الاثنين ٢٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢١

يوميات قتِيلين

أحمد القاسمي

لم يكن يعرف غير ما كانت أمه تقول له، وهو وحيدها، من وقت لآخر، بأن أباه كان مُدرسا لمادة التاريخ، في فصول المرحلة الإعدادية، بافتخار، فتعلو وجهها سعادة بأيام خلت، وبأسف بعد ذلك، فتدمع عيناها، خصوصا بعد أن تجاوز عمرها العقد الخامس بسنتين، وأنه فقد حياته في حادث، كانت قد زاغت به سيارته في أحد المنعرجات، كان هذا ما أخبرها به قريبان لها، حضرا في الوقت الذي كان فيه عون مصلحة حوادث السير يُحرر تقريرا مُفصّلا بالحادثة، ولم تُشك إطلاقا في السبب، واحتفظت به في ذاكرتها، تلتجئ إليه كلما سُئلت لملأ مطبوع إداري، أو سألتها إحدى النساء، فتُجيب بأنها أرملة، وأن زوجها انقلبت به السيارة في طريق الانعراجات، فمات في الحين، وتُضيف ناظرة إلى ابنها بعطف وبأسى، قائلة: «ولم تكن تبلغ من العمر يا ولدي في ذلك الزمان إلا ست سنوات».

لم يتفاجأ هو بالموت، الذي وقع كصاعقة، كما تفاجأت هي، ولم يُصدم بخبره كما صُدِمت هي، ولم يَنُحْ حتى تألم من جاء للتشييع وللتعزية، كما ناحت هي، لأنه كان ما يزال طفلا، لا يفهم ما يحدث في دنيا الناس، فقد تصرفه أشياء أخرى، في مستوى عقل عمره. لم تكن تهتم إلا بما هي مُتحمسة له، وهو شغل البيت اليومي، ككَنْس الحجرات الثلاث، والمطبخ، وفناء ضيق، وتدمير خيوط نسيج العناكب من الأركان، وطبخ الطعام، وتصبين الملابس، واللُّحف، والأفرشة المبطّنة، والاعتناء بابنها بعطف وحنان، وقد غاب وللأبد من كان سندا، في تحقيق -بالكد في العمل- ما يُوفّر مُتطلبات أفراد الأسرة، فأُسنِد إليها وحدها هي فقط اتخاذ قرارات، يُشترط أن تكون صائبة في حياتها هي ويتيم الأب، وطال تفكيرها فيها، بعد أن تقاضت أول مبلغ معاش، واستفادت من مبلغ المؤمن به عن حادثة السير، كان الأول قليلا لا يكفي، ذلك أنه أُحتُسِب بسبع سنوات عمل المرحوم لا أكثر، والثاني كان قد يسّر لها بأن ترحل بابنها من تلك القرية النائية والمنعزلة، إلى إحدى مدن الساحل، الـمُوفِّرة إلى حد ما لفرص الشغل، اشترت به بيتا سفليا بحجرتين، ومطبخ، في حي قديم، واشتغلت مُنظفة بأحد الفنادق الراقية الـمُطلّة على شاطئ البحر، لأنها كانت عالية الهيكل، صارمة الملامح بأثر الفاجعة، حاذقة، حازمة، دائمة الحركة، لا ترضى لها نفسها الأبية بأن تُستضعف من طرف أي أحد، أو تمد يدها إلى أي أحد.

حملت الأثاث بحِرص، كأنها تشتاق إليه، إلى البيت الجديد، إلا الكتب التي كان زوجها يُطالع فيها، ويستزيد منها لتهيئ الدروس، وكراسات مُلخصات، وأوراق تقْييدات، وملفات مدنية وإدارية، فقد نقلتها إلى بيت ما يزال قائما في البادية، على قطعة أرض صغيرة ورثها عن أبيه، تُبَوّر، أو يتوقف حرثها على موسم مطير، وطمرتها هناك في حجرة وحيدة بباب خشبي سَمَرتْه، وتركتها، تُنسيها عنها مشاغلها بالمدينة، والسعي اليومي الكؤود لتوفير لُقمة العيش، ولم تتفقدها أبدا، فالأهم من هذا وذاك هو أن ينجح ابنها في جميع أقسام التعليم، ويحصل على شهادة جامعية عليا، فأفرغت ذهنها من أي مما يُلهيها عن ذلك، كما لم تعط لذلك البيت وتلك الأرض أهمية، في حديثها عنهما في بعض الأحيان إلى ابنها، لذلك كان يجهل ماذا يعنيه منهما بالضبط.

إلا أن كان ذلك اليوم الذي سافر فيه هو وليست هي، إلى ذلك البيت المنسي، لاهتمامات مُستجدة، وبرغبة في أشياء قديمة، دفعته إليه دفعا، وكان قد بلغ من العمر أكثر من ستة عقود، لتقع يداه هناك على ما يمده بغير ما كررت أمه حكيه عليه، ولتُدرك هي أنها كانت جاهلة بما تخلت عنه، وشعرت بزوجها وهو يُبعث من أوراقه، ليُطلعهما على الحقيقة الذي قلبت ما نُقل إليها في حينه، وعاشت أعواما تُحدّث نفسها به، وبغيرها لوعة وإحباطا، وبكت من جديد بحُرقة قاتلة لم تعهدها...

كان لا يُؤخره أيّ شأن عن العودة إلى البيت، بعد أن يُغادر مقر الشركة التي يعمل بها مُبرمجا معلوماتيا، ولم يكن من الكثيرين الذين تجذبُهُم لقاءات المقاهي، والأندية الليلية الدافئة، وتشتهي بطونهم الفارغة في ذلك الوقت أطباق الغير المنزلية المعتادة، ولا يشغله وهو في سكون حجرته أي شيء آخر غير الحاسوب، فإما يُنجِر به عملا مُستعجلا، كُلف به، أو يتصفح المجلات الرقمية، ويطلع على جديد المواقع الإلكترونية، فما أُعجِب به في إحدى المرات، ثم استهواه، وسعدت نفسه به، هو تلك الأشياء القديمة، أصيلة الصنع، والتي يعود تاريخها إلى أكثر من قرن، ومنها تُحَف لم يبق منها إلا نسخا واحدة، وتُعطي فكرة عن زمن زاهر، وفنية بائدة، وأُبهة زائلة، وكلاسيكية تحن إليها النفوس، تُعرض للبيع لجامعي التحف، والأشياء القديمة النادرة، كمجلداتٍ بهية الطبعات، وكتبٍ بحروف حبر لا يمحى، تشربها الورق، وأقلام حبر مُذهبة، ومحابر زجاجية، بأغطية نحاسية براقة، ومِقلمات خشبية، كانت تحفز على جدية التعلم، وساعات حائط رائعة التصاميم، بعقارب كانت تجعل إنسان القرن الماضي دقيقا في مواعيده، وساعات جيب فضية، وساعات المعصم، ومحفظات، وحافظات جلدية، وفوانيس، وطال تحديقه فيها، وأمعن النظر في تفاصيلها، وقال: «قد لا تخلو البيوت القديمة من مثل هذا»، وذهب به تفكيره هذا إلى ما كانت أمه تنقله إليه عن أبيه، فقال: «كان أبي رجل تعليم، فهو دَرَس في الجامعة، فتثقّف، فأين هي أقلامه، والمحابر، وحافظته، ومحفظته، ومفكرته، وكراساته، وساعته اليدوية، وكتبه ومجلداته؟».

وفي صباح يوم عطلة الأسبوع، من أيام الصيف الأولى، صفت فيها السماء مما يحجب شمسا مشرقة، بأن تشع عبر النافذة، في داخل الحجرة، وتغمره وأمَّه، وهما جالسان إلى مائدة الفطور، فكان أن أسعد نفسيهما ذلك الجو الرّائق، وكان فرصة مناسبة، تتفتّح له الخواطر، فتتدفق الكلمات من الأفواه، بدون ضيق، فذكّرها قائلا:
 كثيرة هي المرات حفّزْتِيني بالتدريس الذي كان يشتغل به أبي.

قالت:

 نعم كان أبوك يقرأ كثيرا، ويبحث في الكتب، ويُحضّر الدروس لتلاميذه في أوقات كثيرة.

فسألها:

 فأين هي الكتب، وكراسات التحاضير، ومُفكّراته، ومحفظته، وأقلامه، ومحابِره؟

سكتت فترة من الزمن، ثم قالت:

 جميع هذا الذي سألت عنه، هو في حجرة في بيت بأرض موروثة عن جدك، أوراق ملكيتها محفوظة.
وقامت، وفتحت دفتي خزانة، وأخرجت صُرّة فكّت عُقدتها، وأبرزت منها أوراق توثيق وتقييد قديمة.

قال لها بتأهب:

 سأذهب إلى هناك، لأرى الأشياء التي كانت لأبي.

وفي الغد سافر بسيارته إلى بيت مبني بالحجارة والطين، من بين تلك البيوت المتفرقة في أراضي البادية، وجال ببصره في أرض ليست بواسعة، وفي سور حجري وطئ، حرر بابا فيه من قُفل قديم، وخطا إلى أخشاب باب فكّها من مسامير، ودفعها، فَفَسحت له العتبة، فدخل، رائحة أشياء من الماضي هي ما اشتم أنفُه، وتقدّم بادئا بآخر ما وُضع من ذلك الرّكام، وشرع بفرزها، فهي كتب مجلدة، وأخرى بدفتي غلاف ورقي، ومجلات أكاديمية، علمية وأدبية، وخرائط، وأدوات كتابة وتسطير، ومسودات، وتصفحت يداه مُفكِّرة، قليلة الأوراق، وصغيرة الحجم، وكان أن قرأ أحدَ تواريخ وقائع يوم، فقال: «هذه يوميات، كان أبي يُدون البعض مما حدث في يومه»، تأبطها بحنين، وبشوق إلى قراءة ما كان يخطه أبوه بأسلوبه، وأتى من صندوق السيارة بكرسي يُطْوى، إلى تحت أغصان شجرة، وجلس عليه، يحيط به سكون البادية، إلا من تغاريد العصافير، وقرأ على الصفحة الأولى يوما من شهر، من العقد الثامن، من القرن الماضي، هاله عنوانه، وهو: جريمة قتل، فلم يستمر، ومرر الأوراق إلى تاريخ يوم آخر، فقرأ عنوانا هو: القاتلان، إلى آخر صفحة من ذلك اليوم، وليس بعدها إلا دفة اليوميات الثانية، فلم يسجل والده إلا حدثي يومين فقط، فاستغرب، وفكر، ثم قال: «يومان هما أخطر ما مر به»، وبعد تفكير مُمعن قال: «لكن عن أي جريمة، وعن أي قاتلين يتكلم؟ فوالدي كان رجل معارف، ويُدرّس، فلا مسلكا يؤدي به إلى أن يكون قد شاهد جريمة»، وشرع يقرأ باهتمام بالغ: «لم تطرأ علي الفكرة إطلاقا، لا في سنوات تعليمي الابتدائي، ولا الإعدادي، ولا الثانوي، ولا الجامعي، أن أسجل بعضا من أحداث أيامي، ولما شاهدت بعيني ما وقع، وجدتني أكتب عنه، فلفظاعته قد تلومُني الكلمة التي بها أسرد وأصف، فالحقيقة التي لا ريب فيها، هو أنني ما إن عُيّنت أستاذا في إحدى الإعداديات التعليمية، توجد في مركز قروي، حتى قررت أن أزور أقرب آثار مدينة رومانية، كانت لا تبعد إلا بخمس كيلومترا، تقع على الضفة اليسرى لواد جار ماؤه، لأسير تحت أقواس أبوابها الرئيسة، واجتاز عتبات بناياتها، وأتمشى على حجارة أرصفتها، وساحاتها العمومية، وأيضا إذا ما كانت بعثة تنقيبية تحفر عن حيطانها، لأرى كيف يقوم خبراؤها بذلك، وأكتب مقالات عن آثارها وتاريخها، وأُنظم إليها رحلة دراسية لطلبتي، ليلمسوا الحضارة المادية القديمة، وأواظب على قضاء وقت في قراءة كتاب بين أطلالها، التي يسودها سكون وهدوء، في أغلب أوقات اليوم والسنة، وكان قد شدّني إليه في هذا اليوم موضوع كتاب في التاريخ، وأنا جالس بين الجُدر القديمة المهدمة، وسافر بي أسلوبه الشيق في تاريخ أحد الشعوب السالفة، يصف به المؤلف حياته اليومية بإسهاب، كان سباقا ذلك الشعب إلى اختراع أشياء كثيرة، دفعته إليها شروط الاستقرار، وليتطور، وتكون له الغلبة، فيسود إلى حين من الزمن، فلم أنتبه إلى الوقت وهو يمر، ولم يكن أي شيء يُضايقني، ذلك أن جو بداية الصيف كان مُلائما، فلم أغادر المدينة الأثرية، وقد غربت الشمس، وزحفت الظلمة، وسكنت الدنيا، وودت أن أبقى في المكان بعض الوقت، لأحيا ليل آثار المدينة، ليتفتق ذهني عن أفكار جديدة، وكنت قد رأيت هناك على ضفة النهر ضوءا يسير لامعا بين الأشجار، وسمعت صوت تجديف في الماء، فأدركت أن هناك من يقترب من الآثار راكبا قارِبا، ثم رأيت ثلاثة أشباح تصعد السفح، على نور يُضيء من مصباح يدوي يوجهه أحدها أمامها، وتتوجه إلى آثار خزان ماء وبئر مردوم، أحيطت بأسلاك شائكة، إما لأنها مُعينة للحفر والتنقيب فيها، أو للحفاظ على فُسيْفِساء أرضيتها من وَطْآت الزوار، فتساءلت قائلا: «من هم هؤلاء، ولأي غرض هم هنا في هذا الوقت من الليل؟»، فتواريت خلف جدار، ودَنَوْا، ومروا أمام عيني فعرفتهم واحدا واحدا، أحدهم حارس الموقع الأثري، وآخر سائق الشاحنة، الذي ينقل غِلل الحقول إلى المدن، والآخر الحفار الذي يُزيل طبقة التراب السطحية، ليُمهّد ضرب المنقبين الأثريين في التربة بالـمَاَلج، وتذريتها بالفُرش عن اللُّقْيات، وما إن وصلوا إلى بقعة من الأرض حتى شرعوا في الحفر، ولاحظت أن تربتها طيّعة تحت معاولهم ومجارفهم، مما يعني أنها حُفرت في السابق، وما إن عُثر على ذلك الشيء حتى أهيل عليه التراب إلى وقت آخر، وحاولت أن أخطو مٌقتربا حتى أرى ما يحفرون عليه، فما ظهر لي تحت الضوء صندوق يلمع معدنه، مملوء بحُلي ونقود ذهبية رومانية، فهو كنز نبشوا عنه، وشاهدت السائق يمد بأوراق نقدية إلى الآخرين، إلا أن حفار الآثار جر بالمعول الصندوق الذي ما يزال مُتترّبا إلى ما بين قدميه رافضا المقابل، فدفع السائق بالحارس بعيدا، ودار بينهما كلام، ثم رجعا وحاولا الضغط على الحفار على أن يقبل بالمبلغ، إلا أنه رفض، فما كان من الحارس إلا أن قبض بإحكام بالمعول، ورفع السائق المجرفة وصارا ينهالان بها على رأس الحفار، حتى سقط هذا بدون حركة، ودمه ينزف، ففزعت وجريت مُبتعدا، إلا أنني تعثرت، فأحدثت رجلاي صوتا سمعه المتواطئان، فالتفتُّ فرأيت الحارس يتبعني ليعرف من أكون، فعدوت بسرعة وركبت سيارتي، ثم سُقتها بسرعة إلى بيتي، في الغد وأنا ذاهب إلى الدرس، رأيت السائق والحارس يختلسان النظر إليّ من سيارة يتوقفان بها بجانب الطريق، بنظرات غدر مخيفة، فأدركت أنهما عرف من يكون قد شاهدهما يقتلان حفار الآثار، فشعرت في الحين أنني مهدد، وبأن هناك وعيد إذا ما بلّغت بجريمة القتل، وبعثت بطلب انتقال إلى قرية أخرى أو مدينة، إلى المديرية المختصة، لأبتعد عن مكان الجريمة وعن مُرتكبَيها، إلا أنه لم يُستجب لي، لأنه طلب غير مبرر بما يُشترط، وأنا مُتكتّم على ما حدث».

ظل حينا من الوقت يعيد في ذهنه ما كتب والده، فهو يكاد أن ينسى حضور أبيه في البيت، واجتماعه به، وما كان يحدِّثُه به، إلا أن من خلال الكلمات التي عبر بها، استحضر شخصه، وأدرك إلى أي حد كان أثر التهديد عليه، وبقائه في ذلك المركز القروي القريب من الموقع الأثري، مكان الجريمة، وكان أن شعر بالعطف عليه، كأنه ما يزال على قيد الحياة، وقال: «كم كانت مُعاناتك النفسية، ومن فعل مريع، كنت أن وُجِدت في وقت قام به الفاعل، وكيف ضيّق عليك المتفقان على الانفراد بكنز الذهب ذاك، ونغّصا عليك حياتك، إنهما لأسوءا مجرمين قاتلين!»، وتساءل: «فماذا حدث في اليوم الذي تلي صفحاتُه؟ ويظهر من عنوانه أني سأقرأ أشر مما اطلعت عليه بعد قليل»، وبدأ بالجملة الأولى، فكان وقع كلماتها أشد: «حاول السائق قتلي بطريقة لا تترك آثارا، أو دليلا ماديا، وإن أفلتُّ في هذه المرة، فلن أنجو في المرة القادمة، فماذا حدث لي في هذا اليوم؟
لم يظهر حارس الموقع، ولا سائق الشاحنة في طريقي بعد يوم توعدهِما لي، بعيون تحذيرية، بثت فيّ الخوف، وأربكت تفكيري إرباكا، وزعزعت ثقتي بنفسي، فكنت أشعر في بعض الأحيان بأن وجودي لم يعد له أي أهمية، وبتفاهة حياتي، وبظلم لا أجد من يؤازرني فيدفعه عني، أو أجده طيلة الوقت في جانبي، فأستعيد شجاعتي وقوتي، ولم أنخدع، فإني كنت أعرف أنهما تخلصا من الجثة بطريقة طمراه بها، فلا أحدا يعرف مصيره من ذويه، أو غيرهم، إن كان له من يتنبه إلى غيابه، فيسأل، ويتحرّى عنه، وسأبقى أنا هدف سهميهِما، ولا أشك في أنهما يُخططان لتكميم فمي، إذا ما كنت سأُسِرّ بالجريمة إلى أحد، فينتشر الخبر، وصرت آخذ حذري في ذهابي ورجوعي، وأرتعب من عيون أظنها تترصدني، وأحدق في وجوه قد يتوارى خلفها وجها الحارس والسائق الحقيقيان، وأوجِس من أحد يلتصق بجدار بيتي، وقد استُدعيت إلى حضور يوم، يتدارس فيه الباحثون حضارات شعوب حوض البحر المتوسط القديمة، نظّمته إحدى كليات العلوم الإنسانية، فلم يكن لي بد من السفر بسيارتي، وإن فكرت أن استعيض عنها بالحافلة، إلا أن لهذه أوقات يلتزم بها السائق، ومحطات تتوزع على طريق طويلة، ولا خيار لي كذلك، فطريق واحد يربط بين القرية والمدينة التي أقصدها، وكنت قد قطعت أكثر من نصف المسافة، ووصلت إلى الوادي العميق، وانحدر بي طريق السفح، ولم أكن قد وصلت إلى القعر، الذي توجد على المياه الجارية فيه قنطرة، لأصعد طريق سفح الوادي الآخر، فإذا بشاحنة تحاول أن تتجاوزني من اليمين، وحاول سائقها أن يدفع سيارتي بي إلى الحافة، وبعدها هاوية الوادي، فكبحت من سير السيارة، واستطعت أن أؤخرها عن اندفاع الشاحنة، وانعطفت راجعا بسرعة، حتى لا يتعقبني السائق، فيُعاود المحاولة، ليجعل سيارتي تزيغ بي في صخور الوادي، عرفت أنه السائق القاتل، فلم استبعد أنه سيُكرر محاولة قتلي بهذه الطريقة، وهو بشاحنته لا يفرغ منهما ذلك الطريق، ومسالك معبدة أو غير معبدة، وتراه في محلات إصلاح المركبات الميكانيكية، وفي محطات الوقود، وفي القرى، وفي الأسواق الأسبوعية، ويتعرف إلى المهنيين، والحرفيين، والمزارعين، والتجار، فلا مخرجا لي من نسيجه العنكبوتي هذا».

كان ما قرأ مفاجأة، فصدمة، فانفجار في باطنه، فَرَجّة في جسده، فاحت الكلمات برائحة قتل ارتقبه والده، ولا يشك أحد في أن سيارته زاغت به في إحدى المنعطفات، فمزاحمة من السائق بشاحنته العريضة، ببضع مليمترات من هيكل السيارة، كافية لردم أبيه في تربة السفح الرخوة، أو في غَرين النهر، وقال بظن له دليل: «مات والدي مقتولا».

أعاد ما قرأه على سمعي أمه، فتفاجأت هي أيضا، فتعطل رمشُها، وجمدت أطرافُها، ودقّ قلبُها بسرعة، وصارت تضرب صدرها بكفّيها الكبيرين، قوّاهُما الدّعك والفرْك والتَّنفيش، تصيح بعويل: «أبيدي ما أفعل؟ غير توجيه دعوتي إلى خالق الآنام، القادر على الاقتصاص من المعتدين»، وسكنت أعضاؤها، ولكن باطنها ما يزال يفور، وهو يُعيد وشاحها المفكوك بحركاتها المنتفضة إلى رأسها، ويُلملم به ضفيرتين قصيرتين شيباء، المحلولتين بطوح بكائها، وقال:

 سأقوم بما لم يقم به أبي، بتحرير طلب إلى الإدارة المختصة، بإجراء تحقيق في جريمتين، وأُرفقه بنسخة من اليوميات، فيستمع خبراء إلى قتيل يتحدث من بين السطور، وبلغة كلمات.

نظر الـمُستجوِبون إلى رجلين تجاوزا العقد السادس، عيونهما مهدودة، بجبهتين مُتجعّدتين، وبشفتين ذابلتين، وجدوا الحارس بين شيوخ يلعبون الورق، في ساحة عمومية مُهملة، واستخبروا عن السائق، واهتدوا إليه وهو في خِربة، تُنادمه على شراب امرأة من ليالي الشوارع.

اعترفا بأنهما قتلا، وسألهما أحد المحققين، قائلا:

 دُفن الأستاذ القتيل، وله قبر بِشاهد، وجثة حفار الآثار أين هي؟

قصدا بالمحققين إلى النهر، وفي جانب الضفة الذي يلي الماء، قالا بأنهما طمر الجثة فيه، وكان ماء النهر يغمرُها في فيضانه، وينحصر عنها عندما يتراجع، أكثر من عقدين من الزمن، فكانت أن استحالت إلى بعض من العظام، ومحلول بطمي، وبحمولة الوادي المترسبة، من تراب وحصى، أما ذهب الكنز فقد باعاه إلى صائغ صَهره.

أحمد القاسمي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى