الخميس ٧ نيسان (أبريل) ٢٠٢٢
بقلم علي بدوان

معركة المتحف، مَفخرة العسكرية الفلسطينية

معركة المتحف، على الخط الفاصل بين بيروت الشرقية والغربية، وإن دامت تلك الملحمة لوقت قصير، لكنها كانت واحدة من أشرس المعارك التي خاضتها قوات فلسطينية مع قوات "إسرائيلية" عبر تاريخها المعاصر، وذلك أثناء حصار بيروت صيف العام 1982. وتحديدًا بين الكتيبة (412 مشاة مغاوير/صاعقة) التابعة لقوات حطين من جيش التحرير الفلسطيني ووحدات من قوات النخبة ولواء جولاني "الإسرائيل".

قاتلت قوات جيش التحرير الفلسطيني إلى جانب قوات الحركة الوطنية اللبنانية "القوات المشتركة" أثناء حصار بيروت صيف العام 1982، وأحكمت الطوق على القوى الانعزالية وقوى اليمين اللبناني وتحديدًا في مناطق خطوط التماس في بيروت. فقد كانت قوات حطين والقادسية التابعة لجيش التحرير قد انتشرت منذ العام 1978 على طول الخطوط الفاصلة بين بيروت الشرقية والغربية، ولم يتبق من قوات حطين في طرابلس شمال لبنان أي من وحداتها، فباتت كل قوات حطين والقادسية في بيروت، باستثناء فوج دبابات قوات حطين الذي توزعت سراياه في مناطق جبل لبنان في صوفر وحمانا وسوق الغرب، وباتت بناية منطقة الطريق الجديدة هي المقر العام لقوات جيش التحرير الفلسطيني في لبنان، وتحول لاحقاً الى قوات جديدة اطلق عليها مسمى (قوات أجنادين) والتي خدمت عسكريتي ضمنها في جبل الشيخ، بعد اجتياح العام 1982.

قدمت قوات القادسية وحطين أثناء ذلك عدة مئات من الشهداء من ضباط وضباط صف وجنود. وبقي الحال على ما هو عليه إلى حين الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان صيف العام 1982 حيث لعبت قوات حطين والقادسية الدور الأساسي والريادي في صمود بيروت، وسجلت المآثر الخالدة في تاريخ العسكرية الفلسطينية، حيث لم تستطع قوات الغزو "الإسرائيلي" أن تتقدم سنتمترا واحدا في مناطق تواجد قوات حطين والقادسية، فكان التقدم لمساحة أمتار يكلف "الإسرائيليين" ثمنًا غاليًا. وقد سجلت قوات حطين (الكتيبة 412) المعركة الكبرى/المفخرة، في منطقة المتحف في آب/أغسطس 1982، حين حاول "الإسرائيليون" التقدم لبضعة أمتار في محاولات عدة، ومحاولة القيام بخرق من جبهة بيروت الشرقية حيث قوى اليمين الفاشي المنضوية مع قوات الغزو باتجاه بيروت الغربية ومعاقل الوطنيين اللبنانيين والفلسطينيين واللواء السوري (85). وجرى وقف هجومهم هذا، وتدمير كل الدبابات والأسلحة التي تقدمت وبنجاح جيد جداً.

فأثناء الاجتياح أعيد تمركز القوات وأسندت إلى الكتيبة 412 (مغاوير/مشاة/صاعقة) من قوات حطين، محاور ساخنة بين الشرقية والغربية، وهي محاور : المتحف + سباق الخيل + السفارة الفرنسية + الطيونة + رأس النبع + فندق فينيسيا، حيث سطّرت هذه الكتيبة أروع البطولات أثناء الحصار.

كانت معركة المتحف، واحدة منها، ومفخرة العسكرية الفلسطينية، ولم تكن مشهدًا بطوليًّا في مواجهة الآلة العسكرية "الإسرائيلية"، منفصلًا عن مشــاهد معــركة حصــار بيروت وصمود مقاتلــيها وحصــارها ثلاثة أشهر، مع انقطاع الماء والكـهرباء والغـذاء والوقود عنها، وضربها بالطيران والبوارج والمدفــعية. لقد كانت بالفعل مفخرة العسكرية الفلسطينية، فقد وقعت على المعبر الذي كان يفصل شطري مدينة بيروت، صباح يوم الخامس آب/ أغسطس 1982، وجهًا لوجه بين قوات الغزو "الإسرائيلي" و(الكتيبة 412 مغاوير/مشاة/صاعقة) من قوات حطين/جيش التحرير الفلسطيني. وقد أسفرت تلك المعركة عن تم تدمير أكثر من 36 آلية "إسرائيلية" تدميرًا كاملًا ومقتل كامل أطقمها خلال دقائق فقط، ولم تفلح قوات الاحتلال في التقدم ولو سنتمتراً واحداً باتجاه بيروت الغربية واختراقها من بوابة المتحف. وقد اعترفت بمقتل 19 جنديًّا من جنودها. والطريف في الأمر أن مقاتلي قوات حطين وكذلك قوات القادسية، وجلهم من أبناء مخيم اليرموك ومخيمات سوريا، نزلوا إلى الشارع الرئيسي والشوارع الفرعية يلاحقون آليات نخبة القوات "الإسرائيلية" بالقواذف المضادة للدروع كقواذف الـ (بي سفن) إضافة لمعاجلتها بصواريخ (مالوتكا) من بين الأبنية، بعد أن كانت تحاول الفرار بعد فشل محاولة التقدم التي سبقها قصف مدفعي عنيف بمدافع الهاوزر لمواقع جيش التحرير في المنطقة وعلى عموم منطقة التماس حيث كانت تنتشر قوات حطين والقادسية. ويُشار في هذا الصدد إلى أن الدبابة "الإسرائيلية" الأولى التي دمرت أثناء محاولة التقدم عبر بوابة المتحف انفجرت بفعل صاروخ (مالوتكا) أطلقه أحد مقاتلي جيش التحرير الفلسطيني، فطار برج تلك الدبابة إلى الطابق الثامن من بناية عالية في جوار منطقة المتحف.

معركة المتحف سبقتها معركة موازية لها، خاضتها قوات عين جالوت التابعة لجيش التحرير ومعها بعض المجموعات من بعض المجموعات من القوات المشتركة في منطقة (مثلث خلدة) لأربعة أيام كاملة من 9ـ13/6/1982 والتي قادها العقيد الشهيد عبدالله صيام. فقد حاولت قوات الاحتلال في بدايتها وتحت القصف الثلاثي المركز، توجيه ضربة مباغتة بكتيبة مدرعة تتحرك وترمي من الحركة على جانبي الطريق بهدف إسكات وتدمير عقد الأسلحة المضادة للدروع التي زرعت في المنطقة وتمسكت بها. ولقد سقطت السرية الأولى من هذه الكتيبة التي دفعها العدو لاقتحام خلدة بسرعتها القصوى للوقوع في منطقة قتل حيث دمرت أغلب الدبابات, وتمكَنت القوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة من سحب عربة مدرعة "113ـ ام" "إسرائيلية" سليمة وأدخلتها إلى الضاحية الجنوبية من بيروت. وقد تكررت المحاولات "الإسرائيلية" لاقتحام خلدة بأساليب اخرى وبقصف تمهيدي أشد ضراوة وأكثر تركيزا وبمحاولة التقدم على عدة محاور متناسقة وباستخدام الإنزالات الجوية والإنزالات البحرية على الشاطئ المحاذي لخلدة عند مسبح "الفاميلي بيتش" ومع اشتداد ضراوة الهجوم "الإسرائيلي" اشتدت جسارة القوات المشتركة المدافعة عن خلدة, ووصل الأمر في كثير من الأحيان إلى خوض معارك قتال من المسافة صفر مع العدو الذي تكبد خلالها خسائر فادحة في قواته, كان لها أثر كبير.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى