمال لا يبعث السلوى بصاحبه
والمال يا قيس لا يهدي ولا يذرُ
كوخٌ صغيرٌ بمجرى القلب يطربني
ألقي عليه يقين النفس يصطبرُ
إن الزلازل لا تلوي لنا وطناً
إلا إذا تاه فينا السمع والبصرُ
ولا الاعاصير تنفي الطير عن وكرٍ
شَدَتْ به زفزقات الصبح تفتخرُ
نحن اللذين وفي طيشٍ وفي حمقٍ
ندعو إلينا هموم الدهر تبتترُ
ما قطَّعَته السنين الخاويات لنا
حيناً وحيناً إليه الحمدُ والشكرُ
كفاك يا قيس بحراًً ما أنت عابره
إلا وفيك لِوحي الوشيّ محتضرُ
فأنت يا قيس آثرت الضنى طوعاً
أغرتك أطوارك الصفراء والسفرُ
رَحَلتَ في أفق الصحراء ملتحفاً
حظ العديم وفيك استنبت القَتَرُ
تهذي أقاويلَ لم أسمع لها مثلاً
وتشرب الثأر وفيك الغدر مختمرُ
غرست أنيابك العمياء في جسدي
وما نهاك دمٌ أو عابك البشرُ
يجتث مخلبك القتال أوردتي
من غير ذنبٍ سوى يشتاتني الكبرُ
حتى إذا غَنَّتْ الايام أغنيةً
فوق الشفاه وكالأغصان تختضرُ
يا قيس جِئت سليلاً تدعي ألماً
فهل صحيحاً دَعتكَ الأعين الحورُ
أم عدت منتقماً تنقضُّ قهقهةً
من نار عينيك ظلّتْ فيَّ تقتَفِرُ
لو يرفع الغدر عن عينيك خنجره
لَسالَ منك صباحٌ وارتوى السهرُ
يا قيس مالك ظلماً تهتدي وثناً
فيه الوشاة لجرف الصدق قد حفروا
نهراً عميقاً من الأنات لو تركوا
لها بصيص جراحاتي لما نكروا
أفعالهم واستباحوا قتل عاشقةٍ
إلا لعادوا بقربي ليلةً سهروا
إني أنا امراةٌ في الأمر ليس لها
قولٌ بما تحكم الاعراف والِسَيرُ
حيث النساء طقوسٌ في مدينتكم
ولعبةٌ سَمَلَتْ أردانها الإبرُ
كم عاشقٍ قبلنا اغتيلت مشاعره
واستوطنتها قرابٌ ملؤها الكدرُ
في حفرةٍ أراد أن يجتاز منفذها
عبءُ الشقاء فأمحى دربها الحجرُ

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى