السبت ١٩ شباط (فبراير) ٢٠٢٢
بقلم رامز محيي الدين علي

مطارحاتٌ في فضاءِ الفكْر

حينَما تتصارعُ الأضدادُ في ذاتِ الإنسانِ، ويتأمَّلُ الحياةَ بعينِ العقلِ، فلا يرى تفسيراً منطقيّاً لما يعتمِلُ في كيانِها من صراعٍ بين وجوهِها الجميلةِ وبراقعِها القبيحةِ الّتي تُواري ما فيها من جمالٍ، فلا يلوحُ في الأفقِ القريبِ ولا البعيدِ حلٌّ لهذا الصِّراعِ المتجذِّرِ منذُ بدايةِ التَّكوينِ، وإنَّما نَرى أنَّ الحياةَ كلَّما تطوَّرتْ، وكلّما ارتَقى الإنسانُ بعلومِه واختراعاتِه واكتشافاتِه، كلَّما زادَ شقاؤُه وبؤسُه وضياعُه وغربتُه، وحينذاكَ يبحثُ المفكِّرُ عن حلٍّ لهذا الصِّراعِ، فلا يجدُ أمامَه من وسيلةٍ تخفِّفُ وطأةَ هذه التَّناقضاتِ على الإنسانيَّةِ بأسرِها، وهي تعيشُ في قلقٍ ودوَّامةٍ من اليأسِ إزاءَ الهوَّةِ الشَّاسعةِ ما بين ثنائيّاتِ هذا الصّراعِ، إلّا بتأجيجِ الصِّراعِ بينَه وبين الكلماتِ، لعلّها تنطقُ بما يجلُو الحقائقَ، ولعلَّها تبوحُ بما لا تستطيعُ البوحَ به النَّفسُ إلّا في بيانِ حقائقِ هذا الصِّراعِ الّذي لا تحمِلُ اللُّغةُ وِزْراً منه، وإنّما تتّجهُ أصابعُ الاتّهامِ إلى الإنسانِ ذاتِه، هذا المخلوقِ الّذي حباهُ اللهُ كلَّ النِّعمِ، لكنّه تحوَّلَ من آدميٍّ إلى وحشٍ لا يُبالي بآلامِ الآخرينَ ولا بهمومِ الإنسانيّةِ الّتي باتتْ على شَفَا حُفرةٍ من النَّارِ، وهو يسعَى لامتلاكِ القوَّةِ والمالِ في سبيلِ إشباعِ نهمِه في السَّيطرةِ والتَّجبُّرِ على الحياةِ وكلِّ كائناتِها، دونَ ورعٍ ولا خشيةٍ من السَّماءِ ولا ربِّ السّماءِ، ودون تقديرٍ لسوءِ المصيرِ في جهنَّمَ بالرّغمِ من أنّهُ يرتَدي ثوبَ الخشوعِ، ويلتَحي بلِحىْ الشَّرائعِ السّماويّةِ!

وفي خِضمِّ هذا التَّشاؤمِ والصّراعِ مع الحياةِ، لم أرَ من كائنٍ يمتلكُ القدرةَ على توضيحِ تلكَ التَّناقضاتِ، إلّا الكلماتِ الّتي تمثِّلُ طرَفيّ النَّقيضِ، فوجَّهتُ سهامَ نقْدي وشكِّي إلى مفرداتِ اللُّغةِ عسَاها تجدُ حلّاً، أو تنتبِذُ ركناً قصيَّاً من حياةِ الأممِ، وها أنا أحاورُ تلكَ الكلماتِ وأُنْطقُها، لعلَّها تبوحُ بما يريحُ النَّفسَ ويَشفي الغليلَ ويُرضي الضَّميرَ!
ومن هذهِ الثُّنائيَّات اللُّغويَّةِ المتناقضةِ التي سأتناولُها بحِواري في هذهِ المقالة: (الغِنى والفقْرُ - الجمالُ والقبحُ - الخيرُ والشَّرُّ - الكِبرُ والتَّواضعُ - العلمُ والجهلُ - الحقدُ والتَّسامحُ - الحربُ والسِّلمُ - الكفرُ والإيمانُ - الحياةُ والفناءُ - السَّعادةُ والشَّقاءُ - الأملُ واليأسُ - القوَّةُ والضَّعفُ - الحبُّ والكرهُ - الإيثارُ والاستئثارُ - الشَّرفُ والوضاعةُ - اليقينُ والشَّكُّ - الوطنُ والغربةُ - النَّعيمُ والجحيمُ - الحرّيَّةُ والعبوديَّةُ - العدلُ والظلمُ - الشَّجاعةُ والجبنُ - الوفاءُ والخيانةُ - النَّباهةُ والبلاهةُ - الصِّدقُ والكذبُ - الأمانةُ والغشُّ - الجوهرُ والمظهرُ - القناعةُ والطَّمعُ.. وغيرُها). وربَّما أتناولُ كلَّ واحدةٍ على حدةٍ، وربَّما أجمعُ في مقالةٍ واحدةٍ بينَ النَّقيضينِ حسْبَ ما تفيضُ به قريحتِي من إبداعٍ أدبيٍّ وفكريٍّ.
الغِنَى

أيُّها الغِنَى لمَ أغدقْتَ نعمَك كلَّها على ثلَّةٍ من البشرِ طغَوا وبغَوا في الحياةِ، فشوَّهُوا جمالَها وهتَكُوا بتُولتَها، ودمّروا كلَّ ما فيها من قيمِ الجمالِ والحبِّ والخيرِ والعدالةِ والنَّزاهةِ و الصَّفاءِ والنَّقاءِ، فلوَّثوا السَّماءَ بدخانِ حقدِهم حُروباً، وهدَمُوا صروحَ هدايةِ الأنبياءِ تزويراً وتشويهاً، وسحقُوا تعاليمَ السَّماءِ بأنانيَّتِهم ووحشيَّتِهم، وأحرقُوا حضاراتِ الفكرِ؛ ليبنُوا أهراماتِ قذارتِهم على كوكبِنا الأرضيِّ؟؟!!

الغِنَى: أنا لستُ مالاً ولا كنوزاً؛ ليكتنِزَني هؤلاءِ المُجرمُون من طغاةِ أغنيائِكم كما تقولُ، فأنا لفظةٌ في المعجمِ أطلقْتُموها أنتمُ البشرُ على تلكَ الحالةِ من احتكارِ الأموالِ، ولو كانَ بمقْدُوري أنْ أغيِّرَ الحالَ، لغيَّرتُ حروفِي إلى كلمةٍ تنهالُ عليْهم ذمَّاً وهجاءً، فالمشكلةُ ليسَت في حروفِي، وإنَّما المصيبةُ الكُبرى في نفوسِ هؤلاءِ البشرِ الّذين دفعَهم جشعُهم إلى الاستغلالِ والاحتكارِ والاتِّجارِ بكلِّ ما حرَّمَ اللهُ، فآلتْ إليهمُ الثَّرواتُ بشتّى الوسائلِ الملتويةِ أو بالوراثةِ الّتي لا يعلمُ أحدٌ مصادرَ تكديسِها وتوريثِها!

العالمُ غنيٌّ بشتّى أنواعِ النِّعمِ والثَّرواتِ ما ظهرَ منْها وما بطنَ، ولكنَّ ثلَّةً من شياطينِ أناسِكُم سعَوا إلى ابتلاعِ كلِّ ما هبَّ ودبَّ، ولم يتركُوا لسِواهُم سِوى فُتاتِ تلكَ النِّعمِ، فأُتْخِمُوا بها، وزادَ نهمُهم إلى المزيدِ، لم يتركُوا تجارةً إلا اتَّجرُوا بها، ولم يدعُوا وسيلةً من وسائلِ الجِنيِ إلّا انتهكُوها، فبذلكَ حرمُوا الأغلبيَّةَ العُظمى من الخلقِ من لقمةِ العيشِ، واستعبَدُوا الإنسانيَّةَ، فماتَ الكثيرونَ جوعاً، لم يُراعُوا حُرمةَ شريعةٍ سماويَّةٍ ولا أرضيَّةٍ، أماتُوا النِّساءَ والأطفالَ والشُّيوخَ، وقهرُوا الرِّجالَ ذلّاً تحتَ وطأةِ رغيفِ الخبزِ!

وأغلبُ هؤلاءِ الأثرياءِ يكتَنزُون الأموالَ، ويدَّعونَ أنَّ اللهَ اصطفاهُم على العبادِ بمنحِهم تلكَ النِّعمَ، وتراهُم يتعبَّدُون هنيهةً في محاريبِ الشَّرائعِ، ولكنَّهم يسجدُون لثرواتِهم قي يقظتِهم وأحلامِهم، وحينَما تسألُهم: هل تتصدَّقُون بما أمرَكُم اللهُ بالإنفاقِ على الفقراءِ والمساكينِ، يقولُونَ: نعَم! لقد بنَيْنا معابدَ للعبادةِ، ونشرْنا الكتبَ المقدَّسةَ في كلِّ مكانٍ! وكأنَّهم يرشُون الإلهَ، وكأنّ الإلهَ لا يَرى من جميلِهم غيرَ المعابدِ ووُريقاتِ تلكَ الكتبِ وتفسيراتِها الّتي أنهكَتِ البشريَّةَ في تأويلِها، ولكنَّ اللهَ أمرَهم بالإنفاقِ على الفقراءِ والمحتاجينَ، قال تعَالى: (... أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ...). سورة البقرة: الآية 267.. وفي الحديثِ " مَن نفّسَ عن مؤمنٍ كُربةً من كُرَبِ الدُّنيا، نفَّسَ اللهُ عنهُ كربةً من كربِ يومِ القيامةِ، ومَن يَسَّرَ على مُعسِرٍ يسَّرَ اللهُ عليهِ في الدُّنيا والآخرةِ، ومَن سترَ مسلماً سترَهُ اللهُ في الدُّنيا والآخرةِ، واللهُ في عونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخيهِ".. ولكنّهم لا يُنفقُون إلّا ما يَفيضُ منْ فضلاتِ طعامِهم على الفقراءِ، حينَما نراهُم يُطعِمُون حيواناتِهم الأليفةَ شتَّى أنواعِ الطَّعامِ الفاخرِ، كما أنّهم يتزلَّفُون بعطائِهم الخسيسِ إمّا إرضاءً لأسيادِهم، أو إشباعاً لنَهمِ أحلامِهم إلى مجدٍ فرعونيٍّ يخلِّدُهمُ التّاريخُ في أهراماتٍ من الألماسِ والإبريزِ، أو سعياً وراءَ عباءةٍ منَ التّقوى مباهاةً ومحاباةً بأنَّهم أولياءُ اللهِ الصَّالحينَ!

إنّهم يغتنِمُون في الدّقيقةِ والثَّانيةِ والفيمتُو ثانيةِ، وهُم يطاردُون فقراءَ العالمِ في أحلامِ سباتِهم ويقظتِهم.. إنَّهم يسرقُون من الفقراءِ ثمنَ ذرَّاتِ الدَّقيقِ والماءِ والهواءِ والضَّوءِ والظَّلامِ والظِّلالِ، ويقبِضُون أجرةَ دورانِ الدَّورةِ الدَّمويَّةِ الصُّغْرى والكُبْرى في شرايينِهم، وحركةَ الأمعاءِ الغليظةِ والدَّقيقةِ في أحشائِهم، ويجمعُون أتاواتِ حركةِ أقدامِ الفقراءِ ما بينَ الخيمةِ والمعبدِ، ويجتثُّونَ من أنفاسِهم كلَّ فلسٍ يحلمُون به، وينتشِلُون من جيوبِهم رائحةَ الفلسِ لضمانِ صكوكِ الغفرانِ على بقائِهم أحياءً أو رحيلِهم أمواتاً، ويقاسمُون السَّماءَ في حركةِ أجرامِها، ويسترقُون السَّمعَ إلى الأجنَّةِ في أرحامِ نساءِ الفقراءِ حتَّى يحاسبُوهم لحظةَ الولادةِ إلى شقاءِ الحياةِ، فهلْ رجماءُ الشَّياطينِ أَولى بجهنَّمَ من أبالسةِ الأرضِ؟! وهل رجماءُ جهنَّمَ شياطينُ، وأبالسةُ الأرضِ ملائكةٌ؟ فلمَ لا ينزلُ رجماءُ جهنَّمَ إلى الأرضِ، ويصعدُ أبالسةُ الأرضِ إلى جهَّنمَ.. فربَّما تستقيمُ الحياةُ، فتتحوَّلُ جحيمُ الأرضِ إلى جنَّةٍ، وتظلُّ جهَّنمُ في السَّماءِ مستقرّاً لهؤلاءِ!

ولكننَّي أصارحُك أيُّها الفيلسوفُ الغِرُّ بمَا قد يغيبُ عن بالِ الكثيرينَ منكُم أنَّ معظمَ هؤلاءِ الحيتانِ الضّاريةِ ليسُوا سعداءَ، فهمْ أشقَى عبادِ اللهِ على وجهِ البسيطةِ، فلمْ يكنِ المالُ يوماً مصدراً للسَّعادةِ، وإنّما هو سلَّمٌ يرتقِي بهؤلاءِ درجةً درجةً إلى عالمِ البؤسِ والشَّقاءِ الرُّوحيِّ ابتداءً من الأرضِ ووصولاً إلى السَّماءِ، أمَّا فقراؤُكم بالرَّغمِ من شقائِهم الجسديِّ وحرمانِهم من أدنَى مقوِّماتِ الحياةِ، فهُم سعداءُ بالرُّوحِ والفكرِ، أمّا الّذينَ حُرمُوا كسرةَ الخبزِ رغمَ سعيِهم، فهُم ضحايا وحوشِكُم الآدميّينَ الّذينَ خلَت نفوسُهم من كلِّ مظاهرِ الرَّحمةِ، وهمْ في قرارةِ ذواتِهم لا يحملُون أدنَى إحساسٍ جميلٍ بالحياةِ؛ لأنّ اللهَ حرمَ أرواحَهم من كلِّ مقوِّماتِ الإنسانيَّةِ الصَّافيةِ، وإنّني نادمةٌ

 أنا الغِنَى- كإحْدى مفرداتِ اللُّغةِ أن تُطلقَ حروفُ لفظِي على قياصِرةِ المالِ والجاهِ؛ لأنّني بريئةٌ كلَّ البراءةِ من نهمِهم الوحشيِّ إلى المالِ والثَّروراتِ والقوَّةِ والسُّلطةِ والجبروتِ، ولكنْ يظلُّ الأملُ جنيناً في رحمِ السَّماءِ عسَى أن تَحبلَ الإنسانيَّةُ برجالٍ أتقياءَ يحملُون همومَ الإنسانيَّةِ في عقولِهم وأفئدتِهم، فيغيِّرونَ خارطةَ النُّفوسِ البشريَّةِ الشَّيطانيَّةِ، كمَا أرسلَ اللهُ قبلَهم أنبياءَ ورسلاً لهدايةِ البشريَّةِ، فاستقامَت أزماناً، ثمَّ انحرفَت عن تعاليمِ السَّماءِ أزماناً أخْرى، ولم يكنْ ذلكَ إلّا لأنّ بعضَ البشرِ شياطينُ في تكوينِهم وجبلَّتِهم، قد أفسدُوا في الأرضِ ونشرُوا الضَّلالَ واكتنَزُوا خيراتِ الأرضِ، ولكنّهم رغمَ ذلكَ لم يتَّعِظُوا، وهُم يرونَ طغاةَ أغنيائِهم يموتُون قهْراً وكمَداً أمامَ قدرةِ اللهِ وعزيمةِ النُّفوسِ العظيمةِ الّتي هيَّأَهَا اللهُ لكسْرِ جبروتِهم، كما فعلَ بفرعونَ وهامانَ وقارونَ وغيرِهم، والتّاريخُ مليءٌ بالعبرِ، لكنَّ اللهَ حرمَهم من نعمِ الاتِّعاظِ ومضَوا في بغيِهم وطمعِهم وجشعِهم، وقد توعَّدَهم اللهُ بجحيمٍ وعذابٍ أليمٍ، وإن كانُوا قد توهَّمُوا بأنَّ اللهَ خصَّهم بتلكَ النِّعمِ، فتعاليمُ اللهِ سبحانَه وتعالَى بريئةٌ ممَّا يدَّعُون وممَّا يتوهَّمُون!

أيَّتُها الكلمةُ البائسةُ! شكراً لموقفِكِ الطَّيِّبِ، لكنَّكِ وقعتِ في تناقضاتٍ، تارةً كنتِ ثائرةً تنطُقينَ بالحقائقِ براكينَ نارٍ.. وتارةً تبرِّدينَ مشاعرَنا بالمثاليَّاتِ، كما يفعلُ عبَّادُ الصَّوامعِ، شكراً لكِ.. فربَّما تَشْفي غليلِي الكلمةُ الّتي يحترقُ في ظلالِها ملايينُ البشرِ بمسمَّى الفُقراء!!!!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى