الأحد ١٥ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٠

كوابيس نهاريةّ

نديرا راضي

((من كان لديه سبب للحياة، فبإمكانه أن يتحمّل كلّ أحوالها.)) فريدريك نيتشه.

جلست تتفرس في تفاصيل الوجه المتجهمة في بلّور النافذة المشوّب بالغبار والأتربة. لم تتبينها جيّدا من بين طيّات الأخاديد والبُؤر المنتشرة به. هل كانت من جرّاء ظلال البلّور المتسخ، أم من الأحزان والإحباطات المتراكمة. سعلت فجأة. انكمشت فوق مقعدها مخافة المنعرجات المتعاظمة. تحسست موضعه في صدرها. انتظمت الأعضاء جميعها لبدء العمل بتوافق جديّ -دون تناحر-في إصدار انقباضات عاجلة متزامنة بشكل هارموني، كأوركسترا مباشر يعزف أمام جمهوره في كونشيرتو خاص على شرف وجوده. شرف تلك المضغة العظيمة.

آلامٌ فظيعةٌ تنهش في زوايا رأسها وحناياه. تقيم جُدُرا خرسانيّة شاهقة ما بين التلافيف والأفضية ثم ما تلبث المعاول أنْ تستميت بالإخلاص في الهدم والتكسير. أنقاضٌ جمّةٌ زحفت بين تجاويف عقلها الغاضب هادرة. كأنها اصطدامات مدويّة لعربات قطار سريع توقف فجأة، فافترسّت العربات اللاحقة العربات الأولى -الواحدة تلو الأخرى-بشهوة فاجرة. ودّت لو عانقته بشبق، ولثمت شفاه أوردته وباغتّت شريانه الأبهر؛ الذي تخلى عن شروده وشروره وعداوته ولجاجه وجحوده وشقائه ونفاقه، محافظا على رقصته الجزلى في الإقبال اللطيف والإعراض الخفيف.

تناولت أقراص دواءها: قرص لدقات القلب المتسارعة الكارثيّة، وقرص لدمها العالي الضغط العنيد. وقرص ثالث مسكن أقوى لتخفيف بعض آلامها الصادمة وأوجاعها المتأججة. مدّها يا ربّ الأربّاب بمدّد التسليم. أرسل لها وحيّك اليقين. ارسله إلى هاته المضغة العظيمة. ((الوحيّ الحيّ في طويّة الإنسان، وليس في طوايا الكتب والأوراق)) كما قال المسيح للحواريين وهو يشجعهم على استكشاف وتطهير أعماق ما تحويه هاته المضغة. لم تجد بفمها قطرات رضاب نديّة. تناولت كأس الماء على مهل. تجرعت بعض رشفات. لم تعاونها العضلات المتشنّجة على البلع. التصقت الأقراص الحجريّة الهشة بجدر الفم الجافة وأعلى البلعوم. مصدرة تجمعات كيماويّة ثوريّة من الداخل تنادي بالولوج والانتشار، كوقفات الاحتجاج المطالبة الحكومة بالتشغيل والانتداب، بعد أن خدعوها بجدوى الثورات. شعرت بها أسفل حلقها من الخارج تدق مسامها بخدر يقظ. تبثُ ذبذبات كهربية ضعيفة الفولت في محيطه. رفعت رأسها على مهل أكثر محاولة تسهيل ولوج رشفات الماء. لمحت ملامحها مرة أخرى في الزجاج البلوريّ للنافذة. "هل هذه أنا ؟! فعلا؟! شابت رأسي وابيضت شعراتي في لحظات!" كانت جدتها تحذرها حينما يداهمها الحزن والهموم: "أبدا لا تلمسي رأسك عندما تغتمّين. سينتفض شعرك أولا من الهوان، قبل احتراق خلايا دمك وبُصيّلات أعصابك يا عزيزتي."

هبطت الآلام الفائقة بذكاء وخفة نحو العينين الجاحظتين. بذلت محاولات مخلصة كي تصمدا مفتوحتين. انتصرت الآلام على هشاشة أعصاب تلك المنطقة الحساسة، في النهاية. سارعت بإغماض عينيها برهة، لحظة، دقيقة. تفصّدت عرقا باردا نقيّا. تيقنت أنها لن تقدر على استكمال البوح وإفراغ التشظي، وهما على هذه الحال من المعاناة والإلحاح. اضطرت إلى انتزاعها من محجريهما مرتبكة. وضعتهما أمامها فوق الطاولة. تسمّرت ممتقعة الوجه، لتجد العينين تحدجانها بنظرات رافضة متحدية: "يا لك من نرسيسة عنيدة. لا ترى إلا ذاتها المبهمة ولا تعيش إلا لكيانها الآسن." حتى أعضاءها الخاصة تقذفها بما ليس فيها وتحجر عليها تعاطي المقاومة وممارسة الاعتصام. استمرت في الكتابة متأففة منسلخة البصر لا البصيرة، مُحبّرة الأسطر بالدماء النازفة من محجر العينين. إلى أن أسدلت الجفون أهدابها مستسلمة في هدوء إلى حين. تأنقت تانيك الشفتان بالترنّم والتمتمة الهامسة.

التفتت إلى الزجاج البلوريّ للنافذة، تاقت أن تنظر للشفتين وهما تنيران عتمة لحظاتها بابتسامة ضياء، وتتغزلان بما تخطط. كان الوقت يميل للشحوب، تماما كروحها. لم تتمكن من رؤية الشفتين جيّدا. أو تستطع أن تحدد بالضبط هل هو مجيء صباح أم ميلاد مساء. الرياحُ توقفت الآن. السماءُ رماديّةٌ متجعدة بغصّات وشهقة. أصوات العصافير المتفائلة والطيور المزقزقة العاشقة لم يعد لها وجود. هل تنتبه الطبيعة لما تكتب؟!. لم تعتدْ الطبيعة أنْ يبح أمامها الأشخاص بثقل ما في المضغة من هموم. لم تعدْ ترى العالم من حولها بعد أنْ اختارت إراحة عينيها فوق الطاولة. لم تعد ترى ما تكتب. لكنها تكتب. تأوّهت وأنّت زافرة. ضمت كلماتها بشدة إلى صدرها، علّها تضمد جراح المضغة العظيمة، المريضة، المصابة بالاكتناز القهري. تلك التي تصرّ أن تجمع فيها المواقف والأحداث رافضة التخلص منها بالنسيان أو الإهمال أو التعالي.

تعشق أن تبقيها حيّة تعيش بين جنباتها، مهما كانت بالية أو تافهة أو موجعة. عشرات الملايين من اللحظات وتلال المشاعر تلو المشاعر. تباغتنا وتنهشنا وتحتال علينا. نسلم لها حينا. ونلفظها حينا وحينا. لكنها أبدا لا ترحل. تعود لتتغول وتتوحش وتفترسنا. تستعمر لحظاتنا الحالية والقادمة معا. الأسطرُ تفتك مكانها فوق بعضها مطلسمة المعاني. الكلماتُ تندمج فوق الكلمات في تماهي مخادع. الحروفُ تعانق الحروف بوجاهة الترميز. المعاني مجندلة بالغموض متخفية، تغالب دوّامة الشفرات المحتومة. أوراقُ الدفتر لم تنته، والكلام أيضا لم ينته. قلبها يحدثها بذلك.

مازال نزيف التطهّر يجري. تشعر بذلك بقوّة. نزيف يداهم خبايا في روحها كانت مبهمة. استمر نزيف محجر العينين في بطء يتساقط لزجا دافئا فوق أصابعها. مازال الكلام مسترسلا دفّاقا. يزيد تدفقه مع أوجاع المضغة العظيمة وألام عظام المنطقة المحيطة بها. دامت الآلام الأخرى أم خبت، لا يهُم. كلٌّ في شأنه يسعى. تسعى الآلام لاحتلال مساحات أعظم. تسعى العينان للإغماض والراحة. تسعى المضغة للاستيعاب والاحتواء. تسعى أقراص المسكن لبث الفاعليّة والتأثير على كامل الجسد. ومازالت أناملها تسعى لاستفراغ التشظي وتفكيك شفرات الضباب المتكاثف بسمّاوات المضغة. قبل أن يسري مفعول أدويّة تسكين التطهر وموات البوْح واغتيال اليقظة التي لا تدوم طويلا.

نديرا راضي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى