الأحد ٦ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٠
بقلم عاطف أحمد الدرابسة

ما أضيقَ المسافةَ بين الولادةِ والموت!

قلتُ لها:
أسيرُ بقلبٍ مهجورٍ
وسطَ الزِّحامِ
أحملُ الخريفَ
على كاهلِ العمرِ
عارياً
من كلِّ أوراقِ الحياةِ ..
أُحسُّ أنِّي أُغادرُ عقلي
وأحملُ في روحي
شجرةَ أحلامي
وأُودِّع آخرَ ابتسامةٍ
سقطت من وجهي
واستقرَّت وراءَ الأبوابِ
كطفلٍ لقيط ..
تعالي يا حبيبةُ
نشربُ كأسَ الفقرِ
كأسَ الجوعِ
قبل أن أتركَ آخرَ أيَّامي
أمانةً
في صندوقِ ذاكرتِكِ ..
هذه زهرةُ روحي
مرميَّةٌ
في طريقِ الرِّيحِ
لعلَّ الرِّيحَ تحملُ عطرَها
بعد موتي إليكِ ..

يا حبيبتي:
سأتركُ آثارَ أقدامي هناك:
على سواحلٍ
بلا بحرٍ
في جوفِ أوديةٍ
بلا ماءٍ
بين حقولٍ
بلا زرعٍ
بين بساتينَ
بلا أشجار ..

يا حبيبةُ:
سأتركُ حرفي
أمانةً في صدركِ
ليُصغِي جيَّداً
إلى نبضاتِ قلبكِ
سيحاولُ أن يفهمَ
ما يقولُه النَّبضُ
للدمِ
أو ما تُسِرُّهُ الأحلامُ
إليكِ ..
إن ضاقت عليكِ الدٍّروبُ
إن حاصركِ الزَّمنُ الرَّديءُ
إن جارَ عليكِ الحبُّ
أخرجيه من صدركِ
كأنَّه أمواجٌ
تهدرُ في الرُّوحِ ..
سيأخذكِ من بينِ عيونِهم
ويرحلُ بكِ
إلى الماضي الجميلِ
حين كنَّا نمشي
على سواحلِ اللَّيلِ
ويدي تُخاصركِ
ويدكِ تُخاصرني
ونميل
حيث يميلُ ماءُ البحرِ
ونرقصُ على إيقاعِ الموجِ
ونحلمُ بكوخٍ بريٍّ
وشجرتينِ مأوىً للعصافيرِ
وليلٍ لا يُسلِّمُ روحَهُ
إلَّا لنا ..

يا حبيبةُ:
تعالي نمشي بتثاقُلٍ
كالشَّمسِ
وهي تعبرُ آخرَ ممرٍّ للأصيل
هناكَ في غرفةِ الشَّمسِ
نغفو على ارتجافةِ عناقٍ طويل
كأنَّنا جسدينِ بجسدٍ
كأنَّنا وطنٌ للعاشقينَ
كأننا ملاذٌ للمهاجرينَ
كأنَّنا آخرُ أحلامِ الفقراءِ
وآخرُ حريَّةٍ
لصوتٍ المقهورينَ ..
تعالي أضمُّكِ
كوردةٍ حمراءَ
أو صفراءَ
أو خضراءَ
فيغمرُني أريجكِ
كأنَّه الخمرُ المُعتَّقُ
في الجِرار ..
تعالي أضمُّكِ
كما الأُمُّ
حين تحتضنُ طفلَها الأوَّلِ
فيُصغي لنبضِ القلبِ
بخشوع
وينامُ
ينامُ
ينامُ
ثمَّ حين يستفيقُ
يصرخُ صرخةَ الرَّفضِ
صرخةَ الألمِ
صرخةَ الجوع
وحين يحاولُ الرُّجوع
يخرجُ صوتٌ من أعماقِه

يقولُ:
ليتني ما غادرتُ بطنَ أُمي
ليتني ما خرجتُ
إلى هذهِ الحياة!

هامش:

قالت له:
لِمَ نُولدُ؟

قال لها:
لنموت!
ما أضيقَ المسافةَ يا حبيبة
ُبين الولادةِ والموت!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى