الأحد ٧ نيسان (أبريل) ٢٠٢٤

لؤلؤةٌ بجناحينِ كالنَّسر

باسم عبد الحسين راهي الحسناوي

قبلَ أنْ توجدَ اللغةُ الماكِرهْ
كانتِ الأرْضُ أحْفَلَ بالوَرْدِ
كانت كذلكَ يهتزُّ وجدانُها
للجمالِ الذي يورثُ الصَّمْتَ أكثرَ
لكنَّها الآنَ تفتحُ نافذةَ الحبِّ
ثمَّ تحرِّضُ عشّاقَها أنْ يقولوا قصائدَهم
ثمَّ تسْأمُ مِنْهُم سريعاً فتغفو على يدِها
وهي تنظرُ أسفلَ شبّاكِها
ثمَّ تسقطُ فاقدةَ الوعْيِ
ثمَّ تموتُ على حافةِ الذاكرهْ
غالباً ما أسافرُ في داخلي
بيدَ أنِّي أصادفُ دوماً حبيباتِ قلبي
وإذْ يتعاظمُ إغراؤهنَّ فأطْرَحُ عنِّي الحياءَ
تغادرُني طُرُقي كلُّها
ثمَّ أبقى كمن طوَّقتْهُ المجاهيلُ
أفقدُ ذاكرتي وأنا بعدُ أرغبُ أنْ أتعانقَ
قد أطلبُ الموتَ
لكن يعزُّ على من ترجَّلَ أنْ يتلقَّفَهُ الموتُ ثانيةً
فهوَ حيٌّ ولكنَّهُ حلَّ في جَسَدِ المومياء
لم يكُ الوجْهُ.. وجْهُكَ يا صاحبي جاهزاً للضَّباب
لم تكُ العينُ.. عينُكَ ماثلةً للغِياب
ولم يكنِ الشِّعرُ متَّجهاً صوبَ رأسِكَ
حين تهيَّأَ للرُّمْحِ
إذْ كانَ جسمُكَ في حينِها
آيةً يتموسقُ إيقاعُها في خيالِ الكتاب
لا أريدُ من الشِّعْرِ حلاً لمعضلةِ الكَوْنِ
لا أطلبُ الحلَّ أيضاً من الكُتُبِ الفلسفيَّةِ
ما قيلَ كانَ هراءً
وما لم يقلْهُ إلى الآن من أحدٍ
سيقالُ ويمقتُهُ الآخرونَ
ويبقى بنو آدمٍ على نفس منوالهم
يطرحون سؤالاً ولا يجدونَ الإجابةَ
ما قيلَ كانَ هراءً
وما لم يقلْهُ إلى الآن من أحدٍ سيقالُ غداً
ثمَّ يمكثُ كالفأرِ في مخبأٍ للظَّلامِ
لعلَّك يا صاحبي رجلٌ من بقايا الأساطيرِ
أو ربما لم تكن قطُّ لحماً وعظماً
ولكنْ تفيَّأكَ النّاسُ ظلاً من الشَّمْسِ
هل أنتَ تمقتُ أنْ تتحوَّلَ ظلاً
فكُنْ قمراً واستقِلَّ عن الشَّمسِ
كن قمراً لا ينير
كما لو تهدَّمَ من بعدِ عمرٍ طويلٍ
فأصبحَ شيخَ السَّماءِ فحسْب
ليحظى بتكريمِ كلِّ الكواكبِ
لكنَّهُ ميِّتٌ في المآلِ الأخير
الطيورُ التي حلَّقت في الفضاءِ بعيداً
أشارت إليَّ بأجنحةٍ من ذَهَبْ
أخبرَتْني بأنَّ المكانَ الذي قد تقدَّسَ جداً
وصارَ ملاذَ ملائكةِ اللهِ ممّا يعانونَهُ من نصبْ
أصبحَ الآنَ محضَ التذكُّرِ
ما عادَ للطَّيرِ وكراً
وما عادَ يمنحُ جبريلَ زاويةً كي ينامَ قليلاً
لقد أخبرَتْني الطّيورُ التي حلَّقت
في الفضاءِ بعيداً بعيداً بأجنحةٍ من ذَهَبْ
أنَّها لا تشاءُ الرّجوعَ إلى شرفةٍ في البناءِ المقدَّسِ
ما دامَ قد نسيَ الآنَ أسماءَهُ كلَّها فاغتَرَبْ
كنتُ أوَّلَ أغنيةٍ أنشدَتْها الخليقةُ
كيفَ غدَوْتُ إذن آخِراً
ليسَ ثمَّةَ بأسٌ
إذا ما قتلتُ العواطفَ
يكفي وجودي على قمَّةِ الفرح الآنَ
هذا مكانٌ سواءٌ بهِ أن يعيشَ الفتى أو يموتَ
سواءٌ بهِ أن يسيرَ وأن يتوقَّفَ
في الحالتَينِ الفضاءُ العريضُ هوَ المعتقَلْ
القيامةُ قامت هنا في كياني
لقد دخَلَ الدّاخلونَ إلى جنَّةِ الخلدِ
سيقَ البقيَّةُ للنّارِ
لم تبقَ جدوى لأيِّ عَمَلْ
أغلقُ البابَ
أجلسُ وحدي
أقولُ الحبيبةُ جالسةٌ بانتظاري
تريدُ الحديثَ معي في شؤونِ الغَزَلْ
أكتبُ الشِّعرَ عن حبِّها
أشطبُ الشِّعرَ
أكتبُ ثانيةً
ثمَّ أشطبُهُ
وأنادي الفراغَ الذي يتوسَّدُ رأسي
أهيبُ بهِ أن يوسِّدَني رأسَهُ لأموتَ قليلاً
وألعنَ كلَّ النساءِ اللواتي بهنَّ كتبتُ القصائدَ
من أسفَلِ السَّفْحِ حتى أعالي الجبَلْ
لا أراها بلاداً
أراها نساءً على الغَيمِ يرقصْنَ
يفعلْنَ فيَّ الأعاجيبَ
حقاً أريدُ العناقَ وحينَ أهمُّ
على الأرضِ يهطلْنَ ماءً
فيبزغُ عشْبٌ وتخضرُّ كلُّ المفازاتِ
يا ربِّ حمداً وشكراً
فهذا أوانُ الفرَحْ
أبتغي أنْ أنالَ من العُشْبِ همساً حديثَ القصيدةِ
تبدأُ فعلاً بطقسِ التلاوةِ معكوسةً
حيثُ منها النِّهايةُ تقفزُ كالأرْنَبِ المستفَزِّ
ليصبحَ طقسُ الختامِ هوَ المفتَتَحْ
الحياةُ الحقيقيَّةُ الموتُ جوهرُها
ليسَ موتاً كهذا الذي يخطفُ الناسَ
من حِضْنِ أحلامِهم
هوَ موتٌ أنيقٌ إلى حدِّ أنَّ سَماواتِهِ عرْيُ أنثى
إلى حدِّ أنَّ الثَّرى حينَ يمشي عليهِ يكونُ جريئاً
فينهضُ من جسَدِ الأرضِ
يحملُ كأساً من الخمْرِ في كفِّهِ
ويقولُ القصيدةَ رائعةً كالشَّفَقْ
إنَّني أتعجَّبُ من شاعرٍ
يتجمَّدُ في اللامبالاةِ كالثَّلجِ كيفَ احترَقْ
إذْ أمرُّ على شَجرَهْ
أحسبُ الظلَّ جنَّةَ آدمَ
أجلسُ في الظلِّ
تشتاقُ روحي غوايةَ إبليسَ
أبتكرُ الخطأَ الأوَّلَ
الكفُّ تمتدُّ عاليةً
تقطفُ الثَّمرَهْ
يفضحُ اللهُ سترَ القصيدةِ
يطردُها غاضباً
ثمَّ ينهرُني بعدَها
لم أفكِّر بمَحْوِ الخطيئةِ
لكنَّني كنتُ أشْعُرُ بالغيظِ
من أنَّني سوفَ أفقدُ ظلِّي
وأحيا الحياةَ التي ستكونُ دخاناً
كمثلِ جماجمِ موتى
تُطَبْهِجُ أحلامَها داخلَ المقبرَهْ
إنَّني وجَعٌ أخضرٌ
بيد أنّيَ لستُ بحقلِ فصائدَ لولا غرامُكْ
أنا قصَّةُ الماءِ
يوماً رأيتُ القرى كلَّها غرقت فيَّ
ما كنتُ أبكي عليها حناناً
بكيتُ عليها اختزالاً لمأساةِ نفسي
لقد كانَ وجهُ الغريقِ أنا
ثمَّ إنِّي تنفَّستُ روحَكِ
كم كانَ يسكنُها
وهي غارقةٌ في المياهِ هيامُكْ
وكم كانَ بي ظمأٌ للعناقِ الطويلِ
ولكنَّني قد خجلتُ من الجثثِ الطافيَهْ
هربتُ إلى رابيَهْ
وقفتُ خطيباً عليها
وكانَ كلامي عصيّاً على الفهمِ
كانَ يترجمُني للجماهيرِ رغمَ المنايا كلامُكْ
لقد فهموني وقد عذروني
وقالوا لقد أدْهَشَ الميِّتينَ افتتاحُكَ هذا
وقد أدْهَشَ الميِّتينَ ختامُكْ
فإنْ متَّ نحفظُ فضلَكَ فينا
وسوفَ يسرُّ الجميعَ حِمامُكْ
إنْ تكُنْ أنتَ يا أيُّها الصَّبُّ نهراً
إذنْ فتحمَّلْ مصيرَكَ
فالنَّهر أوَّل شيءٍ
ستُسملُ أعينُهُ ثمَّ يُصلبُ لا كالمسيحِ
فإذ يُصْلَبُ النَّهرُ يُصْلَبُ إنجيلُهُ هوَ أيضاً
وإذ يُصْلَبُ النَّهرُ
كلُّ قرابينِهِ من نساءِ بني آدمٍ
سوفَ يلفظنَ أنفاسهنَّ الأخيرةَ
مبتهجاتٍ بتلك النِّهايةِ
أنْ لم تعُدْ في الأساطيرِ منهنَّ أنثى
يغازلُها أحدٌ من بني آدمٍ
عندما يُصلبُ النَّهرُ
لا شيءَ يبقى على حالِهِ من تفاصيلِ هذا الجمال
ولا شيءَ ينجو من الشَّكِّ حتى وجوه الأحبَّةِ
في نفسِ تلكَ المرايا التي عكَسَتْ كائناتِ الخيال
أنتَ تطلبُ منِّي الصُّعودَ إلى قمَّة الحبِّ فيَّ
مهلاً فإنَّ الذرى منهُ أوَّلُ ما يُرتقى من صعيدٍ
أسيرُ عليهِ إلى نَجْمَةٍ آفِلَهْ
أنتَ تطلبُ أنْ أرْفَعَ الآنَ شَخْصيَ
بينَ الصُّفوفِ لواءً
أقولُ لكَ الآنَ مهْلاً
فما أنا معترفٌ بلواءِ الكتابةِ
إنَّ الكتابةَ ليسَ لديها مجالٌ لمُحْتَفِلٍ باللواءِ
لأنَّ الكتابةَ أيِّمَةٌ ثاكلَهْ
أنتَ تطلبُ منِّي الحديثَ الطَّويلَ الطَّويلَ
وإنَّ الأحاديثَ ماتَتْ
وإنَّ القصائدَ أجمعَها كالقتيلةِ لكنَّها القاتلَهْ
الحقيقةُ أنِّي دعوْتُ الإلهَ طويلاً طويلاً
بأنْ أتحوَّلَ ما بينَ عيْنَيْهِ لؤلؤةً بجناحَينِ كالنَّسْرِ
والحقُّ أنَّ الإلهَ استجابَ
وقال: لعلَّكَ تدركُ أنْ ليسَ فرقٌ
لدى من يقيمُ بعينيَّ بينَ الجهاتِ جميعاً
ولا فرقَ بين الإقامةِ في كلَلِ الحورِ
والنَّومِ بين الصُّخورِ التي تتشظّى من النّارِ
قالَ هنا ستحسُّ بأنَّكَ طَودٌ
فإياكَ أنْ تتقلقلَ
إياكَ أنْ تستقرَّ كذلكَ
إياكَ أنْ تتناقضَ
إياكَ أنْ تستخفَّ بضدِّكَ
كُنْ مركزاً ومحيطاً
وحينَ ترى أنَّ كنهَكَ أصبحَ دائرةً
فاثنِها مرَّةً بعدَ أخرى
لكي يتشكَّلَ من ثنْيِ أضلاعِها المستحيل
سوفَ أرسمُ خارطةَ الحزنِ.. حزنِ القصيدةِ
من شَعْرِ طيفِ حبيبي
مروراً بقنطرةِ العُنُقِ العذبِ حتى أناملِ كفَّيهِ
حيثُ يكونُ الدخانُ الذي يتنفَّسُهُ الصَّدرُ
من تمتماتِ اللفافةِ
رأسَ الملاكِ الذي اختزن الآيَ من فمِ وحيٍ
يؤسِّسُ مملكةَ الطهرِ في حاجِبَيْهِ
فكيف سأقطعُ تلك المسافةَ حتى الوصولِ
لمملكةِ الطهرِ تلكَ
أشاءُ التأكَّدَ من أنَّ طيفَ حبيبيَ
في مأمنٍ من أزيزِ الرَّصاصِ
وأشاءُ التيقُّنَ من أنَّهُ في شتاءاتِهِ يطرَحُ البرتقال
آنَ للقلبِ أن يتحرّى لهُ عن قصيدةِ حبٍّ أخيرَهْ
وأن يتخيَّلَ عاشقةً لا تؤثِّرُ فيها المنيَّةُ
فإن ذاقَ طعمَ المنيَّةِ يوماً
تكفِّنُهُ بارتعاشاتِ قُبْلَتِها المُسْتَديرَهْ
ثمَّ تدفنُهُ بينَ أضْلاعِها وهيَ تتلو المسافةَ
بينَ عناقاتِها والقلوبِ الكسيرَهْ
لا تكونُ القصيدةُ بنتَ خياليَ حقاً
إلى أنْ أروِّضَها في خياليَ مثلَ الفرَسْ
لا عليكِ إذن إن تقحَّمتُ رأسَكِ عندَ الغلَسْ
ثمَّ أشعلتُ فيهِ المصابيحَ
إني خبيرٌ بخطفِ العواصمِ والناسُ فيها نيام
متى استيقظوا وجدوا كلَّ رأسٍ تبخَّرَ
لم يجدوا غيرَ أحلامِهم رفرَفت كالحَمام
فعادوا إلى النَّومِ ثانيةً مطمئنِّينَ
أنَّ لهيبَ الغزاةِ سيأكلُ كلَّ البيوتِ الحديثةِ
كلَّ البيوتِ القديمةِ
كلَّ الخِيام
هيَ ذاتي ولكنَّها ليسَ ذاتي
توزَّعتُ في كلِّ ذات
فإن عشتُ متُّ وإن متُّ عشتُ
فأينَ الحياةُ وأينَ الوفاة
وكيفَ أميِّزُ بينَ الحقيقةِ والوهمِ
والوهمُ جلدُ الحقيقةِ
إني انسربتُ بغارِ الأساطيرِ
أصدرتُ فيهِ فحيحي كأفعى
فأحسستُ أني إلى العبقريَّةِ أدنى
تبدَّلتُ حقاً
فصرتُ أرى كلَّ شيءٍ
شريطةَ أن أغلقَ المقلتينِ
وأن أدفعَ الرأسَ في الرّملِ أكثرَ
لا كالنَّعامةِ لكن كمعنى الشَّتات
أنا جسدٌ قد تشكَّلَ كالنصِّ
من ألفِ نصٍّ سواه
وإنَّ حبيبي تشكَّلَ من ألفِ شخصٍ
فكيفَ أحبُّ حبيبي
وأطرحُ كلَّ الورى ما عَداه
سأسحبُ نفسي من الحبِّ معتذراً
وأعيشُ بقيةَ أيامِ عمري
على أنها شعبُ موسى
يكفِّرُ عن ذنبِهِ بالمَتاه

باسم عبد الحسين راهي الحسناوي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى