السبت ٥ آذار (مارس) ٢٠٢٢

مرايا ربيع مضى-نص مفتوح

سامي الكيلاني

(1)

أشجار اكتست خضرة واستكفت وألقت ظلالها على الرصيف باكتمال،
وأشجار اكتست ولم تكتفِ وتنادي هل من مزيد،
وأشجار لم يغادرها العري إلا قليلاً ولم يتعبها الانتظار، لا يتسرب إلى قلبها اليأس، تعزي النفس بالأمل وبقدوم أيام تكتسي فيها، تنتظر ولا يزعجها أن تكون آخر المكتسين،
وظلّي على الطريق غامقاً واضحاً كأنه يحفر الطريق،
أغني معه "حفرت خيالي الشمس ع المفرق" يا وديع الصافي ويا فيروز،

"رفّ الحساسين اللي أجا تفرّق"،

والطائر الذي أردت تسجيل تغريده طار وغادر دون أن يمنحني فرصة في تحقيق ما أردته،

سامحته، شكرته على كل ما أعطى، وشكرته على ما سيعطي لأنه صادق الوعد جزيل العطاء.

(2)

أنا وحفيدتي في الغابة، نستريح على جذع هوى واستراح،

مستريحان ينشدان الراحة من مستريح

قمنا لنعزف على جسر خشبي فوق الماء بعصيٍّ التقطناها من أرض الغابة،

نطرق على الجسر الخشبي المخصص للمارة مع إشارة تمنع السيارات بطيئاً، 1، 2، 3، ثم سريعاً 123، ونكرر اللحن ونضحك، أضحك بصوت طفولي يتناغم مع صوت الحفيدة.

يبتسم زوجان مسنان ماران لنا ويحييان بيد مقبوضة الأصابع ومرفوعة الإبهام إعجاباً.
تأتيني فيروز تغني،

يا جسراً خشبياً يسبح فوق النهر،
ويا جسر الأحزان أنا سميتك جسر العودة.
يا فيروز: لم يعد الجسر خشبياً،

ولم يعد يسبح فوق النهر، النهر جفت المياه في مجراه، سرقت مياهه،

والعودة ما زالت حلماً،

ومن صلبوا كل نبي ما زالوا يصلبون شعبي،

ولكن الحلم لم يمت، لن يموت.

نتوقف عن العزف، تعبنا، ونعود مستريحان ينشدان الراحة من مستريح.

(3)

أن تمشي ساعة في الصباح وقد تزيد مثلها بعد الظهر، أفضل وسيلة للخروج من ضيق ضائقة الكورونا، ويمكنك العودة بحصاد من الصور والملاحظات. بعض الأشجار تزهر قبل أن تورق، أهي إرادة البقاء؟ فالزهرة هي التي تأتي بالبذرة والبذرة هي طريق البقاء. صديقتي الصفصافة تنتصب بكبرياء من غير أنانية في ساحة المدرسة الابتدائية، إلاّ إنها حزينة، تفتقد مثلك الأطفال ولا يهدأ لها بال وهي ترى الساحة مقفرة من ضجيجهم وألعابهم. الصفصافة الصديقة تحاملت على حزنها ولم تتأخر عن موعد مضروب لترخي جدائلها، جدائل تزداد خضرة وتحمل بروزات صغيرة كنت تعتقد أنها الأوراق، ولكن عند الاقتراب منها تبينتها عناقيد أزهار متناهية الصغر، صغيرة، ولكنها أكبر من الأوراق التي بدأت تخرج من أكمامها إلى جانبها. بدأت تظهر عليها علامات اخضرار، تستعد لتعود إلى عزّها بأغصان متهدلة تزدان بذوائب خضراء ناصعة تتراقص بنسائم الربيع.

سترقص جدائلها مع النسائم فرحة بعودتهم ليلعبوا حولها في الصباح وفي استراحاتهم خلال اليوم الدراسي.

سامي الكيلاني

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى