الأحد ٣٠ تموز (يوليو) ٢٠٠٦
بقلم أديب قعوار

نقولا زيادة الذي كتب وعلم التاريخ في ذمة التاريخ

عرفت الدكتور نقولا زيادة منذ خمسة عقود ونصف وكان أستاذاً للتاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت وقد ابتدأت دراستي الجامعية فيها عام 1950 وكنا ولا نزال نلتقي بين فترة وأخرى في مناسبات أكثرها ثقافية وأنشطة قومية وكانت آخر تلك المناسبات عندما زرته في منزله لأطلب منه كتابة مقدمة لكتابي الأخير "التعليم الفلسطيني قبل وبعد 1948" خصوصاً أنه بدأ حياته العملية وهو لا يزال في السابعة عشرة من عمره معلماً في مدارس فلسطين، كتب وهو المعروف بظرفه وكتاباته وأحاديثه الشيقة قائلاً:

تجمعني بأديب قعوار أمور ثلاثة: الأول أنه ناصري، من الناصرة في شمال فلسطين، مع خلاف بسيط، فأنا قرميتي ناصرية لكن مسقط رأسي دمشقي (2 كانون الأول 1907)، أما أديب فهو ناصري قرمية ووضعاً.

الأمر الثاني فهو صداقة لا أقدر مداها سنوات، ولكنني أرى فيها من العمق ما يحصنها.والأمر الثالث أن كلانا مثل مئات الألوف من أمثالنا نحمل هم فلسطين. ومع أن الهم قد لا يختلف درجات، ولكن العمل المباشر في سبيل القضية يختلف بين هذه المئات من الألوف، نساءً ورجالاً، إختلافاً كبيراً. فهناك المتأمل والمفكر، وهناك الكاتب والمؤلف الصامت، وهناك العامل الهادىء المتزن وهناك من يقتله السلاح.

رأيت أن أقتطف من هذه المقدمة هذه الأسطر لأنها تختزل الكثير عن حياته وقرميته ومنشئه ومدى تعلقه بفلسطين حيث قرميته فيها أعمق وأعتى من أن يقتلعها الإستعمار الصهيوني، هذا الإستعمار الذي يحاول تغيير معالمها ويهودها ولكن ذلك لا يتعدى القشرة ولكن الجذور فلا تزال عربية وأعمق من أن تقتلع جذور نقولا زيادة وقرميتنا نحن منها.

نقولا زيادة العجوز الشاب الروح والعطاء حتى ليلة تركنا فيها كان لا يزال يعطي بالكتابة والتأليف والبحث في التاريخ وغيره من العلوم الإنسانية، يلقي المحاضرات فتمتلىء القاعات وينتظره الكثيرون لسماعه ومشاهدتة في مقابلاته التلفزيونية الشيقة والظريفة والطافحة بالمعلومات والذكريات ولا عجب، فقد كاد يكمل العقود العشرة من هذا العمر المديد الذي لم يشبع ولم يشبع محبية وتلامذته وأصدقائه ومقدريه ولا محبيه منه. وخلال إحدى مقابلاته التلفزيونيه منذ حوالي ثلاث سنوات، وكان يتكلم عن ذكرياته وحياته ومنجزاته ختمت مقدمة البرامج المقابلة قائلة "عقبال المية يا دكتور" فأجابها وهو المعروف بسرعة البديهة والظرف: "ليش مستعجلة علي".


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى