الثلاثاء ١ شباط (فبراير) ٢٠٠٥
قصة قصيرة
بقلم سلمان ناطور

مطار

كان خانقا في الطريق الى المطار.

عرجت السيارة من الشارع الساحلي الى مداخل المطار الجاثم على أراضي قرية الخيرية الممسوحة عن وجه الأرض.
عن بعيد تتراءى مئذنة جامع الرملة كأنها تتحدى برج المطار.
عند المدخل، وقف شرطي وجنديان وكثيرون من حرس الحدود، الاشارة الاولى الى أنك ستأتي الى مغامرة المغادرة.

يقرأ الشرطي اسمك في بطاقة الهوية أو جواز السفر، تتغير وتتبدل ارتسامات وجهه ويبدأ التحقيق الأولي. اذا حالفك الحظ، ألف حظ، يكتفي الشرطي بتوجيه الأسئلة ؛ من أين والى أين؟
لماذا؟
كيف؟
أين حقائبك؟
أما اذا كان الحظ في رحلة أو عطلة فستضطر الى حل دواليب السيارة وخلع مقاعدها ليتأكد الرجل أنك تستطيع أن تطأ أرض المطار، دون أن تهدد سلامة أحد، وأنك لن تدخل الى الطائرة الا وقد انهارت أعصابك تماما، فتلقي بجسدك المنهك على المقعد ولا تحرك ساكنا، وتنتظر المضيفة لتأتي و"تبل ريقك" بعصير أو بجرعة ماء.

وطأت قدماي أرض المطار بسلام.
حومت طائرة في السماء وانطلقت أخرى.
هدير وجلبة وبناية كبيرة تبدو وكأنها الحد الفاصل بينك وبين الفضاء، أوبين الوطن وخارجه، لكن أروع ما في هذه البناية هو البوابة الزجاجية التي تفتحها وتغلقها عين ألكترونية. لا تسألك من أنت ولا يهمها انتماؤك أو جنسيتك. تقترب منها فتفتح، تعبر وتبتعد فتغلق، ووجدتني في تلك اللحظة أداعب هذه البوابة كطفل صغير، أدخل ثم أخرج، ثم أدخل وأخرج، وهي تفتح وتغلق، وأتمنى لو أن كل الحدود تشبه هذه البوابة الانسانية.

راحيلي

استقبلتني فتاة جميلة وأخذت مني جواز السفر، فور دخولي الى القاعة التي غصت بالمسافرين.
وقف أمامي أكثر من عشرة مسافرين، بينهم رجل أسود بدا في الثلاثينات من عمره ولبس بدلة سوداء وربطة عنق وظهرت على وجهه وفي نظراته علامات التوتر والارتباك، لكنه انتظر بصمت الى أن طلبت منه الموظفة جواز السفر. وضع حقائبه على طاولة التفتيش، وصارت تسأله وهو يجيب. طلبت منه أن يغلق حقائبه ويرافقها.
اختفى.
جاء دور امرأة في الثلاثينات أيضا، شقراء. قبل أن تفتح حقائبها طلبت منها موظفة أخرى الوقوف جانبا وبدأت تستجوبها باللغة الانجليزية وهي تجيب بلهجة فرنسية. حاولت أن أسترق السمع لأفهم عما يدور التحقيق معها، ففهمت أنها من لجنة تضامن مع الفلسطينيين وأنها حضرت في الجليل مؤتمرا نسائيا من أجل السلام الاسرائيلي الفلسطيني. أثار فضول الموظفة هذا "السلام الاسرائيلي الفلسطيني" فظلت تسأل والفرنسية تجيب باسهاب وبراءة وسذاجة كأنها تتحدث أمام نساء الانتفاضة أو في مؤتمر صحفي.
عندما حان دوري، طلبت مني فتاة في العشرين من عمرها جواز السفر والتذكرة.
قلت في نفسي: "ان شاء الله تمر على خير، فأنا لست قادما من مؤتمر ولا ذاهبا الى آخر ولا أحترف هذا السلام الموهوم".

كانت الفتاه لطيفة وجميلة جدا. خطر ببالي أن أسألها لماذا لا تعمل مضيفة بدل هذا العمل، ولكنني عدلت.. وطلبت مني أن أفتح حقائبي، ففتحت. وسألتني الى أين انا مسافر، فأجبت، وان كنت آخر من أغلق الحقائب، فقلت: نعم، واذا سلمني أحد رسالة، فقلت: لا.

كان يبدو لي أن كل شيء يسير على ما يرام، حتى أنني شعرت للوهلة الأولى بارتياح من أسئلتها وتفتيشها للحقائب حرصا على سلامتي في الجو، ولكن عندما طلبت مني الانتظار دقيقة واحدة، كما وعدت، بدأت الأمور تتخربط وصرت أعد من واحد الى عشرة ومن عشرة الى واحد كي لا "أعصب" ويحدث ما لا تحمد عقباه. الدقيقة استمرت عشر دقائق، في خلالها بحثت عن المرأة الفرنسية، فاختفت، وعبر أكثر من سبعة مسافرين دون أن تفتش حقائبهم، وتسلموا بطاقات الصعود الى الطائرة، وغابوا. بقيت أنتظر، وعندما عادت الي الفتاة رافقها شاب وفتاة أخرى . بدأ الشاب يوجه الأسئلة نفسها، وفتحت الحقائب، وسألني ان كنت أحمل الرسائل وقلت: لا، وان كنت آخر من أغلق الحقائب، فقلت: نعم، وكان معي كيس من الزعتر وآخر من القهوة المطحونة التي انبعثت منها رائحة الهيل وقنينة عرق رام الله، كان حملني اياها صديق لأخيه في باريس، فقال الشاب: اغلق وانتظر دقيقة. انتظرت أكثر من عشر دقائق، فعادت الفتاة وقالت لى وقد ارتسم على وجهها خجل غلب عليه الارتباك: متأسفة على التأخر، احمل حقائبك وتعال معي.
رافقت الفتاة وأنا أجر عربة عليها حقائبي. حاولت أن أبدد الشعور الذي انتابني وكانني مجرم يقودونه الى السجن أو الى محاكمة كفكائية، فسألت الفتاة :
- "ما اسمك؟"
- "راحيلي"
- "يا راحيلي، ماذا تفعلون بمواطن مثلي؟ لماذا كل هذا ؟ "
- "لأجل سلامتك".
- ضحكت ويبدو أنها انتبهت الى سخافة جوابها فابتسمت وقالت :
"هذه أوامر".
- قلت : "لا أرغب في الانتحار بتفجير الطائرة التي سأركبها، ثم انني رأيت على الأقل سبعة مسافرين عبروا دون أي تفتيش، ألأنهم يهود وأنا لست منكم؟"
- فقالت مرة أخرى : "هذه تعليمات وأوامر. أنا متأسفة ".

زلبطة

قادتني راحيلي الى غرفة وطلبت أن أنتظر. نظرت حولي واذا بالشاب الأسود ينتظر مثلي، واذا بالمرأة الفرنسية تنتظر أيضا وكانت حقائبها مفتوحة وأشياؤها منثورة على الطاولة ومن حولهما أكثر من خمسة شبان وفتيات يحملون أجهزة لا سلكية وهم في هرج ومرج، ولم تطلب مني راحيلي أن أفتح حقائبي، فقد قامت هي بفتحها وأفرغت كل محتوياتها من ملابس. شعرت بحرج شرقي عندما تناولت ملابسي الداخلية وفردتها قطعة قطعة وتحسست بأناملها مواقع على الملابس، قلما تحسس "عالمكشوف". تظاهرت باللامبالاة، وكي لا أقف أمامها كالأهبل، قلت لها:

"هل تعتقدين أني خبأت في كلسوني ما يهدد أمن الدولة؟"
قطبت جبينها ونظرت الي بغضب ثم واصلت التفتيش الدقيق، وعندما أفرغت الحقيبة ناولتها لزميلة لها مع علبة من معجون الأسنان. غابت زميلتها وعادت بعد خمس دقائق وبدأت تعيد الملابس الى الحقيبة، ولما حان دور الزعتر والقهوة وعرق رام الله، نادت على شاب انتهى لتوه من تفتيش الشاب الأسود، وتناولت جهازا مررته على أشيائي المنثورة وعندما فتحت كيس القهوة فاحت رائحة الهيل فعبأت رئتيها وقالت :ما أطيب هذه الرائحة. ثم فاحت رائحة الزعتر فعبأت أنا رئتي وقلت لها:
- "هذا زعتر."
- قالت: "أعرف".
- وأرادت أن تفتح قنينة العرق، فقلت لها:
- "كيف ساضعها مفتوحة في الحقيبة؟"
- وبدأ التحقيق حول هذه القنينة المصنوعة في رام الله ؛ كيف وصلت الى يدي؟ قلت:
- "اشتريتها من حيفا، هذا العرق يباع في كل مكان".

ناولت القنينة لزميلتها ولم يعد أمامها ما تفتشه، ومع ذلك بقيت أنتظر.
بين الحين والآخر كنت أنظر الى الساعة. بقي على موعد اقلاع الطائرة أقل من نصف ساعة. كنت معجبا بأعصابي الباردة كالثلج، مع أنني خشيت أن أفقد فرصة التزود بالسجائر من "الفري شوب"، ولكنني كنت على يقين بأن الطائرة لن تقلع بدوني، وحين رأيت راحيلي تعيد أشيائي الى الحقيبة، تنفست الصعداء. قلت لنفسي: الحمد لله، لقد مرت على خير.
لحظة الصعداء هذه، لم تدم طويلا.

تقدم مني الشاب الذي كان يفتش الرجل الأسود وأمرني بمرافقته. سرت خلفه واذا به يقودني الى غرفة صغيرة، فيها كرسي وأجهزة. وأمرني أن أخلع قميصي، بعد أن أفرغ كل ما في جيوبي، وأن أرفع يدي كمن وقع أسيرا في أيدي العدو. نفذت الأوامر بحذافيرها وحمل هو جهازا وصار يمرره على كل أنحاء جسدي، من قمة رأسي حتى الأسفل، وعندما قرب جهازه من"المنطقة المحرّمة" أخذ يصفر، فانفجرت ضاحكا، وهو نظر الي وسألني بغضب: ما الذي يضحكك؟ قلت وأنا أقهقه، والكلمات تتقطع على شفتي :

"هل..يج..جو..ز أنه.."

ولم أتوقف عن الضحك. كنت مندهشا لأن جهازه الألكتروني يصفر في هذه المنطقة بالذات والتي على حد معرفتي خالية من كل سلاح أو مواد معدنية أو تفجيرية قد تشكل خطرا على أمن دولة اسرائيل. ضحك هو وكان شيئا جميلا أن ترى رجل أمن يضحك. وأمرني بأن أخلع بنطلوني وحذائي، ففعلت، ولما مرر جهازه ثانية لم يصفر. شعرت بارتياح. تبين بعد الفحص أن زر البنطلون الحديدي هو الذي طير صواب الجهاز الألكتروني وليس شيء آخر من لحمي وعظمي. ثم حمل الرجل حذائي وقال لي: البس ثيابك. وغاب معهما. تناسيت في تلك اللحظة كل اهانات التفتيش والتشليح وأحسست بشيء من السعادة لأن رجل أمن يحمل حذائيّ ويعيدهما الي ليضعهما تحت قدمي، كانت لحظة شعرت فيها أنني سيد وهو العبد.

عندما عدت الى حقائبي، كانت راحيلي في انتظاري والى جانبها زميلتها وعلى طاولة أخرى حقيبة مفتوحة والى جانبها امرأة فلسطينية تبدو في الستينات من عمرها، وفتاة مثل راحيلي تسألها":فين بيروخ" وسألت المرأة :

- "شو يعني فين بيروخ ؟"
- قلت لها :
"يا حجه، يعني وين رايحه ؟"
وأردت أن أبقى مع الحجه لأترجم لها، لكن راحيلي قالت:
- "بعد خمس دقائق ستقلع الطائرة".
- قلت لها:
"يا راحيلي، الآن أنت مستعجلة؟"
- قالت:
"انا آخذ حقائبك وسأرافقك الى الطائرة."
- قلت لها:
"هل هذا لطف منك أم أنه خوف على الأمن؟"
- أجابت:
"الاثنان معا، سفرة ممتعة."

بعد هاتين الساعتين، كيف لا تكون السفرة ممتعة؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى