الأحد ٢٤ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢١
بقلم محمد زكريا توفيق

مدام بوفاري لجوستاف فلوبير (2)

تبدأ الرواية بطفولة تشارلز بوفاري. فهو منبوذ في مدرسته الجديدة، يتعثر في الدراسة، لا تكف الأطفال عن مضايقته والسخرية منه. عندما يكبر، نجده بليدا يفتقر إلى الموهبة كطبيب.

هو الآن طبيب فقير لا ينال الاعجاب من أقرانه. والدته لا تزال تسيطر على حياته، وهي المرجع الأخير لأهم قراراته. دفعته لدراسة الطب دون رغبته، وأقنعته بالزواج من أرملة ثرية دون إرادته. الأرملة تموت بعد الزفاف مباشرة، تاركة لتشارلز قليلا من المال على غير المتوقع.

بعد وقت قصير، يقع تشارلز في حب إيمّا، ابنة أحد مرضاه. يطلبها للزواج من أبيها. وينتقل العروسان إلى توتس، لكي يبدأ تشارلز في ممارسة مهنته، ولكن بدخل متواضع.

سرعان ما تصاب إيمّا بخيبة أمل كبيرة في زواجها وحياتها الجديدة. فهي حياة ريفية فاترة مملة، لا تشبع رغباتها الرومانسية، ولا تحقق آمالها وما تبغيه من رفاهية.

بعد حضور إيمّا وتشارلز حفل أقامته طبقة النبلاء، تملكت إيمّا فكرة التمرد على حياتها البسيطة، وسيطر عليها هاجس العيش في ثياب الأثرياء.

في نهاية المطاف، أوصلتها هذه الأفكار وتلك التطلعات إلى حالة مرضية واكتئاب شديد. أثناء فترة اكتئابها تصبح حاملا، فيقرر تشارلز الانتقال إلى قرية جديدة، على أمل تحسين صحة إيمّا، وتحقيق مستقبل أفضل لها ولابنتهما.

ينقل تشارلز عمله إلى يون. هناك يتعرف هو وإيمّا على هوميس الصيدلي، المحتد برأيه، والذي يعتبر نفسه خبيرًا في جميع الموضوعات. ثم يلتقيا ب ليون، الذي يعمل كاتبا في مكتب محاماة، ويمل الحياة الريفية.

تجد إيمّا العديد من الأفكار والطموحات المشتركة مع ليون، مما شجع على قيام علاقة بينهما في نهاية المطاف. تلد إيمّا ابنتها بيرث في يون، فتصاب بخيبة أمل، لأنها كانت تتوقع ولدا. فيزداد حزنها وكآبتها.

خلال هذا الوقت تتطور مشاعر رومانسية بين إيمّا وليون، ولكن بمجرد أن تعرف إيمّا حقيقة مشاعره، ينتابها شعور قوي بالذنب وتأنيب الضمير. ولكي تتغلب على هذه الهواجس، تكرس نفسها وكل وقتها لزوجها وابنتها.

يراقب ليون جهود إيمّا في الابتعاد عنه، فيظن أن حبه لها غير متبادل. لذلك يترك البلد إلى باريس لدراسة القانون. بعد رحيله، يعود الاكتئاب إلى إيمّا مرة أخرى ولكن بصورة أشد.

بعد فترة وجيزة من ابتعاد ليون عن إيمّا، يذهب تشارلز وإيمّا إلى معرض زراعيِ. هناك يقابلان رودولف، وهو جار ثري، يبدي حبه لإيمّا بهدف إغوائها والإيقاع بها. يبدأ الاثنان علاقة غرامية غير شرعية. خلالها، لا تكترث إيمّا كثيرا بسلوكها، ولا يهمها بيتها وسمعتها.

حتى الآن، لم يشك زوجها في سلوكها. بل كان يعتقد أن زوجته تخلص له وتحبه حبا جما، في حين أنها كانت تشمئز من عدم نجاحه وتخجل من فقره وانتمائه الطبقي البرجوازي.

في محاولة لتعزيز سمعته المهنية، يجري تشارلز، بتشجيع من الصيدلي هوميس، جراحة تجريبية لعلاج قدم أحد المرضى.

باركت إيمّا هذه الخطوة وهي تظن أنها ستؤدي إلى شهرة تشارلز، مما يتيح لها حياة أكثر إشراقا وفخامة. لكن العلاج كان للأسف كارثيا. أدى إلى غرغرينا واستدعاء طبيب آخر لبتر ساق المريض.

التخبط وإخفاقات تشارلز المستمرة وعدم تفوقه في مهنته، ساعد على تعلق إيمّا ب رودولف، مما جعلها تقترض كثيرا من المال لشراء ملابس فاخرة لنفسها وهدايا باهظة لعشيقها.

في النهاية، تقرر إيمّا الهرب من بيتها، وبداية حياة جديدة مع رودولف. لكن رودولف لم يكن في الواقع مخلصا في علاقته ب إيمّا. إنه يستخدمها ويتمسك بها للترفيه ويعتبرها مجرد صيد أو فريسة يلهو بها.

في رسالة سلمت في اليوم المحدد لهربها، قال انه يرفض الهرب وينهي العلاقة بينهما. تفجع وينفطر قلبها، فقد كانت تظن أنه يحبها حقا. تمرض بشكل رهيب وتهرب بالكاد من الموت.

عندما يحاول تشارلز زوجها علاجها من مرضها الغامض وسداد ديونها، يقع في ورطة مالية. وبالرغم من نفقات السفر، أخذ تشارلز إيمّا لمشاهدة أوبرا في مدينة روان المجاورة. معتقدا أن الرحلة سوف تحسن صحتها وترفع معنوياتها. بينما هما في روان، يقابلان ليون، العاشق السابق ل إيما.

سرعان ما تعود المشاعر الرومانسية القديمة بين إيمّا وليون، بعد تجربتها المريرة مع رودولف. تحت ستار أخذ دروس في آلة البيانو، تسافر إيمّا مرارا وتكرارا إلى روان لمقابلة ليون سرا.

في نفس الوقت، تزداد ديونها من مقرض المال ليروا، لكنها تتمادى في عدم اكتراثها بسلوكها وحرصها على سمعتها، إلى درجة أنها كانت على وشك انفضاح أمرها عدة مرات.

بسرعة تمل إيمّا عشيقها ليون، بعد أن وجدته قد فشل في دراسته في كلية الحقوق، ويخشى من إظهار حبه لها خوفا على وظيفته المتواضعة. فتتزايد مطالبها وتتراكم ديونها. يحصل المقرض ميروا، مقتنص الفرص، على أمر بالحجز على ممتلكاتها. تصاب بالرعب من احتمال اكتشاف زوجها أمرها، فتصبح كالمحمومة.

هي الآن تناشد أي شخص تعرفه للحصول على قرض جديد حتى تنقذ بيتها من البيع بالمزاد العني. تطلب ذلك من ليون، ومن رودولف، ومن المقرض ليروا. هي الآن مستعدة لبيع جسدها في سبيل الحصول على المال. لكن ليون فقير مثلها، ورودولف يرفض مساعدتها، وليروا ينصحها بممارسة الدعارة للحصول على المال.

ينتاب إيما شعور بالخزي والعار. وتدرك الآن نتيجة سلوكها واستهتارها. فلا تجد أي مخرج سوى الهرب وترك هذا العالم. تنتحر عن طريق تناول الزرنيخ، وتموت موتاً مؤلما.

في البداية، يحزن تشارلز زوجها لموتها وهو يعتقد أنها كانت زوجة مثالية. لكنه يكتشف فيما بعد، رسائلها وهداياها من رودولف وليون، فيتأكد أخيرا من خيانتها.

بعد صدمته في إيمّا، بات تشارلز محطما منطويا على نفسه، فقيرا بائسا يائسا، يتجنب بقية الناس. ثم يفارق الحياة وحده في حديقته، بعد أزمة قلبية لم يتحملها قلبه الحزين. ابنتهما الوحيدة بيرث، التي أصبحت الآن يتيمة الأبوين، تذهب للعمل في محلج للقطن.

ملاحظات على الرواية:

رواية مدام بوفاري، تبين سعي المرأة العقيم للحرية والاستقلال. يذكّر فلوبير، مؤلف الرواية، القارئ بأن المرأة في وقته كانت تجد نفسها من خلال نظرة الرجال لها وتعاملهم معها. المرأة قدراتها محدودة وخياراتها تكاد تكون معدومة. فهي لا تستطيع العيش بشكل مستقل، وغير قادرة على تحقيق مصالحها الخاصة وحدها مثل الرجل.

إيمّا تتمرد على حياتها وتبغي تغييرها لجعلها أكثر إثارة وبهجة ورومانسية. لقد أصيبت بخيبة أمل كبيرة في زوجها، وعانت من فقره وعدم طموحه. وفجعت أكثر في عشاقها. أحدهما، ليون، صورة أخرى من زوجها في الفقر والفشل وعدم الطموح.

أما الثري رودولف، فلم يكن يحبها حقا، ولم يرها سوى عاهرة وفريسة تشبع شهواته الجنسية. لذلك نجدها في بيتها، تقضي جل وقتها ساهمة تنظر إلى الخارج من النافذة. تسرح كأنها مجرد متفرج، تعيش خارج حياتها.

منذ طفولتها، وهي تحلم بالرومانسية، والحب المثالي الذي من شأنه أن يعطيها البهجة والسعادة. من الواضح أن هذه السعادة لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الرجال.

في نهاية الرواية، عندما بلغت إيمّا الحالة الأكثر بؤسا ويأسا، وقبل انتحارها مباشرة، قالت إنها ستلجأ للرجل للحصول على المساعدة، لكنها لم تجدها. وعندما عرضت جسدها للبيع لسداد ديونها، لم تجد من يشتري.

أمل إيمّا بوفاري في أن تلد طفلا، لا طفلة، يدل على أن المرأة دائماً تكبت ولا تتحقق إرادتها. وهي ليست سوى واحدة من الحالات العديدة في الرواية التي يُظهر فيها فلوبير فهماً عميقا لمحنة النساء في عصره.

كما أننا نرى، بين أحداث الرواية، تأثير معارف إيمّا الذكور عليها. فهم وحدهم يملكون القدرة على التحكم وتغيير حياتها للأفضل أو للأسوأ. وهي قوة تفتقدها هي نفسها.

حتى تشارلز زوجها، يساهم أيضا في عجزها. عدم طموحه ورضاه يمنعانه من أن يكون طبيبا مرموقا. وعدم كفاءته يعوقه ويمنعه من الانتقال إلى طبقة اجتماعية أعلى.

نتيجة لذلك، وجدت إيمّا نفسها فقيرة في بلدة ريفية صغيرة. لكن رودولف، الثري، فهو الذي يملك القوة المالية لتحقيق آمالها.

ليون في البداية يبدو مشابها لإيمّا. كلاهما مستاء من الحياة الريفية، وكلاهما يحلم بأشياء أكبر وأفضل. لكن ليون رجل، لديه القدرة على تحقيق حلمه في الانتقال إلى المدينة. في حين إيمّا يجب أن تبقى رهينة لمحبسين، أو سجينة في سجن مزدوج، مكبلة بأغلال الزوجية والأطفال.

البنية الأخلاقية للرواية تتطلب تحمل إيمّا مسؤولية أفعالها. لا يمكنها إلقاء اللوم كلية على الرجال حولها. لقد اختارت بكامل حريتها أن تكون غير وفية لتشارلز رغم حبه لها، وهو خيار جرحه جرحا قاتلا في النهاية.

الخياران الوحيدان المتاحان ل إيمّا هما: التمرد وممارسة الحب والعشق كما تريد، وهذا ما فعلته، أو البقاء مخلصة في حياة ضحلة وزواج ممل وتربية طفلة كانت تريدها ولدا. بعد زواجها من تشارلز، اختارت الطريق الأول، وهو وسيلتها للتحرر من عبودية الرجل والمجتمع، وخيارها الوحيد للتحكم في مصيرها وتحقيق آمالها.

بينما لدي الرجل الثروة والسلطة للتحكم في مصيره، نجد أن العملة الوحيدة التي تمتلكها المرأة إيمّا هو جسدها، وهو شكل من أشكال العملات التي يجب تداولها سرا في السوق السوداء، والمصحوبة بالعار والاحتقار من المجتمع.

عندما تتوسل إيمّا يائسة للرجل لإنقاذها من محنتها، يطلب منها بيع نفسها. حتى انتحارها، كان من خلال صفقة ممولة من عرض جسدها. حتى يُسمح لها بالوصول إلى مكان سم الزرنيخ القاتل.

ترجع مأساة إيمّا لحد كبير إلى عدم رضاها عن عالم البرجوازية الفرنسية. في الوقت الذي كان فيه فلوبير يكتب هذه الرواية، كانت كلمة "برجوازي" تشير إلى الطبقة الوسطى: وهي طبقة الناس الذين يفتقرون إلى الثروة المستقلة، ولا ينتسبون إلى طبقة النبلاء. وأعمالهم لا تتطلب منهم القيام بمجهود عضلي لكسب أرزاقهم، أي أنهم يختلفون عن العمال والفلاحين.

أحلام هذه الطبقة، محكومة بإمكانياتها. يظهر هذا من اشمئزاز إيمّا بوفاري من طبقتها البرجوازية. وهي وسيلة فلوبير لنقل كراهيته الخاصة لهذه الطبقة.

فيلم مدام بوفاري، نسخة حديثة:

https://www.youtube.com/watch?v=SbTB9AILOkw

ميا واسيكوفاسكا (استرالية) في دور إيمّا بوفاري

عزرا ميللر(أمريكي) في دور ليون العشيق

صوفيا بارثيس المخرجة فرنسية المولد


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى