الخميس ٥ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٦
بقلم الصديق ابريك سليمان بودوار

معصرة الزيت

أشرقت شمس الصباح..

بادرة.. مرتجفة.. تلتحف بغلالة رمادية من غيومٍ منذرةٍ بمطرٍ قريب وصقيعٍ أكثر قرباً:

- لا جديد تحت الشمس سوى المزيد من الكآبة والصقيع.. انظروا إلى هذه الكرة الملتهبة بالوهج.. إنها تجاهد بضراوة كي تمنحنا الدفء.. محاولة ساذجة دون شك فأم الجراد لم تعتد سوى البرد.

تمتم (حن شاد) بعباراته الساخطة، ثم قاوم بصعوبة بالغة رغبةً ملحَّةً في العودة للنوم، واللجوء لدفء الفراش وبعد دقائق كان الزقاق الترابي المألوف يبتلع خطواته الخاملة.

استقبلته معصرة الزيت..

وبادله رفاق العمل تحيةً مبتذلة لكثرة الاستعمال، ثم انهمك الجميع فيما اعتادوا، بلا رغبة في الحديث.. كانوا يسحقون حبَّات الزيتون اللامعة، فتسيل دماؤها الذهبية، وتتلألأ في جرار الفخار المكدسة بلا نظام، فيما كانت الأرواح الطاهرة للثمار المسحوقة تتجول بلا حساب في فضاء المعصرة؛ لتلامس أحاسيسهم المتجمدة القابعة في زوايا صدورهم، وعندما تفشل المحاولة كدأبها في كل مرَّة، يعود الصمت إلى سابق عهده، وتعود معصرة الزيت للعمل بكفاءة لا نظير لها.

يتحركون لأن طبيعتهم الإنسانية تصرخ في أعماقهم رافضةً الجمود الذي ينفثه الشتاء .. ومن صراخها الدؤوب تُولد الحركات الإرادية واللاإرادية .. تضخ الدماء الساخنة في العروق، فيظلون على قيد الحياة لأيامٍ إضافية لا يعرفون كم عددها.

يطردون البرد من الحركة، وحالما يتوقَّفون لمجرد التقاط الأنفاس، يعود إليهم البرد أكثر حدة وأشد إيلاماً .. ذلك اليوم نفذ مخزون الثمار، فتوقف العمل، واندلع الكلام في ألسنتهم .. تحدثوا بلا حدود .. (حن شاد) حدثهم عن أولى مغامراته النسائية، وعن آخرها أيضاً، دون أن يذكر الأسماء:

ـ صحيح إني لا أملك من ثروات الدنيا سوى هذا القلب، ولكنه يكفي .. إنه ينبض دون توقف .. يشتغل بهمة تفوق ما نشتغله جميعاً في هذه المعصرة .. حتى عندما نغرق في النوم يظل ساهراً كالحارس الأمين، ورغم ذلك لا يتوقف عن اقتراب الحُبِّ .. أليست هذه معجزة؟

أن تقودنا قطعة من اللحم تلوثها الدماء إلى موعد مع الحبيبة، وتجبرنا على تسلق الجدران، أو المخاطرة بأعمارنا، في سبيل نظرة ملؤها الغنج والدلال.

أليست معجزة أن نقع في الحُبِّ مائة مرة دون أن تسقط قلوبنا من الإجهاد؟

توقَّفَ ليلتقط أنفاسه، فتكلم الجميع في وقت واحد .. توزَّعوا في أركان المعصرة بلا ترتيب .. فتحوا أفواههم بلا ترتيب أيضاً:

ـ من العبث أن نتحدث عن النساء بينما يقتلنا الجوع.

ـ حدِّثنا عن عشيقتك الثامنة يا (حن شاد)

ـ عما قريب سأطلق زوجتي .. مطالبها لا تنتهي .. كل زيوت الدنيا لا تكفي لإشباع رغباتها.

ـ معي ثلاثة أرغفة، وقطعتان من الجبن .. سأقتسمها معك .. هيا لا تبتئس نحن أخوة.

ـ لا تنكر.. أمس ضبطتك متلبساً تملأ قارورة من إحدى الجِرار.

ـ سننتظر.. صاحب المعصرة، لن يبخل علينا بالأُجرة هذا اليوم.

ـ لن يفعل طالما نفذ مخزون الثمار.

ـ (أم الجراد) لم تعد تطعمني خبزاً.. سأطير إلى مكان آخر.

تناثرت كلماتهم وارتطمت بجرار الفخار الصامتة .. انكسرت وتفتت إلي عشرات الحروف .. عادت والتأمت من جديد .. دارت طويلاً في أرجاء المعصرة، ثم رجعت إلى صدورهم .. تماماً مثلما خرجت لأول مرة.. سكتوا وتربع الصمتُ مفترشاً جِرارَ الفخَّار المترعة بالزيت.. ومن جديد تطلعوا إلى (حن شاد):

ـ لماذا لا نوقد النار؟

لطمهم السؤال.. لكن (رضوان) أسرع بالرد:

ـ يبدو أن عقلك تجمد من البرد.. ألا تعلم أن إقاد النار محرَّم في المعصرة.. إنها مليئة بالزيت.

عاد (حن شاد) لإصراره:

- المعصرة مليئة بالزيت ونحن ملأى بالبرد.. لن نقترب من الجرار.. سنجمع الحطب ونتدفأ بناره لبعض الوقت.. ألا يقتلكم البرد؟

لطمة أخرى تحتاج إلى جواب.. اجتاحتهم نوبة مفاجئة من حماس افتقدوه طويلاً .. تفرقوا لجمع الحطب، ولم يمض الكثير من الوقت حتى كانوا يتحلقون حول النار الناشئة .. تتلوى ألسنتها أمام نواظرهم بغنج لا يقاوم .. راقبوها وهي تشتغل بلون أحمر وهَّاج، وبعد أن تدركها زرقة خفيفة تنبئ بالذبول، تندلع في أحشائها حياة جديدة، ويكسوها اصفرار مائل للحمرة، فتغدوا عند ذاك ناراً مضطربة تدفع بالدفء المريح في أرجاء المكان.

استولى الصمت على مقاليد الأمور..

لم يتمرد على سلطانه الراسخ سوى فحيح النار، وهي تمضغ بشراهة أعواد الحطب اليابسة، فتنكسر بصوت مسموع، معلنةًَ تلك النهاية المنطقية لعود حطب أعزل، أُلقي بلا أدنى شفقة في أتون نار ملتهبة.

غمرهم دفء لا يقاوم..

مدوا أيديهم المتشققة نحو النار.. انتشت أصابعهم بالوهج.. نقلت بأمانة نادرة إحساسها بالامتنان إلى أجسامهم المرتعشة بالبرد، فسرت في عروقهم موجة لذيذة من الخدر والسخونة المحببة.

انبسطت أساريرهم بنشوة اللحظة .. ودون أن يدري أحد كانت ألسنة النار المضطربة قد تسربت إلى صدورهم المهجورة .. كانت الأحاسيس التي قتلها البرد قد عادت إلى الحياة .. هم أيضاً عادوا إلى الكلام:

ـ لو يرانا صاحب المعصرة ونحن نقترف هذا الإثم.

ـ مر وقتٌ طويلٌ..

سكتَ (حن شاد)..

ابتلع جملاً عديدة كانت على طرف لسانه، وهو يتأمل بهلع ذلك العملاق الذي انعكست صورته القاتمة على الجدران.. تطاول حتى امتلأت به عيونهم.. وعندما ركع على ركبتيه العظيمتين؛ لينال نصيبه من الدفء.. صارت قلوبهم ترتعش كورقة في مهب الريح.. لم يكن بينهم.. فأكفهم كانت متلاصقة تحيط بألسنة النار وتهتز رغم ذلك بتأثير الرعب، الذي شلَّ تماماً قدرتهم على الاستيعاب، ولكن يديه الهائلتين كانتا تسبقهم، وكأنما تطلبان دفئاً يليق بهما :

ـ المزيد من الحطب.. المزيد من النار.. ما أشد صقيع معصرتكم هذه.

انفجر دويُّهُ المخيف بينهم، فأسرع بعضهم ينفِّذ الأمر، بينما تهاوى البعض الآخر فاقداً القدرة حتى على مجرد الحركة.

انتعشت النار، وصارت تزدرد عيدان الحطب اليابسة، بينما تعملقت ألسنتها حتى شَّوهت سقف المعصرة بلون أسود قاتم، فأسرعت العناكب في الزوايا الرطبة تلملم خيوطها الواهنة، وتطلب ملجأ أكثر أمناً.

انتشى المارد برائحة النار، وبفرقعة الأغصان الجافة تتكسر بصوت مسموع، وعكست الجدران صورته الغائبة الملامح، وهي تضطجع بامتداد المعصرة:

ـ هذا دفء يليق بالمردة.. هذه نشوة لا تكتمل إلا بالشراب.

تدافعوا نحو الباب المغلق، وهم يراقبون جرار الزيت ترتفع بإرادة لا يملكون لها تفسيراً، وتفرغ ما في جوفها في أحشاء مارد الظل .. كانت ترتطم بعد ذلك بالأرض .. تتفتت إلى عشرات القطع، ويندلق السائل الذهبي بلا حساب .. كانوا يتراكضون كفئران مذعورة، يصدم بعضهم بعضاً، بينما النيران الشرهة تلتهم كل ما تحتويه معصرة الزيت حتى إن عدداً قليلاً من أرواح الثمار المسحوقة استطاع النجاة.. أما المارد الغامض، فقد كان يغادر الجدران البائسة ويبذل مجهوداً خرافياً ليلحق بالركب الهارب مسترداً بذلك موقعه الأثير داخل صدورهم، راكضاً داخلهم إلي حيث يركضون


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى