الاثنين ١٣ حزيران (يونيو) ٢٠٢٢
بقلم حسن عبادي

من مسقاة عارة .. إلى صقيع السويد الدافئ!

بدايةً؛ يسعدني ويشرّفني أن أكون في نابلس مرّة أخرى لأقف بينكم في هذه المناسبة وأنتهز الفرصة لأشكر القيّمين على هذا اللقاء منحي شرف المشاركة، لقاء مميّز يشكلّ لمسة وفاء للحركة الأسيرة ولحمزة يونس.
أعترف بأنّي كنت على جهل بسيرة ومسيرة بلديّاتي حمزة يونس؛ فهو من قرية عارة المجاورة لمسقط رأسي –كفر قرع- (فللأسف الشديد، أسرانا مجرّد أرقام مهمّشة ونذكرهم في فزعاتنا الموسميّة، وعلى الغالب يوم تحرّر إحداهم أو استشهاده، فكلّنا حفظنا عن ظاهر قلب أسماء ستّة أبطال نفق الحريّة لأيّام معدودة واليوم غالبيّتنا نسي تلك الأسماء) وتعرّفت عليه حين زوّدني الصديق بسام الكعبي بنُسخة من الطبعة الثانية لكتابه "جمر المحطات" (إصدار "مجد" للتصميم والفنون الحيفاويّة) ليشارك في مبادرة "لكلّ أسير كتاب"، وحين تصفّحته وجدت الطبعة الثانية تشمل فصلًا بعنوان: "حمزة يونس: ضاقت "بلاد" العرب.. فأتسع "المنفى" السويدي!"، يصوّر فيه درب الآلام الذي مرّ به حمزة من قرية عارة إلى مسيرته النضاليّة وهروبه ثلاث مرّات من خلف قضبان سجون الكيان وصولًا إلى المنفى وحرمانه من عناق تراب الوطن.

حين الترتيب للمشاركة في مؤتمر التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين في مالمو السويديّة في شهر كانون الأول الفائت اتّفقت وبسّام أن أسلّم حمزة يونس نسخة من الكتاب ولكن حالت الكورونا اللعينة دون ذلك، ولهذا بعثته بالبريد إلى السويد.

في مشوار لي إلى قرية عارة سلّمت ابنته إيناس وأحفاده وأخته نسخًا من الكتاب، فكانت فرحتهم عظيمة واحتضنوه بفخر واعتزاز.

وأخيرًا وصل الكتاب إلى مالمو في المنفى السويدي ليسلّمه إيّاه الأصدقاء علي وسعيد هدروس بالإضافة لدرع تكريميّ من التحالف وحدّثوني كم كان سعيدًا باستلامه.

فوجئت حين اتصل بي قبل فترة وجيزة السخنينيّ علي غنايم، أسير محرّر، طالبًا لقاءً عاجلًا، وفعلًا التقينا في ساحة مدرسة كوكب أبو الهيجا حيث شاركت بمداخلات للطلاب حول أدب السجون، ليزوّدني بنُسخ من رواية "الهروب من سجن الرملة" لحمزة يونس، حيث قام بطباعتها من جديد وتوزيعها مشكورًا(رواية حقيقية، 160 صفحة، الصف والتنسيق الداخلي: جيهان عبد المجيد القصاب، تصميم الغلاف: ايمن القفاف) لمشروعي (لكلّ أسير كتاب).

مسيرة حمزة النضاليّة المشرّفة هُمّشت، كغيرها من ملحميّات أسرانا، وها هم بسام الكعبي وعلي غنايم يعيدانه إلى الواجهة، وتواجدنا هنا في نابلس هو الشاهد والدليل، وستلي هذا اللقاء لقاءاتٌ أخرى وحبّذا تكون في كلّ مخيّم وقرية ومدينة، واللقاء القادم سيكون في جنين.

كتب غازي عبد القادر الحسيني في التقديم: "لقد أصبح حمزة يونس معروفا أنه كالظل لا تستطيع الامساك به أو حبسه فهو يكون حيث تكون شمس الحرية".

قام حمزة يونس بتسجيل أحداث الهروبات الثلاثة من سجون الاحتلال مع التركيز على الهروب الثالث باعتباره الأكثر صعوبة وغرابة حيث لم يسبق أن هرب من سجن الرملة أحد قبله.

تناول حمزة طفولته المبكّرة في قرية عارة وما بقي منقوشًا في ذاكرته، وجع النكبة وسلب البلاد والاستيلاء عليها من قبل الغرباء، ليدرك لاحقًا "أن القرية سلّمت تسليمًا وأن هناك من هو أعلى وأقوى من المختار!"، جبَروت الحاكم العسكري والتمييز العنصري الذي عانى منه في صغره والتحريض عليه وضدّ ما هو عربي.
تحدّث حمزة عن "الهروب الأوّل"؛ تسلّل إلى غزة، وأُعيد ليُسجن في سجن عسقلان، وما إن دخله حتى بدأ بالتخطيط للهروب منه وفعلًا نجح في مهمتّه عبر البيّارات السليبة ونشرت صحيفة معاريف خبر الهروب مرفقُا برسمٍ كاريكاتيريٍّ يبيّن أن الكلاب عادت خائبة وأنّ الهاربين وصلوا سالمين.

تناول فترة مكوثه في غزة وسفره إلى عمان وانضمامه إلى صفوف فتح؛ واعتقال مرّة أخرى إثر عودته والتحقيق في صرفند لعدّة شهور والتعذيب الذي مرّ به، جولته في سجون الاحتلال ومحاكمته مرّة أخرى وحلمه بالحريّة.

رسم حمزة تفاصيل التحضير لعمليّة الهروب، تهريب مناشير صغيرة لقصّ حديد نافذة غرفة الغسيل، عمليّة القص السيزيفي التي استغرقت شهرًا ونصف الشهر وصبغ القضبان باللون الأخضر حتى لا يلاحظ أثر القص، واجتيازها والقفز من فوق الأسوار والركض طوال الليل تحت المطر صوبَ غابات نهر العوجا شرقي يافا، شراء الملابس التنكّريّة ورحلته تجاه الحدود اللبنانيّة واجتياز السلك الشائك.

هروبه الثالث أربك الأجهزة الأمنيّة والسياسيّة للكيان، ولجأت مخابراتها إلى بث إشاعة مفادها أن الهروب يمكن أن يكون مدبّرًا من طرفها!، تمامًا كما سمعنا إثر عمليّة هروب أبطال نفق الحريّة، وشكّل شرخًا وصدعًا قويًا لأسطورة الأمن الإسرائيلي، وما أشبه اليوم بالأمس!

أسلوبه "بوليسي" سلس ولغته بسيطة جميلة دون مجمِّلات وفذلكات، لا تخلو من الأخطاء اللغوية وغيرها وآمل أن تتصحّح في طبعة قادمة. (كفر قرع وليس كفر القرع ص. 8؛ برقاي وليس برقائيل ص. 10؛ بيتار وليس بيطار؛ فينغيت وليس فنكت؛ وغيرها)

إصدار آخر من كتب أدب الحريّة لأحرار فلسطين، يشكّل لبِنَة أخرى في فسيفساء لم يكتمل بعد، فلكلّ أسير قصّة وحكاية، وقصّة حمزة إحداها.

وجدت فجوات سرديّة علّلها حمزة بالاعتبارات الموضوعيّة والأمنيّة، وكأنّي بذاك الفارس باقٍ على جبل أحُد ولم يترجّل بعد.

حُرم حمزة من عناق تراب الوطن، وضاقت به بلاد العرب، ممّا جعله يتساءل في النهاية: "عار أن يدفع إلى التفكير في الهرب منه متسائلًا وفي حلقه كلّ مرارة المرحلة: إلى أين هذه المرة؟!

وها هو يحط ترحاله في مالمو السويديّة، وسيكون لي شرف تكريمه على هامش المؤتمر السابع للتحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين يوم السبت القادم.

قلتها سابقًا؛ لا حريّة للوطن دون تحرّر آخر أسرانا؛

وأضيف؛ لا عودة للوطن دون تحرّره!

***مداخلتي في ندوة المنتدى التنويري الثقافي الفلسطيني-نابلس يوم السبت 11.06.2022


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى