الثلاثاء ١٠ آب (أغسطس) ٢٠٢١
دراسةٌ لديوان
بقلم حاتم جوعية

"منكِ الثرَى" للشَّاعر المرحوم الأستاذ مجيد حسيسي


ملاحظة: لقد كتبت هذه الدراسة النقدية المطولة قبل عدة سنوات وأعجبَ بها كثيرا شاعرُنا الكبير خالد الذكرالاستاذ مجيد حسيس لدرجة انه ذرف الدموع عندما قرأها - كما قال لي - لأن هذه أول دراسة تُكتبُ عنه وبأمانة ومصداقيَّة وهي الوحيدة حتى الآن. والآن يرحلُ عنا بشكلٍ مفاجىءٍ شاعرنا الشهم والأبي والعملاق صانع الرجال ومربي الأجيال إلى الأمجاد السماويّة وجنان الخلود تاركا ألما وحزنا عميقا بعد هذا الرحيل في نفوس ووجدان جميع الأقارب والأبناء والأصدقاء وكل من يعرفه، لأنه كان قدوةً ومثالا أعلى لمجتمعه ومنارة ونبراسا للأدب والفكر والثقافة. إن موته لخسارة كبيرة وفادحة لمجتمعنا بأسره.. وبرحيله تفقدُ الحركةُ الادبيةُ والثقافية ركنا هاما من أركانها وعلما من أعلامها الشاهقة. وأعيدُ الآن نشر هذه المقالة النقدية مرة أخرى تقديرا وإحتراما وإجلالا لهذا الشاعر العظيم والعملاق والإنسان الإنسان الذي بذل حياته كلها لأجل رسالة العلم والثقافة وتنوير الاجيال ولنشر الشعر والأدب الإبداعي الراقي والنير والخالد الذي شعبنا في الداخل بأمس الحاجة إليه كغذاء روحي ونفسي وفكري في زمن رديءٍ زُيِّفت الحقائقُ واختلطَ الحابلُ بالنابلِ وكثر فيه المتطفلون والدخيلون والنويقدون المستكتبون على ساحة الشعر والأدب والثقافة المحلية.

مقدِّمة ٌ: هذه دراسة ٌ موجزَة ٌ لديوان"منك الثرى"لشاعر الكرمل"مجيد حسيسي"- من قريةِ الدالية - قضاء حيفا، سأتناولُ فيها بعضَ القصائد الهامَّة التي تتمحورُ في شتى المواضيع مع التعليق والتحليل.

مدخلٌ: هذا الديوان"منك الثَّرى"هو المجموعة ُ السَّادسة التي يُصدرُها"مجيد حسيسي"وقبلها أصدرَ خمسة كتب وهي:

1)"كلمات مشرَّدة"- شعر - سنة 1975.
2)"القضيَّة رقم 13"– رواية بالإشتراك مع الأديب فرحات بيراني -سنة 1980.
3)"أبدية النار الباردة"شعر – سنة 1980.
4)"وهج الأصوات النازفة"- شعر – سنة 1990.
5)"محطات"– مجموعة قصص قصيرة – 1992.
6) ثم هذه المجموعة الشعرية التي بين أيدينا -"منك الثرى"التي صدرت عن مديريَّةِ الثقافة العامة - طبعت في مطبعة الوادي - حيفا - ويقعٌ هذا الكتاب (المجموعة الشعرية) قي (90) صفحة من الحجم المتوسط، مطبوع طباعة أنيقة وجميلة تُحلِّي غلافه لوحة ٌجميلة ٌومعبِّرة ٌ للفنان"فؤاد دقسه".

قد يستغربُ القارىءُ والإنسانُ العادي البسيط، لأول وهلةٍ كيف أن لدى شاعرنا"مجيد حسيسي"كل هذا الكم الكبير من الإنتاج الادبي والشعري الإبداعي ذي المستوى الراقي الفني المُميِّز ولكنه لم يحظ َ حتى الآن بالإنتشار والشهرة الكبيرة ولكن السبب بسيط كما هو واضح جليًّا لديّ وذلك لكون شاعرنا لا يسعى ويركضُ ويتلهفُ وراءَ الشهرةِ والإنتشار وتركيز الأضواء - بل كانَ مكرِّسًا كلَ أوقاتهِ في العمل لأجل تربيةِ أولادِهِ وإعالتِهم، ولا يكترث للشهرةِ وللمراكز والمكاسب الماديَّةِ. كما أنهُ أيضا مُورسَ ضدَّه كلّ أنواع التعتيم وَوُضِعَت أمامَهُ العراقيل والحواجز في بدايةِ مسيرتهِ الادبيَّةِ حتى يظلَّ مجهولا ولا يصل إنتاجُهُ وإبداعُهُ الفكري إلى جماهير الناس.. لا لشيىء سوى لكونهِ إنسانا مبدئيًّا وكتاباتهُ لها وقعٌ وتأثيرٌ إيجابي ملموسٌ بإمكانها أن تؤَثِّرَ على الجماهير العربيَّةِ في الداخل وتعمِّقَ فيهم الكرامة َ والإباءَ والمُثلَ والمبادىءَ وتفتحَ أذهانهم وضمائرهم وتنيرَ لهم السبيلَ وترسِّخَ وتعززَ فيهم الشعورَ والإنتماءَ والحِسَّ الوطني والقومي والإنساني التقدمي المشرق.

فمجيد حسيسي منذ ُ نعومةِ أظفارهِ ومنذ طفولتهِ هو إنسانٌ مبدئيٌّ متسربلٌ بالمبادىء القوميَّةِ الوطنيَّة الشريفة وبالقيم التقدميَّةِ المُثلى وبالأخلاق الرَّفيعةِ العاليةِ والإلتزام الإنساني. لقد ضحَّى وعانى الكثير في سبيل ذلك – ماديًّا ومعنويًّا. هو يحملُ شهادة َ الماجستير في التاريخ والأدب وكان لفترة طويلة عاطلا عن العمل... وَعُيِّنَ بعدَ عدَّةِ سنوات من حصوله على اللقب الأكاديمي الثاني مُدَرِّسًا وبعدها مديرًا للمدرسة الإبتذائية في قريتِهِ دالية الكرمل. وأما كتاباته في الأدب والشعر فهي تعالجُ المواضيعَ الإجتماعية والإنسانيَّة الشَّاملة والوصفيَّة والفلسفيَّة... إلخ.

وأنا بدوري أعدّهُ في طليعةِ الشُّعراءِ والكتاب المحليِّين مستوى وإبداعًا، وهو إنسانٌ وطنيٌّ قوميٌّ صادقٌ وملتزمٌ في مواقفهِ.

مدخل: هذا الديوانُ"منك الثرى"يدور في عدةِ مواضيع، وهي: الوجدانية، الإنسانيَّة،الإجتماعية، الوصف والغزل والحكم والفلسفة. وبعض القصائد الوطنيَّة ذات الطابع الرَّمزي. وجميع قصائد الديوان موزونة، كلاسيكيّة (تقليديّة)، أو تفعيليَّة، وبعض القصائد الكلاسيكيّة فيه كتبت وأدرجَ نصُّها على شكل شعر التفعيلة.

يفتتحُ مجيد حسيسي ديوانه بقصيدة"أيمن"كتبها لولدِهِ المشلول المقعد"أيمن"وهي قمَّة ٌ في الشُّعور الأبوي الإنساني. والقصيدة ُ مؤَثرة ٌ إلى حَدٍّ بعيد تهزُّ أعماقَ أعماقَ القلب والوجدان وتحرِّكُ حتى الجماد، يقولُ فيها:

("ولدي يئِنُّ منَ الألمْ // والقلبُ مني يُعتصَرْ
قالوأ: سيحيا نبتة ً والطبُّ يعجزُ من إعادتِهِ سليما مقتدَرْ").
ويقولُ فيها: ("وابني يُعاني لا دواء ولا شفاءْ //
لا للفكر لا للمعاني: أو لنجم قد أفل
هل تستجابُ صلاتُنا.. من ربِّ عدل ٍ// قبلَ أن يسعى الأجلْ
ويقول: ("سبعٌ منَ السنواتِ أخرى تنتظرْ //
وأنا وأمُّ صغيرِنا // أختاهُ مع أخويهِ أيضًا حولهُ
والناسُ تشفقُ في النظرْ
"أيمنُ"حبيب اللهِ يجلسُ بيننا // والحُزنُ فينا يختمَرْ").

ونجدُ نفحة َ الإيمان في هذه القصيدةِ، خاصَّة ً عندما تطول فترة المرض بابنهِ ويعيا على شفائهِ الدواء - فيقول:

("أيمنُ بريىءٌ مثلما // برءَ الجنينُ منَ السُّكُرْ //
أيمن بريىءٌ وامُّهُ مثلُ الملاك... لهُ السَّهَرْ
عانت كثيرًا... فانتهت في شموع الأتقياءْ //
عانت كثيرًا ما اشتكت إيمانها بالأنبياءْ
وبربِّ كون ٍ يُنصَهرْ...
فتحيَّتي لكِ من فؤادٍ مُعتمِرْ").

يريدُ أن يقول : إنَّ ابنهُ بريىءٌ لم يرتكب أيَّ ذنبٍ في حياتهِ ليُعَاقبَ عليهِ بالشَّلل، ويأتي لنا هنا بتشبيهٍ جديدٍ ربما لم يستعملهُ شاعرٌ قبلهُ، حيثُ يُشَبِّهُ ابنهُ المقعد المشلول من دون ذنبٍ بالجنين الذي في الرَّحم فتشربُ أمُّهُ الكحولَ فيتأثرَ الجنين من ذلك ويسكر وهو ليس لهُ أيُّ ذنب من هذا السكر والتخدير.

ولننتقل إلى قصيدةٍ أخرى من الديوان بعنوان:"أمِّي"يهديها الشاعرُ إللى أمِّهِ، وهذه القصيدة ُ وجوُّها الأمومي تذكِّرنا بقصيدةٍ للشَّاعر القروي"رشيد سليم خوري"كتبها إلى أمِّهِ - وذلك من ناحيةِ الأسلوب والنبرة والتوجُّه، والقصيدتان (قصيدة مجيد وقصيدة الشاعر القروي) كلاسيكيَّتان على بحر الوافر، مركّبتان من عدَّة قوافي - كل بضعةِ أبيات على قافيةٍ معيَّنة وهكذا... يقولُ الشَّاعرُ القروي في قصيدتهِ::

("ولو عَصَفت رياحُ الهَمِّ عصفا ولو قصفتْ رُعودُ الموتِ قصفا
ففي أذنيَّ عندَ النزع ِ صوتٌ يُحَوِّلُ لي عزيفَ الجنِّ عزفا
فيطربني... وذاكَ صوتُ أمِّي

وأمَّا مجيد حسيسي فيقولُ في قصيدتِهِ:

("دموعُ الطلِّ تبكي بعضَ هَمِّي وصوتُ الناي ِ يشكو ظلَّ غَمِّي
عُيونُ النرجس ِ الباكي شُموعٌ تُضيىءُ اليومَ في أعيادِ أمِّي").
ويستشهدُ مجيد في قصيدتِهِ هذهِ ببيتِ"حافظ إبراهيم"الشَّهير:
("ألأمُّ مدرسة ٌ إذا أعددتهَا أعددتَ شعبا طيِّبَ الأعناقِ")

فيقول مجيد:

("يقولُ الشَّاعرُ الفنانُ دومًا بأنَّ الأمَّ مدرسَة ُ البيان ِ
إذا أعددتها أعددتَ شعبًا يطيبُ العرقُ فيهِ كالجنان ِ").

وفي الديوان قصيدة ٌ أخرى بعنوان"منك الثرَى"على إسم ديوانه، مهداة ٌ إلى أمِّهِ، وربَّما تكونُ من أحسن قصائد هذا الديوان.. ومن أروع وأعذب وأحسن ما قيلَ في شعر الأمومةِ إلى الآن. يستهلُّ مجيد قصيدَتهُ هذه بالتحيَّةِ والسَّلام على أمِّهِ ويذكرها انها رمزُ الطهارة والنقاء، وإنها الثرى والخصوبة والعطاء والفداء. فيقولُ:

("ثوبُ الطهارةِ من ثيابكِ حفظهُ // نورُ السَّماءِ يشعُّ منكِ..على الورَى //
أمِّي إليكِ تحيَّتي منكِ الثرَى// نشأت عليكِ مزارعي فاخضوضَرَتْ //..إلخ.
ويقول أيضًا:("من سحركِ الهادي شكا... زهرُ الربيع ومن شموعِكِ... ينطفي... شبحُ الأجلْ").

ويقول:

("من طهرِ نفسِكِ لونُ ثلجي ينصعُ
من ثوبِ طهركِ.. صارَ ثوبي يُبدِعُ
من حسن ِ ليلكةِ الرَّبيع ِ تسلَّلتْ...
أنسامُهُ... لشذا حنانِكِ يرجعُ"//).

إنهُ يأخذ ُ تشبيهاته ويستمدُّ ويستوحي استعاراته وابتكاراته البلاغيَّة من
الطبيعةِ ومفاتنها الخلابةِ ويوظفها في هذه القصيدةِ وغيرها من قصائدهِ ويوفقُ في هذا إلى مدى بعيد...وخاصَّة انَّ منطقة الكرمل وقريته"الدالية"التي يقطنها وتقعُ على سفوحِهاهي منطقة سياحيَّة جميلة جدًّا وخلابة تشعُّ بالسِّحر والجمال والظلال.. فينعكسُ هذا في شعرهِ وأدبهِ وإبداعِهِ.

ويقولُ: ("في حضنكِ الدافىءِ... تنامُ براءَتي.. أبدَ الدُّهورْ
من طيبكِ الصَّافي..عرفنا قيمة َ الكافور في أرض ِالعطور").
ونجدُهُ أيضًا في هذه القصيدةِ متبحِّرًا بالتاريخ والتراث يستجليهِ ويتقمَّصُهُ ويسترجعُ بذهنهِ العهودَ القديمة َ الخالدة فيقول:

("من حكمةِ الماضي تعلَّمتُ البقاءْ // فأخذتُ من روما الجمالْ
وأخذتُ عن إسبارطة فنا للقتالْ //
وعن الفراعنةِ القدامى... مجدًا تمَثلَ بالهرَمْ
عطر أنفاس الخزامَا... حلو عيش من صفاءْ // ونقاء أصحاب الخيمْ
وأخذتُ من سفر النبي أيوب شيئا من شذورْ //").

ونجدُُ في القصيدةِ أيضًا البعدَ الوطني والقومي فينتقلُ مباشرة ً إلى هذا المجال فيقولُ:
("لكنَّك لم تجمعِي... باقي السطورْ // فيها قرأتُ أحاديثَ إنسان ٍ جريحْ
عن أرضهِ.. عن كرمِهِ.. عن عرضِهِ // وخمار زوجتِهِ الطريحْ
عن تيتةٍ خضراء.. عن زيتونةٍ عاشت دهورْ //
عن ماردٍ قاس ٍ جسُورْ //
زرعَ الدماءَ بأرضِنا... قلعَ الشَّجَرْ... والزيزفونْ
غطَّى بأيديهِ القمَرْ... هَدمَ الحُصونْ").

فالأمُّ هي كلُّ شيىءٍ بالنسبةِ لشاعرنا..هي الحياة ُ والهناءُ.. هي الطبيعة الكاملة النابضة بسحرها وروعتِها.. حيث يقولُ:
("أمِّي إليكِ تحيَّتي... منكِ الثَّرَى //
منكِ الطبيعة سحرها.. لا تشترَى //
منكِ الحياة ُ إليكِ عُدنا... نشتهي من صنع ِ أيديك ِ الرَّغيفْ
والصَّاج والطابون والصَّحن النظيف").

يرسمُ لنا مجيد حسيسي في هذه القصيدة إضافة ً للذي ذكرتهُ صورة ً فنيَّة ًملوَّنة ً كاملة ً لحياةِ القريةِ العربيةِ وطرق وأساليب الحياةِ المتبعة فيها، والجو الوديع البريىء السَّاذج الذي يسودُها. فيتحدَّثُ عن الصَّاج (وعاء حديدي يخبزون عليه) والطابون، والخبز وعن أقنان الدجاج وصياح الديك صباحا والحَمام، والعلف والحبوب...وعلاقة الناس والجيران مع بعض، كلُّ هذا يُجسِّدُهُ في هذه القصيدةِ.

وبإختصار هذه القصيدة"منك الثرَى"قمَّة ٌ في المستوى الفني، والرَّوعة الفنيَّة والحسيَّة..تمتازُ بالقوَّةِ وبجودةِ السَّبك وبالإنسياب المُمَوسَق في المعاني والأفكار، وبالمعاني العميقةِ،وبالتشبيهاتِ والإستعاراتِ الرائعةِ الجديدةِ،وحافلة ٌومترعة أيضًا بالعوالم والأجواءِ البرَّاقةِ المُلوَّنةِ، وبالمشاعر الجيَّاشةِ البريئةِ الصادقة.. وفيها يُعطينا فكرة ً كاملة لمعنى الأمومةِ الحقيقيَّةِ وأبعادِها. وهذه القصيدة ُ بحدِّ ذاتِها هي (وصفيَّة وجدانيَّة أموميَّة ووطنيَّة).

ولننتقل إلى قصيدةٍ أخرى من الديوان بعنوان:"لا تقطعوا زيتوني".. حيث يرمزُ بالزيتونةِ فيها إلى الأرض والوطن والبقاءِ والصُّمودِ والعنفوان، يقولُ في القصيدة: ("زيتونتي الخضراء أرسمُ ظلَّها
كجذورنا في الأرض ِ راسخة ٌ البنا //

سرقت سلاطينُ الزمان ثمارَها
عصروا ثماري مثلما عصرُوا إطارَ الحلم في صدر المُنى
حرقوا غصونَ العزِّ منها والشُّموخْ
فتأجَّجت جمراتها وتفجَّرت تأبى الضوحْ
وتناثرت بشرارةِ المتألم // لتنيرَ دربَ المُؤمنين //
دربَ الذينَ تشرَّدُوا والصَّابرين //").
ويقولُ أيضا"

("زيتونتي أبدَ الدُّوهر بزيتِها تشفي الجراح
فترتوي منها النفوس
فجليلها وطنٌ // وكرملُهَا مراح //
والقدسُ في مفهومِهَا رمزُ الطقوسْ //
كنيسة ُ الرَّبِّ الذي.. بكنيسِهِ خلقَ الشُّعوبَ بلا ذنوبْ //
بردا... سلامًا... لا يذوبْ ! //").

يريدُ أن يقولَ لنا مجيد انَّ الزيتونة َ...هي شجرة النور كما جاءَ في الكتاب المقدَّس وهي رمزٌ للصُّمود والبقاء وللبركةِ والشفاء. كما انَّ مجيد حسيسي في هذه القصيدةِ يبكي الواقعَ المريرالأليم المهيمن على شرقنا كالخلافات والحروب والضغائن...وهو بدورهِ يتمنَّى أن يحلَّ السلامُ وتنتهي الأحقادُ والخلافاتُ بين الشُّعوب والدياناتِ والبشر- فيقول:

("الرَّبُّ فينا واحدٌ // وبراثنُ الأحقاد تنهشُ بالوتينْ //
فالدينُ دينُ اللهِ في أرض ِ السَّلامْ //
والأرضُ أرضُ الحيِّ في عُرفِ الأنامْ
زرعوا بذورَ الحقدِ في حقل ِ السِّنينْ //
والناسُ حولي لا تنامْ
زيتونتي الخضراءُ تبكي كالمسيح // /
مَن ماتَ منَّا لا يُلامْ
الغدرُ في قاموسِنا أمسَى الصَّحيحْ
وعيونُ طفلي في المغارةِ تكتحِلْ //
بترابِ أنفاسِ الأملْ //
وفي نهايةِ القصيدةِ يقول:
("كفوا أيادي الغدرِ عن بيتي الصَّغيرْ
"لا تقتلوني مرََّتين ؟ لا تقطعوا زيتونتي.. وَتُدَنِّسُوا قبرَ الضَّميرْ").

وفي قصيدة ("العدل"- صفحة 29) وهي على بحر الرّمل نجدُهُ مسترسلا بالإيمان..يقدِّسُ العدالة َ الإلهيَّة.. فيُخاطبُ الإنسانَ المُلحدَ المُتنكِّرَ للناموس ِ الإلهي وللعدالةِ والقيم والمثل والأخلاق والمبادىء بلهجةٍ عنيفةٍ قاسيةٍ، ويُؤَكِّدُ فيها أنَّهُ في النهايةِ لا بدَّ أنَّ الإيمانَ سينتصرُعلى الكفر والحق على الظلم والشَّرِّ والباطل،واللهُ كفيلٌ بأن يقلبَ الموازينَ في لحظاتٍ ويُبَدِّلَ كلَّ شيىءٍ ويُعيدَ الحقَّ إلى نصابهِ وكلّ شيىءٍ يرجعُ إلى موضعهِ ويأخذ حَجمَهُ الحقيقي.
ولننتقل بسرعةٍ إلى قصيدة ٍ أخرى بعنوان: ("كلنا بشرٌ من ذات عنقود"- صفحة 31) - وهي على بحر"البسيط". وفي هذه القصيدةِ يدافعُ عن طائفتِهِ وعقيدتِه وهي الطائفة التوحيديَّة الدرزيَّة-التي انبثقت عن الطائفةِ الفاطميَّة الشيعيَّة الإسلاميَّة"من هجمةِ بعض العُنصريِّين المُغرضين الذين يحقدون عليهِ وعلى غيره من أبناء طائفتِهِ الأبرار ويستحينون الفرصَ للطعن والنيل من أبناء هذه الطائفةِ بشتى الوسائل والطرق دونما سبب - فيقول مجيد حسيسي: إنهُ حرٌّ بانتماءاتهِ ومعتقدِهِ وأنهُ مؤمنٌ إيمانا عميقا بالرَّبِّ، لا يتزعزعُ، ومتشِّبثٌ دائما بأرضهِ ووطنهِ ولن يغريه مالٌ أو أيُّ شيىءٍ ومكسبب مادّي آخر،وهو يحبُّ طائفته ويحبُّ أيضا أبناءَ عروبتهِ من الطوائف والديانات الأخرى ويحترمُ في نفس الوقت جميعَ الشعوبِ ويتمنى السعادة َ والهناءَ والسلام لجميع شعوب وأمم الارض.. وهذا هو فحوى وهدفُ ورسالة مذهب التوحيد أو الديانة الدرزيَّة كما يسمُّونها التي تلخِّصُ جميع مبادىء وأسس الديانات السماويَّة التي أنزلها اللهُ على بني البشر.. ويتطرَّق أيضًا في قصيدتهِ إلى عقيدة"التقمُّص"التي يؤمنُ بها الموحدون الدروز.. ويدافعُ مجيد عن مواقفه ومبادئهِ فيقول:

("لمَ النقاش معي: قوميَّتي.. ديني //
ولا تجادلوا في ربِّي وتوحيدي //
هويَّتي بلدي تقمُّصِي واقعِي... هذا أنا واضحٌ كالعقد ِفي الجيدِ // لا فرق عندي بتاتا بين هذا وذا // فكلنا بشرٌ من ذاتِ عُتقودِ //
خمرُ الحياةِ دمٌ والناسُ تشربُهُ // وكأسُ خمري القذى في عين ِعربيدِ //").

ويقول أيضا:
("منِّي الطبيعة ُ تخضَرُّ الحياة ُ بها // مسالمٌ بيدي والسَّيفُ في الغمدِ").
أما في قصيدتهِ"النذير"– صفحة 36، على بحر الوافر فنجدُ فيها بعضَ الأبيات الحكميَّة والفلسفيَّة، ومطلعها:

(شعورُ المرءِ في الدنيا ضميرُ وصوتُ الحربِ في لغتي نفيرُ)
ويقولُ فيها:
("وعندَ الموتِ نذكرُ ما سعينا ونذكرُ أنَّ حرقتهُ... سعيرُ)
وبعدَ الموتِ ننسَى من فقدنا وننسى أنهُ فينا النذيرُ).

في هذه القصيدةِ يذكرُ أنَّ الناسَ اليومَ ابتعدُواعن الإيمان، وتفكيرُهم فقط في الماديَّات - فيقولُ:

("فذكرُ اللهِ في الدنيا بهمس ٍ وذكرُ المال ِ... رنَّتهُ جفيرُ).

ويذكرُ أنَّ الإنتماء الوطني والقومي أصبحَ عملة ً نادرة ً عندنا في الداخل، لدرجةٍ أنَّنا نسينا كرامتنا ومجدنا ونسينا تاريخنا وتراثنا وسُؤددنا - حيث يقول:

("تراثُ جدودِنا أمسَى ترابًا يبولُ عليهِ كلبٌ أو بعيرُ)
حضارتنا.. شهامتنا تلاشَتْ محاها الموجُ يسبقها الهديرُ)..إلخ.

وفي قصيدةِ ("كرامة فقير"- صفحة 38 – على بحر الوافر - يعطينا صورة ً رائعة ً للإنسان الفقير المعدم المتمسك بمبادئهِ وقيمهِ التي يؤمنُ بها ولا يتزحزح أو يتنازلُ عنها حتى لو كلفهُ ذلك حياته، ومستعدٌّ أن يُضحِّي طيلة َ عمرهِ ويموتُ جوعًا ولا يتنازل عن إبائِهِ ولا يبيع كرامته وشرفه مقابل تغيير وضعه الإقتصادي... يقول مجيد:

("غروبُ الشَّمس يسبقهُ الأصيلُ كتابُ السُّهد للمرضى... خليلُ")
وعينُ الطفل ِ في الأحزان ِ تبكي على جيل ٍ تمرجحُهُ الميول ُ
وطفلٌ يمضغُ البغضاءَ قسرًا لأنَّ أباهُ في الدنيا... ذليلُ
يعيشُ على فتاتِ رغيفِ خبز ٍ وينسَى أنهُ قلقٌ... هزيلُ
يُقاومُ جَاهَ أصحابِ النفوذ ويرفضُ ذلَّ نفس ٍ.. لا تسيلُ)

ويقولُ: ("ويُؤمنُ أنهُ بشرٌ وحُرٌّ برغم ِ ظروفِ عيش ٍ يستحيلُ).. إلخ.

وأمّا في قصيدة ("حكم أمورَك"– صفحة 40) - وهي كلاسيكيَّة"عموديَّة"على بحر البسيط كتبت وأدرجت كلمات أبياتها بترتيب على شكل شعر التفعيلة ولكنها بقيت محافظة ًعلى قوتها ومتانتها وتماسكها وروعتها الفنيَّة وسحرها الآخاذ في العقول والألباب، ومن هذا المنطلق ومن هذه القاعدة البسيطة نستطيع أن نفحصَ أيَّة َ قصيدة كلاسيكيَّة عموديَّة للتأكد من مستواها وبعدها الفني وقيمتها البيانية والبلاغيَّة..لأنَّ الوزنَ بطبيعتِهِ يضيفُ للقصيدةِ في الشعر الكلاسيكي، حلَّةً جميلةً برّاقة ً من الخارج فقط ويسترُ ويخفي عيوبَهَا حتى لو كانت تفتقرُ إلى جميع عناصر وأسس وَمُمقوِّمَات الشعر.

ولنرجع إلى شاعرنا مجيد حسيسي وإلى قصيدتِهِ"حَكِّم أمورَك"فهي زاخرة ٌ بالحكم والمواعظ والوصايا.

وأما قصيدته ("ضمير الدُّمَى"– صفحة 42)، على البحر الكامل (تفعيليَّة) فتتحدَّثُ عن السيِّد المسيح (طفل المغارة) ويُركِّزُ ويُسلِّطُ عتابَهُ وألمَهُ للواقع الحالي الذي يُعاني منهُ شعبُنا. وفي قصيدةٍ أخرى من هذا الاديوان بعنوان: ("صلاة"- صفحة 49) يطلبُ من يسوع المسيح أن يُصلِّي معهُ كي تتغيَّر نفوسُ البشر المريضة وترجع إلى الإيمان والطهارة والنقاء وتبتعد عن الماديَّات الزائفة والقشور، ويقول فيها:

("مسيح أمَّتنا العمر مهزلة ٌ // الناسُ أمسَت بأمر ِ الوغد ِ تمتثلُ
فاظهر على أمَّةٍ زادَ الفسادُ بها // وحاسب الناسَ قد أغواهُمُ الهزلُ

ويقولُ أيضا:

("وهانَ الكريمُ لأنَّ المالَ ينقصُهُ // سادَ اللئيمُ... فمالُهُ.. لهُ أمَلُ).

وفي قصيدة ("أحلام السَّراب"- صفحة 56) ينتقدُ فيها بعضَ السلبيَّات والمشاكل التي ما زالت تجثمُ وتخيِّمُ على عقول وأفكار السواد الأعظم من أمَّتنا العربيَّة.. حيث أنَّ العرب يمضغون ويلوكون التاريخَ القديم العريق، عندما كانت لهم أمجاد وسؤدد وإباء تحسدهُم عليه جميعُ الأمم. أما الآن فالغرب (الأجانب) يجترُّهم ويسيِّرُهُم كما يشاء وهم قابعون ومخدَّرون في أوهام الماضي ولا ينظرون إلى واقعهم. وهذه القصيدة ُ"أحلام السَّراب"في أسلوبها وتتوجّهها وموضوعها تذكّرنا بقصيدة الشاعر الفلسطيني الكبير المرحوم"راشد حسين"التي ينتقدُ فيها العادات والتقاليد البالية التي ما زالت هاجسَ وحلمَ جميع السكان في قرانا العربية - مثل: كثرة الإنجاب وحب النسل (الذكور فقط) حيُث همُّ كلِّ إنسان عربيٍّ حتى المتعلِّم أن يُخلِّفَ (ينجب) أكبرَ عددٍ ممكن ٍ من الذكور، وكأنهُ بهذا قد أدَّى رسالتهُ المُثلى في الحياة.. ثمَّ بدورهِ يترك أولادَهُ هكذا، على الطبيعة، من دوون علم وثقافةٍ وتربيةٍ حضاريَّةٍ صحيحةٍ ولا يُؤَمِّنُ لهم الحياة َ الهنيئة الشَّريقة والمُريحة والحضاريَّة المُثلى مثل أبناء باقي الشُّعوب المتحضرة المتطوِّرة. والقصيدتان (قصيدة مجيد حسيسي وقصيدة راشد حسين على بحر الرّمل)، يقول راشد حسين:

("في قرانا بينَ طيَّاتِ الدُّخان ِ // يكبرُ الطفلُ لكي تكبرَ بالطفل ِ التَّهاني)
ويقول: ("هَمُّهُم أن تلدَ المرأة ُ مولودًا ذكرْ //
ليقولوا إنَّهُ ابنُ أصيل ٍ مُفتخَرْ
وليغدو ابنهم راعي ذباب //)... إلخ..
ففي قصيدةِ راشد يُعطينا صورة للتخلُّف والإنحطاطِ الفكري والثقافي.. أما مجيد حسيسي

فيقول:
("في بلادي في بلادِ التائهين // نرسمُ الآهاتِ في صدر المُنى
ونعزِّي الياسمين //
نمضغُ التاريخَ فينا... نستعينْ
بحديث ساحر عن سيوف المجدِ في عهدٍ مضَى عن زمان ٍ غابر ٍْ
عن نجوم ٍ وقمرْ //
وَعَدوٍّ قد مضَى يصلبُ العزَّة َ فينا // ثمَّ ينسينا القدَرْ //
مثلما نجترُّ تاريخَ العَرَبْ //
مثلما يجترُّنا الغربُ وينسانا الأدَبْ //
مثلما تلهو الصَّبايا بأقاصيص ِ الغزلْ //
مثلما تبكي المَرايا وَيُحَنِّيهَا الحَجَلْ //
هكذا في الشَّرق ِ بتنا // يحتمي فينا الكسلْ").

إنَّ هذه القصيدة ذات طابع تهكُّمي لاذع ويُصيبُ مجيد فيها كبدَ الحقيقةِ لواقعِنا ومآسينا كعرب.
ولننتقل إلى أبواب ومواضيع أخرى من الديوان - إلى باب الغزل.. حيث نشرَ مجيد حسيسي في هذا الديوان عدَّة َ قصائد غزليَّة هي قمَّة ٌ في الرَّوعةِ والعذوبةِ وصدق العاطفة تمتازُ بالأسلوب الشَّائق الرَّشيق وبعمق المعاني ودقَّة التصوير وبالبراءةِ والعفويَّةِ وعدم التكلُّف... فتأتي قصائدُهُ منسابة ً متناغمة مموسقة بشكل ٍعفويٍّ،خارجة من قلبٍ مترع ٍ بالإنسانيَّةِ ومشبوبٍ بالطهارةِ والنقاء.

يقولُ مجيد مثلا في قصيدتهِ ("طفلة بالأمس كنتُ"– صفحة 57) - على بحر الرَّمل – وأسلوبها قريب للخطابةِ (مباشرة):

("طفلة بالأمس كنتُ // حينَ كانَ العشقُ لُعبَا
في دروبِ العشق ِ سرتِ // فخجلتِ //... وجعلتِ من رُؤَى الأحلام ِ حُبَّا //
وَسَهرتِ.. // وعصرتِ في ضُحَى الأحلام ِ قلبَا //
مرَّتِ الأيَّامُ تمحُو ما رسمتِ //
فاكتويتِ // وكتفيتِ // بلقاءٍ في المغيبْ //").

ويقولُ أيضًا:
("لا تقولي ماتَ حُبِّي واستكانا //
لا تقولي: أمستِ الايَّامُ حانهْ //
خمرُها وصلٌ وبعدَ الوصل ِ نندَمْ //
فحَريٌّ بكلانا نتعَلَّمْ //").
إنَّهُ يذكِّرنا في هذه القصيدةِ بروائع رائدِ التجديدِ في الشِّعر العربي الحديث"بدر شاكر السَّيَّاب"في إبداعاتِهِ الغزليَّةِ... كما أننا نجدُ التلقائيََّة َ في بعض قصائد مجيد حسيسي الغزليَّة وغيرها.. (الأسلوب التلقائي والذي امتاز بهِ بدر شاكر السيَّاب في الكثير من قصائدِهِ.
ويذكِّرنا مجيد أيضا بشاعر المرأة الأوَّل"نزار قبَّاني"، خاصَّة عندما

يقولُ مجيد:
("أنتِ ما زلتِ بتولا في دروس الحبِّ تقشل //
ديرُها جنَّة ُ أرض ٍ // خمرُها طيبُ قرنفلْ //
كحلُ عينيها غييومٌ في سماءِ العشق ِ تثمُلْ //").
ولكن مجيد حسيسي دائما عفيفٌ طاهرٌ في حُبِّهِ وأشعارهِ، فحبُّهُ روحاني وليسَ جسدي - حيثُ يقول:
("قولي لهم: إنِّي وَفيٌّ مُخلِصُ
وتحدَّثي عن شُهرتي // عن ماءِ وجهي المُفتخَرْ //
إنِّ أصيلٌ كالجوادِ مؤَصَّلٌ لا ألمسُ الأشياءَ إلاَّ بالطُّهُرْ //").

ومجيدُ يرى في الحبيبةِ واحة العاشق، وهي الهواء والربيع. ويستمدُّ تشبيهاته في وصف الحبيبةِ من الطبيعةِ وعناصرها، فيذوبُ في الطبيعةِ ويتعمَّقُ في قدسيَّتِها وجمالها ويتَّحد معها ومع حبيبتهِ الإنسانةِ روحيًّا التي تشكِّلُ كلَّ شيءٍ في حياتِهِ فهي ذاته وكيانه وجدوى وجوده وبقائهِ. وقد نراهُ قريبا بعضَ الشَّيىء في قصائده الغزليَّة والوصفيَّة (عنصرالوصف موجود عنده غالبا مع الغزل) إلى المدرسةِ الرُّومانطيقيَّة والرَّمزيَّة، ثمَّ المدرسة الغنائيَّة الحديثة. إنَّهُ قريبٌ من الشُّعراءِ العرب الكبار المنتسبين إلى تلك المدارس المذكورة، مثل:"سعيد عقل"،"صلاح لبكي"و"أديب مظهر"و"يوسف غصوب"و"السيَّاب"و"نزار قبَّاني"... إلخ.
يقولُ مجيد في إحدى قصائدهِ الغزليَّة:

("أملاحُ بحر الحُبِّ شهدٌ خالصٌ //
وبحورُ ملح العين ِ.. واحة عاشقِ ِ //
أحببتُ فيكِ مراجعي ومواجعي // أنتِ لهواءُ لعاشق ِ.. للغارق ِ
فيكِ الرَّبيعُ كسا الحياة َ جمالها // ورمَى خدودَكِ.. ورد حُبٍّ حارق ِ").
ونجدُ أيضا كلَّ جزء منها قد يُشبِّهُهُ بشيىءٍ من بلادهِ ووطنه الذي يعني لهُ كل شيىء. وهو لا يقلُّ مستوى وإبداعا في هذه القصائد عن ما كتبهُ كبار الشعراء الفلسطينيين المحليين وفي المهجر في فترات الخمسينيات إلى أواخر السبعينيَّات من القرن الماضي عن الأرض والمرأة والإنسان - مثل الشَّاعر"راشد حسين"و"محمود درويش".. وغيرهم. يقول مجيد حسيسي في قصيدةٍ له بعنوان ("بدوني لن تكوني"- صفحة 74) وهي على بحر الوافر:

("وأنفاسُ الضحَى منكِ اشتكتكِ إليكِ، لطيبِ أنفاس ِ الحنين ِ
وسُمرة ُ وجهك ِ الفتَّان ِ قمحي وخمرة ُ فِيك ِ... داليتي وديني
وَشعرُكِ أورثَ الأنسامَ عطرًا وخدُّكِ زهرة ٌ من ياسمين ِ
ويقولُ:
("كزيتون ِ الجليل ِ وقفتِ حتَّى أحثُكِ أن بحبِّكِ تعصُريني
فأنتِ خمرُ أحزاني.. وفرحي فكوني لي بدوني لن تكوني !).

وأما قصيدتهُ ("حين التقيتُكِ"– صفحة 76) – تفعيليَّة – على بحر الكامل - فيتحدَّثُ فيها بشكل مسهب عن لقائهِ الأوَّل مع حبيبتهِ أو فتاته، وما تركهُ هذا اللقاءُ العظيم من أثر كبير في نفسيَّتهِ وحياتهِ مستقبلا وكيانه. فيقولُ فيها
("حين التقيتكِ في مكانْ // أيقنتُ أنَّكِ تحفرين قبرًا.. لقلبي.. للحنين //
ولحبِّ طفل ٍ في ضلوعي يستكينْ //... إلخ.

وقد أعجبني قصيدة غزليَّة في ديوانه بعنوان: ("إن تسألي"- صفحة 67) – على بحر الرَّمل - فيقول فيها:

("إن تسأليي فأنا أحبُّكِ كلَّما تغفو الورودُ على زنودِ الأنجم ِ
عيناكِ زهرٌ والرُّموشُ رحيقهُ والصَّدرُ كنزٌ منهُ بعضُ تألُّمِي").

هو يأخذ معاني وأفكارًا قد تكون مألوفة للناس..ولكنه يطوِّرُها ويضيفُ إليها شيئا من إبداعِهِ وفنهِ وأريجه فتخرجُ الفكرة ُ والصورة ُالشعريَّة بحلَّةٍ قشيبةٍ ساحرةٍ. فمثلا يقول:

("الجيدُ فجرٌ والشِّفاهُ بريقهُ والقدُّ زانٌ زيَّنتهُ مواسمي") فربَّما يكونُ هو أوَّلَ من َشبَّهَ الجيدَ"العنق"بالفجر، والشفاه ببريق الفجر، وعنترة ُ بن شداد الشَّاعر الجاهلي شبَّهَ قبلهُ بألفٍ وسبعمئة سنة (1700) شفاهَ عبلة ببريق السيوف وأرادَ تقبيلَ السيوفَ لأنها تشبهُ بلمعانِهَا ثغرَ عبلة. وفي تشبيهِ مجيد للقدِّ بالزَّان (الزَّان شجر يُصنع من أغصانه الرماح) فهذا التشبيهُ مألوفٌ ومستهلك ولكنهُ يضيفُ إليهِ جملة ً"زيَّنتهُ مواسمي"فتُعطيهِ بعدا معنويًا شاسعًا.. وهي كلمة"مواسمي"وقد وُفِّقَ في تشبيهِهِ وتجديدِهِ المبتكر، فهو أحدثَ وجدَّدَ في هذا. وبإختصار نحنُ دائما نرى في ما كتبهُ مجيد حسيسي من أشعار (في جميع المواضيع) التجديدَ والإبتكار والتطوير... والإستعارات البلاغيَّة الحديثة والمعاني الجديدة المبتكرة والأسلوب المُمّيَّز والحداثة...ويمتازُ شعرهُ بالعُمق المعنوي والخيال المُجنَّح الواسع وبالتكثيف في الصُّور والتعابير والمعاني والإختصار من استعمال المفردات والجمل الطويلة ولهذا لا نرى إطلاقا حشوًا أو لغوا في شعرهِ...بل كل كلمة عندهُ وُضعت في مكانها يستحيلُ حذفها أو وضع كلمة وعبارة أخرى بديلة ً لها... وتمتازُ قصائدُهُ أيضًا بالعذوبةِ والجمال والرَّشاقةِ إضافة إلى جودةِ البناء والسَّبك في الهرم الشِّعري وبالمقدرةِ الفائقةِ باللغةِ العربيَّةِ وبكيفيَّةِ اختيار الكلمات والمفردات البلاغيَّةِ الجميلة الفصيحة الرَّنَّانة.

وسأختتمُ هذا البحثَ بقصيدتهِ"التينة الحمقاء"- تلك القصَّة التي وردَت في الكتاب المقدس، وكتبَ عليها الشَّاعرُ المهجري"إيليا أبو ماضي"قصيدة ً مشهورة ً (إلى التينة التي لا تثمر) ومفادُ وفحوى هذه القصَّة أنّ الشَّيىء الذي ليسَ منهُ فائدة أو نفع للغير فالأفضل أن يلقى بهِ بعيدًا، مثل التينة الحمقاء التي لا تثمرُ فاجتثَّها صاحِبُهَا وألقى بها في النار، أما قصيدة مجيد حسيسي هذه التي نحن في صددها فيتحدَّثُ فيها عن الناس في عصرنا الحاضر، وأنَّ بعضهم أضحوا عديمي الفائدة وقلَّ خيرُهم لبعضِهم.. بل قسمٌ منهم مثل العقارب يلسعونَ من وراء الكواليس. وتتضمَّن هذه القصيدة بعض الأبيات الحكميَّة والفلسفيَّة، وهي على بحر الكامل - ويقولُ فيها:

(المرءُ في زمن ِالحضارة ِعقربٌ من تحتِ أحجار الخديعةِ يلسَعُ
فيُريكَ من جلدِ الأفاعي مَلمَسًا والسُّمُّ في أنيابهَا يتقوقعُ
لا تعتقدْ أنَّ البراءَة َ مظهرٌ أو مسلكٌ في دربِ سيركَ موقعُ).

ولهُ أيضًا في هذا الديوان بعضُ القصائد التي تصلحُ أن تكونَ أناشيدَ للغناءِ. تُغنَّى وترتَّلُ مع كورس"جوقة"، مثل قصيدة"حنين"- في نهاية هذا الديوان، يقولُ فيها:

("أحِنُّ إلى ثرَى وطني إلى كرمي إلى المدن ِ
إلى كانون مجمرتي إلى فحمي إلى سكني").

وأخيرًا: إنَّ هذا الديوان"منك الثَّرى"يُعَدُّ من أجمل وأرقى الدواوين الشِّعريَّة التي صدرت في الداخل على مدارعشرات السنين، وأنا، بدوري، أعتبرُ الشَّاعرَ"مجيد حسيسي"شاعر الكرمل الأشمّ في طليعةِ الشُّعراء والكتاب المحليِّين المُبدعين من ناحية المستوى الفنِّي والعمق والإبداع. والجديرُ بالذكر أنَّ الشاعرَ مجيد حسيسي منذ أكثر من 23 سنة كان يقدّمُ لجائزةِ التفرُّغ ولم يُمنحْ وَيُعْط َ هذه الجائزة كل هذه المدة حتى قبل بضع سنوات (مع مجموعة من زملائه الشعراء والكتاب المبدعين الذين أيضا كان لهم مدة طويلة يقدمون لهذه الجائزة) رغم مستواه الكتابي الراقي والمميَّز- شعرا ونثرًا. وقد مُنِحَتْ هذه الجائزة المشبوهة (حسب ما ينعتها الكثيرون والتي يترفعُ عنها بعضُ الكتابُ والأدباءُ من عربِ الداخل ولا يقدِّمونَ لها لأسبابٍ عديدة) - للعديدِ من الدخيلين على الأدب والثقافة والذين لا يعرفون كتابة َجملة مفيدة واحدة ويجهلون اللغة العربيَّة قواعدها ونحوها وصرفها وبينهم وبين الثقافة والأدب والإبداع مليون سنة ضوئيَّة. إنَّ الشَّاعر الكبير المبدع خالد الذكر المرحوم الأستاذ مجيد حسيسي يستحقُّ أن ينالَ شهرة ً كبيرةً وانتشارًا واسعا عربيًّا وعالميًّا وهو أهلٌ لذلك، وأن ينالَ ويحصدَ الأوسمة َ والجوائزَ العالميَّة وأن يُكتَبَ عنه الكثيرُ من المقالات والدراسات النقدية المطولة..ولكن وللأسف لم يكتب عنه محليا من الأدباء والنقاد المحليين إلا أنا حيث تناولت ديوانه هذا (منك الثرى) من خلال الإستعراض والتحليل..وآمل أن أكون قد حققت الغاية المنشودة وركزت الأضواء على جوانب ومحطات هامة من حياته وشعره لتكون مصدرا ومرجعا وإرشيفا هاما وأمينا للباحثين والأدباء والنقاد الكبار الموضوعيين والنزيهيين خارج البلاد- في العالم العربي والعالم- لإن النقد المحلي معظمه هو نقد مُستكتب ومشبوه ومذدنب ومأجور ومن منطلق المصالح والمآراب والغايات الشخصيَّة ويفتقر للموضوعية والمصداقيّة والامانة والنزاهة.. عدا مستواه الهابط والمتدنِّي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى