الأحد ١٢ آب (أغسطس) ٢٠١٢
بقلم توفيق الشيخ حسين

«نص اللاجئ».. ذاكرة الإنسان

إن كل إنسان تجري في دروب وجدانه إيقاعات الكون وتسبح في مسارب ضميره مظاهر الحياة وأحداثها.. وتتلقى مشاعره وأحاسيسه نغمات الطبيعة بحسب استعداده للتلقي ودرجة رهافته الطبيعية.. فكل ما يجري ويسبح في مسارب الضمير البشري وكل ما تتلقاه المشاعر والأحاسيس فهو – لا بد – مطبوع بنبض ذلك الضمير ومطبوع بلمسات تلك الأحاسيس...

في لقاء مع القاص العراقي – عبدالرحمن مجيد الربيعي – لجريدة العلم المغربية قال الربيعي:

(بإمكان الروائي العربي الطموح أن يكتب رواية عظيمة، لأن موروثنا في هذا المجال قليل ومحدود الأهمية قياسا إلى ما أنجزه روائيو العالم)..

لو كنا نقاد أدب لكانت أولى الخواص الأدبية التي تثير انتباهنا هي الجمال الفني.. وهذا يبدو جليا وواضحا من خلال الأسلوب وروعتها ونقاء النبرة الصوتية للكلمات.. إن من واجب الأدب العظيم أن يكون ممتعا وذا قيمة.. والأد ب الذي لا يعطينا المتعة هو أدب ميت وسرعان ما يدفن بالأدب الأفضل.. يقول تشيخوف (أفضل الكتـّاب هو الكاتب الواقعي الذي يكتب عن الحياة كما هي , ولكن لأن الإحساس بالهدف يسري كالعصارة الخفيفة في كل سطر في ما يكتب فأنك لا تشعر بالحياة كما هي فحسب بل كذلك كما ينبغي أن تكون.. فيسحرك ذلك )..

إن ابرز صفات الإنسان القدرة على التعبير عن خلجات نفسه وآماله، ومخاوفه، فأن كل فرد لديه الاستعداد أيضا لنقل تعبيرات الآخرين.. هذا التجاوب يعتبر دعامة أساسية في تكوين المجتمعات الإنسانية.. ونتيجة حتمية لهذه الصفات والغرائز والقدرات والانفعالات والأحاسيس التي يتميز بها الإنسان..

بين طيات هذا الزمن وذاك معاناة لا تصفها الألسنة أو الأقلام.. وألم لا تعرف مداه إلا إذا نظرت إلى وجوه أصحابها.. وقليل من الذكريات إن مرت على ذاكرة الإنسان فهي قاسية تعتصر لها القلوب ألما.. هكذا تبدأ الحكاية.. حكاية الموتى الذين ابتسموا عندما رحلوا هناك.. حكاية الزمن الذي تبعثر على جراحات الثكالى بعد أن جفت الدموع وأصبح الوطن شظية يمكن أن تقتل كل العابرين في المكان الخطأ.. في الزمن الخطأ.. حكاية الغربة اللئيمة التي يمكن أن تشكل في داخلك ذاك الحنين المفقود.. فالوطن في غربة.. والغربة في الوطن.. لا سبيل إلى إدراك الموت إلا إذا جلست وحيدا تفكر في تلك الخطى المسرعة باتجاه الموت بلا ثمن..

" نص اللاجئ" (ذكريات القبيلة الضائع ) للروائي الفلسطيني – محمد الأسعد – عمل يجسد فيه اللاجئ تشرده في المنافي وذكريات تحمل الأحداث والتأملات السوداء عن وطن يحمل صورة متكاملة عن الغربة والنفي.. إننا أمام عالم روائي يكشف لنا صورة الزيف العربي لما يعانيه اللاجئ الفلسطيني...

الوطن نافذة حب، وحكاية خبز أمي الساخن , ووجه أبي الصبوح , وحقولنا وكرومنا وبحارنا الصاخبة وجبالنا الشامخة.. لماذا أراد – الأسعد – أن يعيد كتابة تأريخ الوطن بهذا الشكل..
أهي مجرد إرضاء نزوة، أم ليحمـّل القارئ المتعة غير المتعبة.. الرواية تعطي للتأريخ من دروس وبصورة مباشرة رغم ما فيها من موضوعية علمية.. انه ينظم الاكتشافات الفكرية الكبيرة عبر المراحل الزمنية..

" إنهم قبيلة ضائعة بكل معنى الكلمة سقطت من السجلات الرسمية والذاكرة معا، وتعرضت كما سنرى لسانيا وثقافيا وككائنات إنسانية، ومع إن مجموع الشعب الفلسطيني في أماكن اللجوء الأخرى سقط كتجربة إنسانية ويتساقط من ذاكرة الثقافة الفلسطينية نفسها في تناسب عكسي مع ارتفاع أو انخفاض مناورات القيادة الفلسطينية "..

قضية اللاجئيـن الفلسطينيين هي ليست قضية ارض بقدر ما هي قضية إنسان.. الإنسان ذاكرة..

والذاكرة مجمل تأريخه.. إن تأريخ – الأسعد – يشير إلى جديته ورغبته في دفع الرواية العربية إلى اعلى مستوى ممكن ومساو لمن مهدوا الطريق في أنحاء العالم.. ما أصعب أن يقول الإنسان ما يفكر فيه في كل العصور..

لم يعد الكشف عن العالم الذي نعيشه كافيا.. ولم تعد كافية تعريته وفضحه والتعبير عن أزمته.. انه لا يقدم صورة الموجود وإنما صورة الممكن.. وما دام ممكنا رؤية الوجود على نحو مختلف فأن باب الإبداع يظل مفتوحا أمام أعين المتلقين على احتمالات لا نهاية لغا مما يثير فيهم الرغبة في اقتحامه بروح جديدة..

يقول – هلدرن – " ان اللغة اشد المقنيات خطرا " فهي إحدى الخصائص الكبرى للترابط الإنساني ولها القدرة على جعل الإنسان يقف موقف العلانية تجاه – الهم – بالمفهوم الهيدجري.. فالإنسان لا يعرف ما في أعماقه ولا تدرك افكاره الا في اللغة التي يستعملها.. فهذه اللغة وهذا الانفتاح وهذه العلانية استطاع الإنسان أن يحدد وجوده في العالم.. فباتت جزءا من كينونته ولهذا تصبح عبارة هيدجر – أنا ما أقول – لأن خطورة اللغة تكمن بهذا الانفتاح وهذه العلانية..

وثيقة السفر الفلسطينية هي لعنة يحملها اللاجئ الفلسطيني وتجلب له معها سوء المعاملة والأهانة والاحتقار وغير معترف بها.. إنها وثيقة مشكوك في هوية حاملها في أي مكان يحل فيه.. أنت شخص بلا جنسية.. – أي بلا وطن – هذه هي المعضلة التي يعانيها اللاجئ الفلسطيني.. العالم العربي يسمونك " وطنا " ولكني اسميك " منفى " فكل شيء في حياتنا اليومية يحدث كقدر.. كجبر.. يفرض علينا التسكع في الشوارع كمن حلت بهم اللعنة.. العالم العربي يقايض وجودنا باستغلالنا.. يبتزنا نفسيا.. يجعلنا نتذوق الموت ونرتشف كؤوس مترعة بالعدم.. العالم العربي بكل أصواته ومناظره وروائحه متهم بالاعتداء على كل حواسنا.. في العالم العربي قتلى.. موجودون في كل مكان وليس في أي مكان.. علينا أن ندرك إن الطريقة التي فكر بها الكاتب هو ما جعله يتحمل عبء الحياة الشاقة التي واجهته فقدم لنا نموذجا حقيقيا للمثال الأخلاقي في الفكر والفن.. حيث لا يمكن الفصل لحظة واحدة بين المفكر والفنان وفكره أو فنه..

لقد اغتيلت البسمة على شفاهنا و، وفرحتنا مصلوبة بكل الشوارع على جدران الحقد.. من كان بعيدا عن الوطن يعيش على آمل العودة.. الغربة وطن آخر مع فارق الحنين.. فالإنسان المحكوم عليه بالموت قدريا لا يستطيع أن يتجدد من البداية مرة أخرى ولكن في هذا العالم العدائي المشحون بفكرة الموت.. لا يفقد أصالته عبر غربته.. انه مثل النهر يستمد من غربته، من مجراه قوة الطوفان.. انه يقهر الحياة ذات الامتداد الزمني.. يالها من رحلة شاقة مضنية انطلق منها – الأسعد – في منعطفاتها وأمضى عمرا طويلا في مشواره المجهول وتناول مرارة الغربة والنفي.. وأين نحن في تزاحم هذا الكون الجنوني...

أخيرا.. كانت القضية حقا تثير عمق الأسى فقد قدم البعض بإخلاص كلماتهم والبعض دمائهم وهكذا تتطور الحياة في وطننا وفي العالم اجمع...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى