الأحد ٢٢ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٦
بقلم موسى نجيب موسى

ليل أبدي ـ القسم الأول من ثلاثة

ليــل أبــدي

ليل طويل بارد، وأحضان زوج باردة، وعذابات طويلة تجلد ذاتها ووجودها، ونهار لا يريد أن يأتي أبداً رغم محاولاتها المستمرة لنزعه من ليلها الأبدي .

  الإنسان يعيش مرة واحدة وليس مرتين .

هكذا قال لها في إحدى المرات القليلة التي جمعتهما معاً في مدرسة قريتها التي عملت فيها لمدة عام دراسي واحد فقط ... كلماته كانت دائماً ترن في إذنيها وتتجسد في حياتها في أفعال كثيرة كانت تقوم بها وهي غير راضية عنها ... كان متزوجاً ولديه أولاده الذين يعلن دائماً بمناسبة
- ودون مناسبة – أنه يحبهم، وهي كانت في بداية أيام خطوبتها لأول منقذ طرق بابها بعد أن علمت تماماً أن فارسها المغوار قد سقط من فوق جواده الأبيض وكُسر ولن تقوم له قائمة بعد ذلك، كما أنه لاذ بالفرار إلى القاهرة لتحسين أحواله المعيشية ...
دفعها ثرائها إلى أن تطمع في شئ واحد فقط منه هو أن يتقدم لها رسميا ويترك الباقي عليها ...
لكنه لم يفعل رغم حرصها المستمر على ألا يمس هذا الموضوع كرامته أو يشعر لمجرد شعور أن قدره قد ينتقص قيد أنمله ... حين برقت صورة منزله الطيني الراسي على حافة الترعة التي تشطر البلدة إلى نصفين كان قراره بالفرار فلم تنفعه علوم الهندسة التي تلقاها أو تشفع له أو حتى تعطيه الفرصة لكي يطبق ما درسه فى كلية الهندسة على منزلهم النقود في حالة فرار دائم منه فكلما رأته أو رآها تتداول في أيدي البشر- الذين ليس منهم – تهرب وكأنها تآمرت مع الزمن عليه وعلى أسرته .ضغطت التجربة على قلبها بشدة حتى اعتصرته فلم تجد بداً من الموافقة على ذلك الذي أنقذها من نظرات قاتلة كانت تحاصرها فى عيون كل من حولها ... أعلنت في حيثيات موافقتها على المنقذ أن الناس في القرية يقولون عنه أنه طيب القلب لم تكن تريد من الدنيا أكثر من قلب طيب بعد أن خانها قلب "محب" كما أنه حاصل على بكالوريوس صيدلة ويعمل بالكويت بأجر عال جعل في استطاعته أن يقدم لها كيلو من الذهب الخالص عندما قام بخطبتها لكن لم يستطع هذا الكيلو أن يحرك مشاعرها نحوه بشيء فقد احترقت وخمدت ومات معها إحساسها الذي دفنته في مقبرة ذاتها منذ أن هرب فارسها من جحيم وجودها أمامه كل حين ... قبل أن تمر بها الأيام مسرعة عادت كلماته ترن في أذنيها مرة أخرى:

  الإنسان ... يعيش مرة واحدة وليس مرتين.
تستعيدها بينها وبين نفسها في همس غير مسموع وهي تقف في شرفة الطابق الثالث من المدرسة تتأمل المقابر القريبة التي دفن فيها معظم أفراد عائلتها أخرهم خالها الذي كانت تحبه كثيراً ... قفزت مباشرة من الطابق الثالث حتى استقرت على فوهة أحد الأقبية الخالية...

دخلت بلا تفكير تمددت داخل القبو وأغلقت جفنيها...مدت ذراعيها فوجدته ممدداً بجوارها اقتربت منه بشفتيها تريد أن ترتشف من رحيقه الكثير...استيقظت على نقرات أصابعه الحانية وهي توخز كتفها الأيمن إبتسمت ووضعت يدها فوق فمه وقالت له:

  الإنسان يعيش مرة واحدة وليس مرتين.
اقتربت منهما زميلة لهما في المدرسة كانت تُعلم الأولاد طاعة الله وأصول الدين قالت وهي تبدل نظرها بينهما في حسرة :-
  هذا صحيح ... إن الإنسان يعيش مرة واحدة وليس مرتين ، والحياة رحلة قصيرة جداً مهما طالت لذا يجب علينا إلا نضيعها في معصية الخالق.
عادت الابتسامة الخفيفة تمرح على شفتيها مرة أخرى وقالت له بعد أن ودعتهما زميلتهما وتمنت لهما سلامتهما الروحية :-
  حياة بلا أمل وإحساس ميت ... ماذا تفيد أذن السلامة الروحية ؟
  انصرف عنها متأملاًُ المقابر فعادت تقول له :-
  حبيب أحببته بكل جوارحي ، وأعطيته كل شئ إلا أنه عجز عن الارتباط بي ، وخطيب لا أحبه يطوق عنقي ومعصمي وكفى بقيود لا أطيقها... وأخيراً أنت ... المتزوج ... هاها.
  أنـا !!!
  نعم أنت.
  وماذا عني ؟!!
  يبدو أن إحساسي ما زالت فيه بقية من حياة يريد أن يتشبث بها علها تعينه على مرار الأيام القليلة الباقية في عمري.
  السلامة الروحية أولاً.
  حياة بلا أمل وإحساس به بقية من حياة كنت أظنها قد انتهت ماذا تفيد إذن السلامة الروحية؟

أدرك في التو أن اليأس تمكن منها تماماً وأنها بالفعل تحمل داخلها ذلك الجثمان الثقيل لإحساسها وحتى وأن كان ينبض ببعض الحياة فهي لن تقبل به إلا إذا عادت إليه الحياة كاملة ... مرت الأيام بطيئة وحبه لها يكبر ويكبر داخله . لم تقف زوجته وأولاده حائلاً أمام هذا الطوفان من المشاعر ففي إحدى المرات القليلة التي جمعتهما معاً داخل جدران المدرسة اعترف لها ... رآها لأول مرة تضحك بجد ومن قلبها أيضاً ورأى جسدها الذي أخذ يتضخم ويتضخم حتى صارت عملاقة وعندما أرادت أن تحتويه بذراعيها ذكرها مشرف اليوم بموعد حصتها القادمة ... انتفضت وارتعشت أوصالها وذهبت لتلقى علمها على الطلاب بعد أن أدركت تماماً أن ثمة حياة جديدة أخذت تدب في داخلها،وأنه لأول مرة تقتنع أنه من الممكن أن تعود الحياة مرة أخرى لميت قد مات منذ زمن ،أو قد أشرف على الموت. نبضت الحياة في جثمان إحساسها وارتعش لسماعه كلمات زميلها.

عاشت أياماً قليلة في حلمها الجديد تهدهد إحساسها الذي قام من رقاده- الذي ظنته رقاداً أبدياً- إلا أن الموت الحقيقي هاجمه مرة أخرى مع اقتراب موعد زفافها إلى خطيبها الذي لم تحببه قط ولن... فتم الاغتيال على يد رجل الدين وبمباركة المدعوين بابتسامات مزيفة ... لم يمر وقت طويل على واقعة الاغتيال الأخيرة حتى عاد زوجها مرة أخرى للعمل في الكويت... لم يحتمل بُعدها عنه فأرسل في طلبها ... لم تجد بداً من الإذعان فأذعنت مقهورة ... جواز سفرها يحمل بين صفحاته شهادة غيابها للمرة الأخيرة ... عندما وطئت قدمها لأول مرة أرض المطار تجاهلت وجود زوجها واتجهت مباشرة إلى مكتب صحة المدينة لتستخرج شهادة وفاة جديدة لإحساسها ، بينما هو زميلها المتزوج يجلس أمام تلفزيون بلاده يشاهد برنامجاً وثائقيا عن دولة الكويت أعُد خصيصاً للاحتفال بذكرى تحرير الأرض من أيدي الغاشم ... حين شاهد البرجين الشهيرين السامقين في سماء العاصمة الكويتية اقترب من شاشة التلفزيون حتى تطابقت شفتيه عليها تماماً ثم طبع قبله حارة تسربت عبر الشاشة حتى استقرت فوق قمة أحد البرجين فشكلت نتوءاً بدا واضحاً للجميع، بعدها أخذ يداعب زوجته وطفلته في حنان غريب ... في الصباح وهي تقف في شرفة منزلها المطلة على الميدان الذي يحتل قلبه البرجين الشهيرين استرعي انتباهها ذلك النتوء الغريب الذي يرقد أعلى قمة أحد البرجين ... حاولت أن تدقق نظرها فيه جيداً حتى تعرف ما هو لكنه-أى النتوء- لم يعطها الفرصة حيث اهتز النتوء اهتزازات عنيفة هزت معها جسد البرج كله وطار في الهواء صوبها مباشرة حتى وصل إليها واستقر فوق شفتيها تماماً محدثاً صوتاً يشبه صوت احتكاك شفاه ذكر بشفاه أنثى في لحظة غرام نادرة،إحساس غريب غمرها بحضن دافئ ذوب جبال الجليد الجاثمة فوق صدرها الصامد.

وقتها عادت كلمات زميلها في المدرسة ترن في أذنيها مرة أخرى:-
  الإنسان يعيش مرة واحدة فقط وليس مرتين.
اتسعت شفتاها بابتسامة فياضة وقالت :-
  لا يعيش مرة واحدة أو مرتين فقط بل يا حبيبي الغائب من الممكن أن يعيش الإنسان المحب مرات ومرات ومرات

قالتها وبعدها أسبلت عينيها وراحت تطير في سموات لم تطأها قدم بشر من قبل وأخذت ترفرف بذراعيها تشق موج السحاب الأبيض في السماء حتى وصلت إلى حيث يوجد البرجين.

لم يكن حديث للناس في الكويت كلها إلا عن ذلك النتوء الذي ظهر واختفى فجأة وعن ذلك الجسد الذي يشبه الأنثى الذي أخذ يطير ويطير حول البرجين حتى استقر مكان النتوء المختفي فوق قمة أحد البرجين الشهيرين.

لحــم البنــات

  لحم البنات مر.

هكذا قالت له بعد أن اقترب منها أكثر وأكثر وأراد أن يتذوق لحمها الشهي .
قاطعها بشدة :-
  ليس كل البنات.
  على الأقل أنا.
سبح في زرقة عينيها حتى وصل إلى شاطئ النن ، تمدد تحت أشجار رمشها الظليلة بعدها سحب روحه وافترشها أسفل قدميه ، حدد القبلة عن طريق موقع الشمس في فضاء وجودها ، حاول أن يصلي في ملكوتها المفتوح لكنها نهرته بشدة وحاولت طرده من حدقة عينيها التي كادت أن تنغلق عليه وتدهسه.

  ألست من البنات ؟
قفزت فوق بساط الريح الذي لفظه منذ قليل ومر أمامها لتوه وأمرته أن يتجه بها نحو الشمس حتى تبني لنفسها عشاً من الجحيم تعيش فيه بقية حياتها المبعثرة في قلوب كثيرين ... أطاعها البساط دون نقاش واتجه بها نحو رغبتها الأخيرة.
  لم أجرب طعم الحب الحقيقي ولهذا فإن لحمي مر تذكر أنه أحب كثيراً ، وذاق لحوم بنات كثيرات فلم يكن – حتى للبنات اللائى لم يحببهن قط – لحماً مراً بل كان حلوا وأكثر من ذلك أيضاً .
  الحب يذل البنت !!
هكذا قالت له بعد أن حاول استمالتها بأخر قصيدة كان قد كتبها في زرقة عينيها الرائعة ونقاء صفحة خدها الرائقة.
  ليس كل البنات .
  على الأقل أنتِِ.
هرولت داخل غابة عينيه الكثيفة حتى فاجأها الوحش الكامن فيهما فلم تستطع أن تكمل هرولتها ولم تعرف لقدمها طريقاً للعودة فتوقفت ولم تحرك ساكناً .
  ألست من البنات ؟
أنت مثل كل البنات. إن البنات يولدن بورث ثقيل يزداد هذا الإرث ثقلاً يوماً بعد يوم حتى تصل البنت إلى تفتح زهرتيها اللتين يزدان بهما صدرها وتتفتح عينيها على الآخرين بلا قيود داخلية فتصاب بالشرخ الذي يشطرها إلى نصفين.
  مرت عليك تجربتين حب هي محصلة حياتك العاطفية.
الشمس انهارت خلف الأفق فأنهار معها عش الجحيم الذي حاولت بناؤه داخل الشمس منذ قليل وتناثرت أشلاؤهما فوق مياه البحر الممتد أمامهما بلا نهاية.

  لم أجرب طعم الحب الحقيقي ولهذا فإن لحمي مر.
"رائد" اسم لن تنسيه طيلة عمرك فعلى الرغم من أنه يمت لك بقرابة وثيقة الصلة ويصغرك بعام إلا أنك أحببتيه كثيراً منذ أن توضأت عيناك بنور وجهه الصبوح ، وملأت أذنيك كلمات أمك عن الاتفاق الذي جرى بين أبيك وعمك بخصوص زفافكما "رائد لـ مريم ومريم لـ رائد" نبتت مشاعرك الخضراء في أرض قلبك البكر وكلما كبر معك الحلم والمشاعر واقتربت الحقيقة.

  رائد تركك وحيدة لأنه أحب زميلته في كلية الطب.
لم يكن المهندس "محب" يمتلك من حطام الدنيا شيئاً سوى منزلاً ريفياً بسيطاً ... مبنياً بالطوب اللبن ويقع على شاطئ الترعة التي تشق البلد من ناحية الغرب، وكان يمتلك أيضاً (حبة) مشاعر متوهجة لك وحفنة نقود لا تفي بالغرض ولا ترضي أبيك ،أما قلبك فقد ركع ساجداً في محرابه وأخذ يتعبد في هيكله عله يتحرك يوماً ويجني لك السعادة من حقول الفقراء الذين لم ينس يوماً أنه واحداً منهم.
  كيف عرفت كل هذا ؟!!
البنت كتاب مفتوح لمن يريد أن يقرأ سطوره عليه فقط الاقتراب منها و يغترف من بحر أنوثتها حتى يشبع حلمها الخالي من أي اهتمام ذكرى.
  أقول لك الكثير أم يكفي هذا ؟
كلما رأت في يده خاتم الزواج ورنت في أذنيها كلمات ابنته عندما نادت عليه ذات مرة أمامها (بابا – بابا) تحسست ذلك النتوء البارز الذي نبت في خدها الأيمن عندما قبلت زوجته في إحدى المناسبات التي جمعتهما صدفة ،بعدها تهرول إلى الجبانات القريبة جداً من منزلهم وتبكي.
  لم يعد لحم البنات مراً بل أكثر مراراً .
أسدل الليل ستائره وعم الظلام الكون ولم يكن هناك في العالم كله أي بقعة مضيئة سوى تلك البقعة التي تضمهما معاً ... يضيئها ذلك البريق اللامع الذي يشع من عينيهما ... احتضنته بشدة .. احتضنها بشدة ... ذاب جسداهما معاً وراحا في قبلة طويلة حتى فج نور الصباح ... وأنفضح الأمر.

صمـت الكاهــن

سرب من الحمام الأبيض يخرج من بين فخذيه صوب السماء مباشرة ... يتابع بناظريه طيران السرب بشكله المنتظم لكن تتملكه الدهشة حين يجد حمامة سوداء تنشق عن مسار السرب ثم تتجه نحو الشمس مباشرة تثقبها وتخرج من الناحية الأخرى ثم تهوى في مياه المحيط في حين يظل السرب يطير في مساره المعتاد ... يخشى أن يبوح بالسر لأحد وخاصة أب اعترافه فيكون مصيره "الشلح" وترك الكهنوت الذي عشقه منذ أن رُشم شماساً في السادسة من عمره على يد المطران الذي يخشى الآن أن يرسل له سؤالاً عن كيفية الخروج من الورطة التي سقط فيها لأنه يعلم تماماً أن المطران سوف يعرفه ويعرف حجم مأساته. فى كل اجتماع للمطران مع كهنة المطرانية يحاول أن يبث في نفسه بعض الشجاعة لكنه يتراجع وهو يرى شفتي المطران وهي تنفتح وتنضم لكى تتلو قرار "شلح" جاء لتوه من البطريرك ... فضل السكوت وأثر الانسحاب من ذلك الضجيج الصاخب الذي يعتمل داخل صدره وعقله ... حاول أن ينس الأمر برمته فالعريس قد تزوج وانجب ومات أيضاً وهو بنفسه قاد صلاة الموتى عليه ... في الصباح سمع طرقات متتابعة وشديدة على الباب ظن أنها البُشرى التي يحملها له "معلم" الكنيسة لموافقة المطران على حصوله على رتبه "القمص" بدلاً من "القس" تلك الرتبة التي ظلت تلازمه منذ أن بدأ الخدمة في الكهنوت المقدس ... تبخر حلمه الطويل على سخونة كلمات ابنته الكبيرة التي هجرت منزل زوجها ولا تريد أن تعود إليه مرة أخرى فهذه ليست المرة الأولى التي يبعثر فيها زوجها كرامتها على أرضية الشارع الذي تسكن فيه وليست هذه المرة الأولى التي يعود فيها إلى المنزل تاركاً وعيه وقلبه وعقله مشتتين في الشوارع الكبيرة والصغيرة على حد سواء ... حقائبها الكثيرة... أولادها الخمسة ...أدخلت إليه إحساساً بأن هذه هي المرة الأخيرة التي تأتي فيها إلى منزل أبيها وأنها لن تعود إلى منزلها مرة أخرى، حتى هو نفسه سأم من كثرة توجيهاته وعظاته الخاصة التي كان يقولها لزوج ابنته في كل مرة غضب بينه وبينها. ترك ابنته في المنزل وذهب لكي يقود صلاة القداس فالدور اليوم عليه ويجب أن يكون في الكنيسة قبل أن يشق نور الصبح قلب الليل ... وصل إلى الكنيسة ... سجد أمام الهيكل ولبس "الفراجية" البيضاء التي يعشقها وبدأ صلاة القداس .....(أشليل) ... يرد الشعب القليل المتناثر فى صحن الكنيسة الواسع...يواصل صلاته… (إيرينى باسى)... صورة أبنه لم تغب عن عينيه لحظة واحدة ... العلاج المكثف وشعره الذي كان يخرج في يده كلما مسح رأسه بحنان وأبوه قبضات فولاذية تهوى على سطح ذاكرته بلا رحمة ... الخميس الأخير من كل شهر موعد جلسة العلاج الكيماوي مع الطبيب المشهور بعلاج مثل هذه الحالات في القاهرة في آخر مرة نظر إليه الطبيب في يأس وقال له:-

  المرض تمكن من الجسد تماماً.

سقطت دمعة ساخنة بللت قربان "الحمل" الذي يعده ليمثل جسد المسيح الذي يتناول منه المصلون فتغفر خطاياهم ... تناول الكأس وسكب فيها من عصير الكرمة بمقدار ثم أخذ يكمل صلاته ... أعداد المصلين تتزايد في الخارج و(خورس) الشمامسة أكتمل والكل تهيئ لسماع عظته التي ينتظرها الكثيرون. بعد أن انتهى من عظته التي كانت تتكلم عن مراحم الله ومدي تسامحه مع خطايا البشر الكثيرة دخل إلى الهيكل وبينما هو يرفع قلبه مصلياً بحرارة لم يسبق أن صلى بمثلها من قبل فج نور عظيم عمر الهيكل فأنبلج النور عن ملاك عظيم أخذ يرفرف على يمين المذبح فما أن رآه الكاهن أضطرب ووقع في قلبه خوف عظيم شعر به الملاك فبادره:-
  لا تخف ... لا تخف إن الله سمع صوت تضرعك وإن الأمر سوف يحل قربياً ويكون لك فرح وابتهاج وسيفرح بك ولك كثيرون.

  وكيف أعلم هذا وأنا شيخ وأخشى الموت قبل أن أنال الصفح والغفران فذنبي أعظم من أن يغتفر
  غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله.
  ذنبي عظيم فأنا لم أقم بربط العروسين ولم اتل عليهما الصلاة الروحية لحلول الروح القدس لذا فالزواج باطل .
  أنا (ميخائيل) المسبح في حضرة الله العظيم وقد أرسلني لك لأبشرك بهذا وها أنت تكون أبكم وأعمى حتى يكون اليوم الذي يكون لك فيه هذا .

صوته انقطع ... تأخر في الرد على الخورس ... تعجب الشعب ومعهم الشمامسة ومعلم الكنيسة الذي لم يجد مخرجاً من هذا المأزق سوى أن يرفع صوته ببعض الإلحان التي يحفظها ... طالت غيبة الكاهن داخل الهيكل ،وأفلس "المعلم" بعد أن فرغ من جميع الألحان التي كان يحفظها. ران الصمت على الكنيسة كلها ... لكن الشعب خلع رداء الدهشة التي كست وجهة لفترة ليست بالقليلة بعد أن رأى الكاهن يخرج من الهيكل متثاقلاً ... يرفع قدم عن الأخرى بصعوبة شديدة حتى وصل إلى اقرب أريكة وألقى بجسده الضخم عليها ... أنقذ الموقف أحد الكهنة الضيوف الذي جاء قاصداً "أبونا" في خدمة شخصية له وأكمل صلاة القداس بدلاً منه ... بعد القداس علم الجميع ما حدث مع "أبونا" وأنه أصيب بالعمي والبكم حتى يأذن الله بأمر كان مفعولا.ً حمله معلم الكنيسة والكاهن الضيف وبعض الشمامسة الذين تبرعوا بتوصيل "أبونا" إلى منزله وبعد أن وصلوا إلى المنزل وضعوه على سريره ثم تركوه يستريح قليلاً.بمجرد أن تمدد على السرير عاد سرب الحمام الأبيض يخرج من بين فخذيه صوب السماء مباشرة –ورغم ضياع نور عينيه مازال يتابع بناظريه طيران السرب بشكله المنتظم ومازالت الدهشة تتملكه عندما يجد حمامة سوداء تنشق عن مسار السرب ثم تتجه نحو الشمس تثقبها وتخرج من الناحية الأخرى ثم تهوى في مياه المحيط .في ظهيرة أحد الأيام وبينما هو يجلس كعادته منذ أن زاره الملاك على الأريكة -المغطاة بسجادة قديمة – التى تملأ فم الباب الخارجي لمنزله بضخامة جسدها دخل عليه ابنه الأوسط الذي لم يشأ أن يخبر والده بخبر رسوبه للعام الثالث على التوالي في الثانوية العامة حتى لا يزيد كربه ويدخله في محنة أخرى إلى جانب محنه الكثيرة .... غير من عادات جلوسه فأصبح لا يبرح حجرته مطلقاً واعتزل العالم والناس ولا يخرج منها مطلقاً إلا لقضاء حاجته فقط حتى الطعام والدواء الذي كتبه له أحد أطباء القلب مؤخراً كانت تدخل بهما إليه زوجته في أوقات محددة وغير ذلك لم يكن يفعل شيئاً . في مساء أحد الأيام وبينما هو نائم إذا بملاك الرب يأتيه مرة أخرى بنوره العظيم فهب فزعاً حيث بادره الملاك:-
 حان الوقت .... الآن .

قالها ورحل عنه تاركاً إياه في بحر الحيرة الذي أخذ يلقيه من موجة إلى موجة ،عندما فتحت عليه زوجته الباب لتدخل له طعام العشاء والدواء المفروض أن يتناوله بعد الطعام ... رآها .. فقد انفتحت عينيه مرة أخرى على الدنيا وسمعها أيضاً وهي تحثه على ضرورة أن يأكل جيداً حتى يؤدى الدواء الغرض المرجو منه في تحسن صحته ... فرحت زوجته كثيراً وقامت بالنداء على جميع الأولاد حتى يفرحوا معها بهذا الخبر الجميل، هرول جميع الأبناء وكانت في مقدمتهم الابنة الكبرى بأولادها الخمسة والتفوا جميعاً حول السرير وأخذ يسلم عليهم واحداً واحداً ثم قال لهم:-
  قد أكُمل ..

قالها ثم أسبل عينيه التي ذهب نورها للمرة الثانية والأخيرة ، فلم يعد سرب الحمام الأبيض يخرج من بين فخذيه ولم يعد يتابعه بناظريه ولم يعد يرى تلك الحمامة السوداء التي كانت تنشق عن مسار السرب ثم تتجه صوب الشمس مباشرة تثقبها ثم تهوى في مياه المحيط.

من مذكــرات طفـل مهـزوم

الساعة تقترب من الثانية عشرة من منتصف الليلة الأخيرة من شهر ديسمبر البارد ... المكان طرف بعيد جداً من المدينة المترامية الأطراف وصوت أجراس الكنيسة يكاد يصل إلى أذن طفل يحتل هذا المكان بجسده الضئيل يشاكس (راكية) النار التي تبعثر رمادها في وجهه الذابل ... يحاول النفخ فيها عله يعيد لها الحياة أو تعيد له بعضاً الدفء الذي فقده منذ زمن.ينظر بعيداً يتأمل وجه المدينة الشاحب الذي تكسوه سحابة ضبابية تماماً وتلقى باقي ظلالها الرمادية على باقي جسد المدينة الواهن من بيوت متناثرة على أطرافه ... الضوء الشاحب المشبع بدخان (الراكية) الذي كاد أن يختنق من موت النار في (الراكية) يكاد يصل إلى عينيه يحاول بصعوبة كبيرة أن يبعث داخله ببعض الأمل الذي طار منه في إحدى ليالي ديسمبر الأولى ... بشر كثيرون ... جيش كبير مدجج بالسلاح يشرخ جدار الليل ... قهقهات وقرقعات وأصوات مبهمة لا تجد أذنه أدنى ألفه لها أو يجد عقله مفاتيح لحل رموزها ... يركلون أباه ويتبادلون لكمه بينهم وسط بريق غريب يملأ أعينهم ... ساحة المعركة انتقلت من جسد أبيه الهزيل إلى جسد أمه البض وجسد أخته البكر ... ابتسامة رائعة كانت تمرح على شفاه أخته قتلتها نزوة أحدهم في غفلة ...

النار تزداد موتاً يحاول بطرف فستان زفاف أخته -الذي لم تلبسه بعد ويصطحبه معه في كل مكان- أن يعيد بعض الحياة للنار التي ستذهب إلى العدم ... لم تفلح محاولاته ... ماتت النار أخيراً ... أخذ نفساً عميقاً من الهواء المدنس بزفير المدججين بالسلاح... ضرب بكفه الصغير قلب النار عله ينبض مرة أخرى بعد موات مؤقت لكنه أعادها بسرعة مرة أخرى بعض أن طبعت إحدى الجمرات قبل موتها النهائي قبلة ساخنة على أطراف أصابعه الرقيقة ... من بعيد وفي ضوء أخر عمود إنارة يرقد على فوهة القرية لاح له شبحاً ضخماً فقفزت على شفتيه ابتسامة واسعة أراحت القلب من ركضاته السريعة النابضة بالخوف والوجع ... الشبح يقترب منه أكثر وأكثر ... كل يوم كان أخوه يأتي له بالحلوى التي يعشقها لا يعرف لماذا لم يعد يشترى له الحلوى منذ أن زارهم هؤلاء المدججين بالسلاح؟!! .. كان يذهب معه إلى المدرسة حيث كان يكبره بعدة أعوام وعند العودة يشتري له كل ما يريد ويتمني .عندما كانت تحدث مشكلة – ونادراً ما كانت تحدث بينهما كانوا يقولون له في كل مرة أنه الأكبر ويجب عليه طاعته واحترامه مثلما يطيع ويحترم أبيه ... لم يعد يذهب للمدرسة كما أنه لم يعد يرى أخيه الذي اصطحبوه معهم هؤلاء المدججين بالسلاح عندما اعترض عليهم بشدة على ما فعلوه بهم جميعاً... لمحة من حياة ولت برقت في ذهنه مع بعض ذكريات تمني أن تعود... لم يمل من نفخ النار علها تنبض بالحياة مرة أخرى لكنها لا تستجيب لمحاولاته المتكررة لكن مع أخر محاولة مجهدة لإعادة النار إلى ما كانت عليه شعر بتيار بارد من الهواء يصطدم بوجهه ... تعجب لاستجابة النار لهذا التيار المنعش... رفع رأسه وجده أمامه بزيه الأحمر المعتاد وغطاء رأسه الجميل الطويل .لحيته البيضاء وشاربه الكث الأبيض يعكسان ضوءاً مبهجاً على وجهه المبتسم ... يلقى خلف ظهره "بُقجة" هداياه الرائعة ... ابتسم له فكشف من بين شعر الشارب واللحية عن صفين من الأسنان اللامعة ... مد الشيخ يده إلى وجهه ليسمح دموعه التي طفرت رغما عنه قال له بصوت حنون لم يعد يسمع مثله :

  أعلم أنك تنتظر أخاك الكبير بعد ضياع الجميع .. أصبر فإن أخاك رهن قضية لا ذنب له فيها ولكنها قضيته وقضيتك أنت أيضاً أيها البريء .انتقض الشيخ فجأة وعاد يقول وهو يلوح بيده تجاه الأرض البراح أمامه :-

  وقضية كل إنسان في هذه الأرض المنكسرة الذي فُض غشاء بكارتها قهراً ....
نظر إليه الطفل بفرح وهتف قائلاً:-
  أنت ... أخيراً جئت لي ... كثيراً ما تمنيت أن أراك وأن أقابلك ... فكثيراً ما شوقتني إليك جدتي العجوز وهي تحكي لي حكاياتها الجميلة عنك وعن عطاياك الإلهية وعن الناس والأرض والأعداء و....و....
  وأين جدتك الآن ؟

  حقيقي لا تعلم أنت أين جدتي الآن ؟ وأن كنت لا تعلم فكيف علمت بغياب أخي وضياع الجميع؟!!

  يا أبني أنا سجل حي ينبض بالوجود لكل طفل في هذه الأرض المنكسرة... أمسح الدمعة... وأرسم البسمة التائهة في ثنايا نجمة داود التي تكاد تخنق بسداسيتها المقيتة الجميع في هذه الأرض المقدسة .
ابتسم الطفل وأخذت الكلمات تندفع من بين شفتيه الجافتين :-
  لقد ذهبت جدتي إلى الملائكة والأبرار ... رغم أنها ذهبت دون أرادتها وإرادتي أنا أيضاً.

ضحك الشيخ وأرسل إلى الطفل حروفه الناعمة :-
  طالما أنها عند الملائكة والأبرار فلا تخف عليها إذن ولاتحزن أيضاً.
بعدها سحب الشيخ دفتراًُ أبيض وقلماً أبيض وقال للطفل :-
  الآن .. قل لي ما تريد أن تحكيه للتاريخ وأنا أسجله لك ... فأنا أفعل ذلك مع كل طفل أقابله في مثل هذه المناسبة من كل عام .
لم يتردد الطفل لحظة فانفتحت فوهة فمه وانطلقت الكلمات بلا قيود حكى له عن بقع الدم الحمراء التي رآها تلطخ فستان زفاف أخته وعندما وجد جحوظ عينيه من فرط الدهشة سحب الفستان من مكمنه أسفل مقعدته وأراه البقع الكثيرة التي غيرت مع فعل الزمن وجه الفستان الباسم. كذلك حكى له عن أخيه وأحلامه العريضة التي رحلت عن مخدعه برحيله مع هؤلاء المدججين، وعن جدته الغالية التي كانت تجلس معه على عتبة الدار الخارجية تحكي له عن جده وشجاعته في مواجهة الباطل / الغاشم/ المغتصب قبل أن يخطفها الموت عنوة ،وعن أمه التي أصابها العمى بمجرد أن ألقى أحدهم بحيواناته المدنسة في جوفها الطاهر وما لبثت أن لحقت بجدته، وعن أبيه الذي لم يجد أحدهم شيئاً يشبع فيه رغبته الشاذة سواه فأستسلم له بوداعه غريبة ،وبعد أن رحلوا علق نفسه على أحد أفرع الشجرة التي زرعها ذات صباح لتظلل عليهم وتحميهم من المختبئ لهم في نية الزمن الغادرة ... ابتسم ثم حكى له عنه وعن زملائه الأطفال الذين كانوا يرشقون بالحجارة وجه الحقيقة المزيف حتى يدمى، وحكى له أيضاً عن زميلته "راندا" التي رحلت مع أهلها هرباً من الأرض الشراقى والأغلال الحديدية التي تزينت بها أيدي الجميع دون استثناء ... توقف الطفل ونظر إلى الشيخ الذي ابتلت لحيته البيضاء بالدموع حتى فاضت عنها وأخذت تتساقط بغزارة على صفحات دفتره الأبيض ... بعد أن انتهى الشيخ من تسجيل كل شئ طوى دفتره المبلل ثم دفع إلى الطفل بكره حديدية وقال له:

  هذه هي هديتي لك هذا العام فاحتفظ بها علها تنفعك يوماً ... بعدها هب الشيخ واقفاً وعندما أدار ظهره للطفل انطفأت النار تماماً وهمدت حتى من دخانها .في هذا الوقت تماماً خرج المصلون من الكنيسة يدشنهم صوت أذان الفجر القادم من مئذنة أحد المساجد القريبة ... اتجهوا جميعاً صوب الطفل مباشرة وأحاطوا به فيما يشبه الدائرة واحتلفوا معه بميلاد فجر العام الجديد بينما هو راح يلقي بالكرة الحديدية في الهواء إلى أعلى ثم يتلقفها بيديه التي لم تعد رقيقة بعد.

قــال العـــراف

قال العراف :-
  هناك "شخصة" ما تحبك جداً جداً ...!!
انطلقت قذائف العراف من فوهة فمه إلى قلبي مباشرة وقبل أن ترحل الدهشة عن عيني وترتعش شفتاي بكلمات الاستغراب عاجلني :-
  هذا الكلام ليس من عندي بل من عند الله.
لم يترك لي الفرصة لكي أفكر من تكون هذه "الشخصة" !!! أو حتى أحاول أن أجد أي منطق طبيعي لكلامه بل تتابعت قذائفه المحددة الهدف بدقة وعاد يقول:-

  إن هذا "الشخصة" جميلة وثرية وفوق كل هذا فهي مرتبطة بشخص آخر، هذا الارتباط تحديداً خطوبة فقط وليس زواجاً ... فأرجو أن تبتعد عنها لأن الشيطان سوف يتدخل فليته يتدخل بعيداً عنك.
ضربات العراف المتلاحقة تواكبت مع ضربات قلبي الذي كاد أن يتوقف ... حاولت بحركة لا إرادية أن أخبئ خاتم الزواج من يدي ... عاد العراف إلى فتح فوهة مدفعه صوب قلبي مباشرة:-
  كذلك هناك "إنسانة" بمعنى الكلمة غالية عليك جداً وتحبك جداً وتنام معك على سرير واحد ... وترتع بحريتك في مراعيها الخضراء.
بهدوء شديد سحبت خاتم الزواج من يدي ودسسته في جيب سترتي وقلت له :-
  لكني غير متزوج.
  ومن قال لك أنني قلت أنك متزوج ؟
  إذا كان الأمر هكذا ... فمن تكون تلك الإنسانة التي تنام معي في سرير واحد وارتع في مراعيها الخضراء؟!!
لم يرد ولكنه رمقني بنظرة غريبة كادت أن تشرخ روحي وقال بحده لم أعهدها فيه من قبل :-

  سوف نرفع قلبينا بالصلاة والله سوف يكشف لنا الأمر.
صديقي "رفيق" كان يبدل نظرات الحيرة والتيه بيننا ويحاول قدر استطاعته تجنب ذلك العراف الذي لم يكن يطلق البخور أو يطلق لحيته للأيام والزمن أو حتى كان يطفئ الأنوار ويتفوه بكلمات غير مفهومة ... كذلك لم يكن هذا العراف يتحسس مناطق حساسة من جسدك أو حتى يقوم بعمل الاحجبة أو التعاويذ كل ما كان يفعله أنه عندما تقصده في أمر ما ... يرحب بك في منزله العامر بأحدث الأجهزة الكهربائية والإليكترونية ويضع يده على فمك طالباً منك عدم التفوه بأي كلمة ثم يغمض عينيه ويطلق العنان لسيل من الكلمات تقذفها أمواج بحر فمه الهادر ... تحاول كثيراً أن تلاحق هذه الأمواج أو تقاومها أو تستبين الكلمات المنتقاة بعناية شديدة من قاموس غريب على أذنك وحياتك فلا تصل إليك سوى (الله ... ربنا ... تحت الدم .... ابنك ... بين يديك ... الآن ... ضع يدك عليه يا رب .... احضنه يا رب ... تحت الدم .... تحت الدم)

تخرق الكلمات أذني بقوة . أحاول جاهداً معرفة السر وراء هذه الصلاة العجيبة التي يطلقها هذا العراف ... لكني لا أصل إلى شئ ...بعد أن فتح عينيه ورآني بوضوح أخذ يحكي لي كل شئ في حياتي...رغم أنه أول مرة يراني فيها وجهاً لوجه... الشيء الغريب حقاً هو أن كل الكلام الذي قاله صحيح مائة في المائة وحدث في حياتي تماماً ...توقفت كثيراً عند موضوع "الشخصه" المخطوبة الجميلة الغنية والتي تحبني جداً جداً ...حاولت أن أعرف منه تفاصيل أكثر تعينني على معرفة من تكون هذه المزعومة؟ لم يعطني إجابة شافية أو أي دليل يساعدني في الوصول إليها لكنه عاد يقول في حزم نهائي:-

 هناك "شخصة" ما تحبك جداً جداً وهذا الكلام ليس من عندي بل من عند الله.
دارت بي الحجرة ولم أدر بنفسي ...بعد أن أودعت بعض الجنيهات في يد ابنته الصغيرة "مريم" خرجت من عنده مهرولا لا أعرف لقدمي طريق ولا وجهة معينة لي ؟ ولا أعرف هل خرج معي صديقي "رفيق" أم تركته فريسة أخرى يلتهمها ذلك العراف بصلواته الغربية؟ في المساء لم أشأ أن أخبر زوجتي بما حدث حتى لا أفسد قلبها الناعم والذي يحبني بقوة ستة عشرة عاماً مضت... أخذت استعرض كل البنات التي مرت على في حياتي كلها سواء هؤلاء اللاتي يحطن بي في العمل أو بنات جيراننا أو أي بنت كنت قد قابلتها في أي مكان ودار بيننا حديث ومازال حديثها عالقاً بأهداب عقلي ... وأخذت تتوالى على هذه البنات في صور متتابعة ومتلاحقة حتى اللاتي لم يتوفر فيهن شروط العراف الثلاث (خطوبة – جمال – ثراء ) لم اهتد إلى شئ أو أرسى على بر أمان أو حتى التقطت خيطاً ولو دقيقاً أسير عليه حتى أثبت صحة أو كذب ما قاله لي العراف. توالت الأيام وتعاقبت معها الشهور وفي كل مرة أذهب فيها إلى العراف يؤكد لي نفس الكلام بل وبنفس الألفاظ دون أن يغير أو يبدل شيء فيها ... لم أشأ أن أسير وراء أوهام رجل لا يعرف ما يقول وقررت أن أنسى الأمر برمته وأنتبه لحياتي وأحوالي حتى كان صباح حين هلت علىّ بوجهها البشوش وبسمتها الناعمة وتلقفت يدي في حنان غير معهود حتى كادت تضمها بين كفيها وترفعها إلى صدرها الرجراج وقالت لي في دلال غريب:

  صباح الخير يا أستاذ موسى .

سحبت يدي بسرعة وخرجت مهرولاً حتى وصلت إلى الكنيسة الوحيدة الموجودة في القرية ... دخلت ولم أشأ أن أسمع تحذيرات الكاهن بضرورة خلع حذائي لأن الأرض التي أقف عليها مقدسة ... بل هرعت إلى الهيكل وتمددت على المذبح المقدس حتى تراءت لي فصائل وكتائب كثيرة من الملائكة كانت تهل علىّ من كل صوب وحدب وهي ترفرف فوق جسدي الممدد على المذبح المقدس ورائحة بخور عنيفة تملأ أنفي بقوة وكلمات ترانيم ترتخي على ألحانها جفوني وتتراقص على نغماتها أذني حتى جاء ملاكان فحملاني إلى أعلى ... إلى أعلى حتى أصطدم جسدي ببطن القبة الوحيدة للكنيسة من الداخل فهوى جسدي بشدة وعندما فتحت عيناي وجدتني في ملابس العرس وهي في ملابس زفافها الجميلة والكاهن الذي كان يحذرني من مغبة الدخول إلى الهيكل المقدس بالحذاء يقبض على كفينا ويتمتم بكلمات غريبة لا أفهمها ووجوه كثيرة أعرفها جيداً تملأ صحن الكنيسة .. بحثت عن وجه العراف بين كل هذه الوجوه ولكني لم أره مطلقاً ...

قلت لها وأنا أدعك كفها البض بأصابعي الغليظة:-
  صباح الخير يا أبله .
سرت رعشة في جسدها وسحبت يدها برفق بعد أن علا وجهها الارتباك ورمقتني بنظرات ذات مغزى وراحت تسأل كل من يقابلها عن الشيء الغريب الذي أصابني لكنها لم تجد أي جواب ينقذها من وحش الحيرة الذي افترسها بلا رحمة .

حكايـات بدريــة

ككل البنات هي ... تحلم ... تهيم ... تعشق ...حين ترى جسدها الممتلئ ونهديها الجميلين يدخلك إحساساً ما بأنك يوماً سوف تمتلكه أو تمتلكها ... حين تجلس معك وتحكي لك لا تستطيع أن تنزل بصرك عن عينيها المكحلتين بالوجود كله ... تحكي لك عن أخيها "حسن" وحبيبها "خيري" وصديقها "سيد محمد أحمد" وزميلها في بنك الدم "حسن رفاعي" ...

تحكي لك عن البنطلون الأبيض وغرفة العمليات في مستشفى مطاي المركزي وعن جرح المريض الذي ينزف . حين تنتهي من حكاياتها لا تجد لك سوى باب صغير مفتوحاً على مصراعيه في أقصى عينها اليمين وعند محاولتك العبور منه تمنعك وتذكرك بأخر حكاياتها عندما تحطم قلبها للمرة الألف عندما قال لها خيري :-

- إنك أجمل مما أتصور ولكني لا أستطيع أن أسعدك أو أتقدم لك لأني في بداية حياتي كما تعلمين فأرحلي حيث توجد سعادتك وتنالي مكانتك .
تبكي على صدرك وقتها لا تجد ما تفعله سوى أن تضع يدك على خدك وتحاول أن تمنع أخر دمعة ساخنة تحاول الهروب من مقلتيك وتحاول أن تساعد نفسك على الانتظار حتى يحين موعد مجيئها الثاني لكي تحكي لك عن متاعب ملائكة الرحمة.


مشاركة منتدى

  • حقيقى متشوق جدا إنى أقرى جميع قصصك المشوقه والتى تمثل بتشبيهات لم أسمع بها من قبل و غير معتاد على سماعها-أتمنى أن تعتبرنى اخ كريم عزيز يتمنى ان تراسله وان تتعرف به,انا فى ال 29 من عمرى أحب الفن والكتابة والأن قد كونت فريق"ع المكشوف",قد يكون عملنا ليس دقيقا وذلك بسبب الإمكانيات غير المتوفره , لقد قرأت كثيرا عن السينايوهات والإخراج و تعلمت المونتاج و الأن اعمل مع الفريق بالسيناريو والمونتاج و الإخراج و أتمنى ان أسمع أرائك حول ما نعمل به و تفيدنى بقدر كرمك وعذوبة كتاباتك,شكرا لك كثيرا و اتمنى ان تعطينى فرصه فى التواصل إليك أ. موسى إيميلى هو super_4_11@yahoo.com

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى