الأربعاء ١١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٦
قصة قصيرة
بقلم سالم ياسين

كالعادة

"الخامسة و النصف" !
ترتفع صوته مخاطبا زوجته في ذلك الصباح الباكر ثم أضاف:
 "سهرت طوال الليل أتابع أخبار الحرب، الدمار و القتل و التهجير مخيف للغاية... و آيات الصمود فوق العادة ... مخيم عين الحلوة للاجئين يعج بالنازحين ... الله يساعد الناس ... كلما ازداد البشر تراكمت النفايات كما و نوعا وأبخرة نافذة ... انتبهوا! لا تدعي الأولاد يلعبون في الخارج، ربما سيطبق وقف لإطلاق النار خلال أقل من ثلاث ساعات ... مع السلامة".

ارتشف سلافة قهوته و انطلق يدفع عربة النفايات المدعمة بألواح من الصفيح لزيادة حجم حمولتها صعودا الى أعلى "جبل الحليب". إنه ليس ضمن مكان عمله في "وكالة الغوث" و لكن أهل الحي طلبوا منه جمع نفاياتهم، فهو عامل نفايات من الدرجة الأولى في "الوكالة" و أحواله صعبة لذلك يجمعون له ما تيسر من مال في آخر الشهر و أحيانا يضيفون بعض الثياب المستعملة لأولاده .

ساعة من الزمن و أذهب الى عملي" الرسمي" ... طالما أضحكتني فكرة عملي "الرسمي" فأنا لن ألبس ثيابا "رسمية"... نفس الثياب و نفس العربة و نفس الرائحة في وظيفتي "الرسمية"... المراقب هو من يلبس ثيابا "رسميه"، كذلك ابن عم زوجتي ذو الوجنتين الحمراوين المكتنزتين في قسم التسجيل، و الذي دبر لي هذه الوظيفة بمساعيه الخيّرة ... غالبا ما يوبخني لكثرة العيال بعد أن يطمئن على عملي في الوظيفة" المعتبرة" مفاخرة بنفسه. في آخر مرة قال لي و أنا أسجل أصغر أبنائي "يحيى":

 "لو أنك متزوج من أربع نساء، كنت سأفتح لك أرشيفا خاصا و سأعمل موظفا لك وحدك في" الوكالة" ".
 "المال و البنون زينة الحياة ... فإن لم يكن المال فليكن البنون على الأقل ... و الحمدلله"... أخبرته ذلك خجلا فأنا أعلم مرماه من التعليق ... إنه نقص المال و ضيق الحال بكثرة العيال.

نغّص الله عيشك يا موظف التسجيل بعينك الضيقة...كلما أخبرتني زوجتى أنها حامل...تقفز حضرتك في بالي لتعكر مزاجي...هل تعلم كم أسعد برؤية أولادي في المساء...بأكفهم الطرية و قلوبهم الطاهرة و أنا سيّد قصري و عصري و الكل تحت طوعي؟ سيكملون تعليمهم إن شاء الله، و سيعوضوني و أعوضهم حياة حرة و كريمة...و آخر هذا الشهر سآخذهم إلى مدينة الملاهي نكاية بك يا أحمرالخدّ و أسود القلب!
وصل الى أعلى الجبل و أخذ بجمع النفايات بسرعة و همة كبيرة، دافعا عربته بين الأزقة، ماسحا قطرات عرقه بأطراف أكمامه، مشيحا بوجهه بين الفترة و الأخرى عن الأبخرة المتصاعدة من عربته ليلتقط نفسا نظيفا ...
تأفف من كثرة الحجارة الكلسية في الطرقات ... و التي تتطلب منه جهدا إضافيا ليوازن عربته في المسير بثقل الحمولة ... إنها الحجارة التي يتكون منها الجبل ... كان لونه أبيض كالحليب قبل أن يكتظ بسكانه و عمران كل متسع فيه آخذا اسمه من لونه ...
بعض الوقت و ينتهي من هذا الحي ليبدأ في حيه "الرسمي" قبل وصول المراقب.
أشعل سيجارة و نفخ دخانها بشدة، رافعا رأسه الى السماء و أصخى السمع الى أزيز طائرة الإستطلاع ليميزه عن طنين أكوام الذباب الهادر ...

إنها الملعونة التي تسبق الطائرات الحربية عادة ... صور من ثوابت الزمن: الحصان فالعربة، كما عربة النفايات فأنا، كما "إم كامل" فالطائرات الحربية.
توجه نحو آخر بقعة في الجبل، بعض الوقت و ينتهي من العمل هناك ... بعض الوقت و يعلن وقف إطلاق النار.
علي الإنتهاء بسرعة، سأمسح عرقي و أنظف عربتي جيدا فلا أريد أن يعرف المراقب الشكّاك أني أعمل وقتا إضافيا ... هو وقت مستقطع من فترة نومي، فهل تختلف القاعدة أم يبقى عملا إضافيا؟ لا أدري و لم أسال أحدا بعد ... المهم أن أبدو له في كامل نشاطي ... سأضيف بعضا من مزيل الرائحة! فالبشر في ازدياد و أنواع النفايات غريبة ... و رائحة الموت و البارود و قيظ الصيف يزيد من حدتها ... و الضجيج فوق العادة و جهدي فوق العادة.
ربما سيوزعون بعض الإعاشات هذا الشهر بسبب الحرب، كما في أيام الثورة راتبا إضافيا بدلا للصمود و التصدي،ولكن! لا عملي الآن" صمود و تصدي" و لا الإعاشات بدورها لذلك المبتغى، إنما هي بدل للبقاء، للأحياء فقط.

هي آخر بقعة قبل الوصول الى سوق الخضار ... يحلو للأولاد أن يلعبوا فيها كرة القدم ... في كل مرة يتركون قطعا من حجارة البناء كعلامات للمرمى ... هي طريق أوسع قليلا من باقي الزواريب لكنها تصلح للّعب.
العفاريت يصرون على وضع علامات بارزة للمرمى و كأنه ملعب "رسمي" ... ضحك في نفسه مجددا لفكرة الملعب" الرسمي" فكيف يكون الملعب "رسميا" ؟ ... لا أنا و لا الملعب نستطيع أن نكون "رسميين" في هذا المخيم، ربما في الماضي السحيق كان الملعب ملعبا، كما كنت في يوم عرسي "رسميا"!
حمل الحجارة ببعض الجهد و وضعها على جانبي الطريق، فاليوم قد يستخدمها الأولاد مجددا إن طبق وقف إطلاق النار...
اندفع بالعربة نزولا ... ربما كان عدد الحجارة هذه المرة ثلاثة فقط على غير العادة! ... لكنه لم يشغل باله كثيرا فالعمل "الرسمي" بانتظاره، و كذلك عيون و أنف المراقب ... أسرع بعض الشئ و لم ينس أن يلقي نظرة على باب محل العطورات المقفل على مفرق سوق الخضار ... الدنيا حرب و من يشتري عطرا في زمن الحرب؟ تنهد مجددا لنفسه العهد و العزم على شراء مزيل الرائحة ... فهو لا يحتمل مخاطرة اكتشاف أمر عمله الإضافي ...

ساعة و نصف و يبدأ وقف اطلاق النار ... سيعود النازحون الى قراهم و يخف الإحتقان البشري و مخلفات نفاياتهم ... و ربما لن أعود بحاجة الى مزيل الرائحة، و يعود المخيم كالعادة ... من يدري؟ ثم إن أنف المراقب مدمن على الرائحة العادية، و هو أنف عادي كما هو عاديّ كل ما يقع ضمن السياج المضروب حول المخيم.

دوى هدير الطائرات الحربية فجأة، و زلزلت الأرض بفعل الإنفجار الضخم،جفل قلبه بين جوانحه بعنف، و رأى أولاده يلعبون في مدينة الملاهي الموعودة و ضحكاتهم تعلو و تعلو فتصم أذنيه، ناداهم بملء صوته، لكنهم أخذوا بالإبتعاد و الخروج عن طوع ندائه تباعا لأول مرة ... و سكون مطبق أبدا، فوق أية عادة.
تجمهر الناس كبارا و صغارا و بدأت الأصوات تعلو ...
 "إنه زبّال " الأنروا" " ... "أبو سميح" ... "قد مات و هو وراء عربة النفايات" ... "قطعة من حجارة الإسمنت طارت بفعل القصف و شجّت رأسه فمات من فوره" ... "دخلت زاوية الحجر في رأسه"... "انظروا الى الحجرعليه آثار الدم المتخثر و بعض من دماغه" ...
حمل الرجال الجثة و مضوا بها الى حيّه " الرسمي" و دار النحيب و العويل في بيته "الرسمي" ...
اليوم سيلبس "أبو سميح" ثوبه "الرسمي" باللون الأبيض و بعض العطر ... و لكن ليس من زغاريد و لا من مراقب.

و غدا سيعلو الغبار الحجر الإسمنتي فيخفي آثار الدماء ... و يحمله الأولاد ليبقى علامة للمرمى ... شاهدا على الحياة و شاهدا على الموت ... فالحياة و الموت داخل سياج المخيم ... في نفس المرمى... كالعادة!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب فلسطيني مقيم في لبنان

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى