خان يونس - المدينة الفلسطينية المنكوبة

، بقلم محمد يحيى عبد الرحمن الفرا

* تأتي أهمية مدينة خان يونس من كونها ثاني مدينة في قطاع غزة من حيث كبر مساحتها..وعدد سكانها........وهي رابع مدينة فلسطينية من حيث نفس المعايير...وخان يونس في حد ذاتها هي قيمة... قيمة تاريخية...وقيمة حضارية... وقيمة مادية...

أولاٌ : قيمة خان يونس التاريخية :-

الجميع يعتقد بأن تاريخ خان يونس يبدأ ببناء القلعة والتي سميت بخان يونس سنة 1387م أي عام 789هـ...عندما أمر الملك المملوكي برقوق أحد أمرائه المرموقين وهو الأمير يونس ببناء هذه القلعة أو هذا الخان...ولو أن هذا لا يقلل من أهمية الربط بين القلعة وبين نشأة هذه المدينة...إلا أن الكثير من المؤرخين تركوا إشارات عابرة تقول أن المدينة ربما تكون قد بنيت على أنقاض مدينة إغريقية اسمها.."ينسس" وذلك قبل حوالي 500 سنة قبل الميلاد.

* إن اختيار الموقع الذي أقيمت عليه القلعة لم يكن بمحض الصدفة...إنه موقع هام في مكان حساس على طريق شريانية تصل مصر ببلاد الشام من قديم الزمان... وان هذا الموقع قد اختير بعد دراسة للمنطقة بأسرها ولظروفها ومعطياتها الطبيعية والبشرية...
* ودون دراسة كهذه لايمكن للقلعة أن تؤدي دورها أو تحقق أهدافها ولانتهى أمرها وتهدم بنيانها واندثرت معالمها كبقية المواقع التي فقدت أهميتها مع الزمن...ولكن الذي حدث كان على عكس ذلك تماما فقد نشأت حول القلعة مبان تزايدت مع الزمن حتى أصبحت قرية لها شأنها ومكانتها... شهدت أحداثا على جانب كبير من الأهمية ثم كبرت القرية وأصبحت مدينة تلعب دوراً لا يقل عن الأدوار التي تلعبها شقيقاتها من المدن الفلسطينية.

* هذا جانب من القيمة التاريخية لهذه المدينة...أما الجانب الآخر فهو تاريخ نضال أهلها عبر التاريخ من خلال الغزوات وحركة الجيوش العابرة لهذه المنطقة بالإضافة إلى السيرة الذاتية لرجالات هذه المدينة وشهدائها...فهو في الحقيقة تاريخ لا يستهان به ولا يجب أن يترك سدى ليكون مصيره الاندثار...

ونحن هنا لسنا بصدد تأريخ خان يونس فهذا الأمر متروك لرجال التاريخ ولكننا ذكرنا ذلك لنذكر بأن القيمة التاريخية هي قيمة مهمة يجب أن تأخذ حقها... وهي كذلك المدخل للحاضر الذي نحن فيه... وكيف أن الكثير من الحضارات سادت ثم بادت... لأنها لم تجد من يحقق التواصل بين حقبها الزمنية وكذلك لم تجد من يحافظ ويقدر موروثاتها...وهذا ما حدث في خان يونس وهو سبب من الأسباب التي دفعتني للخوض في هذا الموضوع.

* وفي تحقيق صحفي لجريدة القدس تحت عنوان " قلعة خان يونس بين الضياع والإعمار المتأخر"... نشر بتاريخ 4/1/2005 " تحقيقات صحفية "...اعتبرا وزير الآثار والسياحة السيد / مترى أبوعيطة...قلعة خان يونس أثرا تاريخيا عظيما... معتبر إياه من أهم المعالم الأثرية في فلسطين... وأن وزارته تخطط للبدء بمشروع دولي للحفاظ على القلعة...جاء ذلك بعد أن حل بالقلعة ما حل بها زمن الاحتلال فأزيلت ثلاثة أضلاع من أسوارها... وأزيلت أبراجها وما تبقى من آثارها الداخلية...

لكن ما يجلب الحيرة بل الحزن... هو ما حدث مع قلعة خان يونس عندما قامت مجموعة من الأفراد بالاعتداء عليها وأباحوا لأنفسهم هدمها تاركين أجزاء من واجهتها والتي لو استمر الاحتلال عده سنوات أخرى لأجهزوا عليه... قاموا بتقسيم أرضها فيما بينهم وأقاموا عليها منازل لهم وديوان لعائلتهم... كل ذلك حدث في فترة الاحتلال وبغطاء منه... رغم... مقاومة بعض أبناء خان يونس لهذه الاعتداءات... والغريب الذي ليس له تفسير أن هؤلاء المعتدين أكثر الناس ملاكاً للأراض في قطاع غزة..." أعرف واحدا منهم يملك 850 دونما"... فما حاجتهم إلى أرض مساحة القلعة التي لا تتجاوز الثمانية دونمات.
* لقد كان مبنى قلعة خان يونس آية من آيات الفن المعماري الإسلامي وهي وعلى هذا الأساس تدرس في كليات العمارة بمصر... كمبنى متكامل يحتوي على فندق ومسجد وأسواق وإسطبل لدواب القوافل التي كانت تنزل فيها أثناء سفرها من بلاد الشام إلى مصر وبالعكس... وهي بجوار جمالها المعماري فإنها تمثل عنصراً وسلاحاً هامين في صراعنا مع إسرائيل... أهميتها تأتي لتؤكد استمرار الوجود الإسلامي والعربي على ارض فلسطين... على عكس الإسرائيليين المحرومين من مثل هذه البينات والبراهين.

وإذا كانت أرض فلسطين أرض وقف.... فما بالك بقيمة الأرض المقام عليها المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي وقلعة خان يونس فهي أرض حرام على المعتدين... إن خسارة القلعة هي خسارة أخلاقية وإسلامية ووطنية.

مناشدة :

إنني ومن هذا المقام ومن على صفحات جريدة "الحياة الجديدة" الموقرة أناشد وزارة الآثار والسياحة ووزارة الثقافة ووزارة الأوقاف ومحافظة خان يونس وبلديتها وأعضاء خان يونس في المجلس التشريعي بالتحرك فوراً لإزالة هذه التعديات... وإدراجها كحالة استثنائية في كشوف إزالة التعديات... حيث أن السيد الرئيس / أبو مازن قد قام بنفسه بالإشراف على إزالة التعديات التي قامت على شاطئ بحر غزة... ونحن بدورنا لا نتوقع من الرئيس إلا أن يعطي كل اهتمامه وحق الاولوية لإزالة التعديات عن أرض قلعة خان يونس.

* في كل بلاد الدنيا يتم تقديم كل من يعتدى على الآثار أو يقوم بتزوير التاريخ للمحاكمة بتهمة تهديد الأمن القومي وهي قيمة تعادل الخيانة العظمى.

* المطلوب كذلك من أبناء خان يونس البررة وهم كثر... مطلوب منهم العمل على حفظ تراثهم وتوثيق تاريخ مدينتهم توثيقاً علمياً حتى لا يندثر أو يشوه... وحتى يؤمنوا تسليمه للأجيال القادمة... مطلوب منهم توثيق تاريخ رجالات وشهداء مدينتهم والعمل على تسمية شوارعها ومبانيها وميادينها بأسمائهم... لا أن تسمى المدارس لمن يدفع المال كما يحدث الآن.

ثانياً: قيمة خان يونس الحضارية :

لكل مدينة قيمة حضارية تتمثل في حدائقها ومبانيها القديمة والحديثة وتخطيطها... وعادات وتقاليد وسلوك سكان وأهل هذه المدينة... والصناعات القائمة فيها... ولقد كان حظ مدينة خان يونس في القيمة الحضارية مثل حظها في قيمتها التاريخية... فهي من أفقر المدن في الحدائق... حتى أن الحديقة الوحيدة التي أقيمت منذ أكثر من 70 سنة في ساحة الشهداء... اعيد إنشاؤها بطريقة تتنافر مع الثلاثي الذي يحيط بها... المسجد الكبير... مبنى البلدية... ما تبقى من القلعة... فجاءت الحديقة لتكون حاجزاً بينهما وكأنها تفرق هذا الثلاثي لا أن تربط بينهما... ناهيك عن أن المساحة الخضراء قد تكون معدومة ما أفقدها معنى الحديقة وجاء تأجير الأكشاك العشوائية والكفتيريات لتزيد الأمر سوءا وبشاعة.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى الأخطاء التي جاءت نتيجة عدم إعطاء الأولوية لشق الطرق طبقاً لما جاء في المخططات الهيكلية المعتمدة لسنة 1946...بل وإلغاء بعض الميادين والشوارع لهذه المخططات... هذا بالإضافة للقيام بعمل محلات على صور البرية وغض النظر عن البسطات والمخالفين فكانت النتيجة تكاثرهم بهذه الكمية لدرجة إغلاق شارع هام هو شارع البرية والذي يصل شرق المدينة بوسطها وغربها وكذلك يمنع الاتصال بين شمال المدينة وجنوبها.

* والمتبع عادة في جميع مدن العالم أنه عندما يصبح المرور مشكلة في أي مدينة تقوم البلدية بوضع حلول لهذه المشكلة وذلك بشق طرق فورية لإنقاذ المدينة وتسهيل سيولة حركة المرور بين أرجائها ويكون شق هذه الطرق أشبه بالعمليات الجراحية وهذا بالطبع يتطلب صرف مبالغ طائلة للمتضررين من السكان الذين نزعت ملكية بيوتهم وأراضيهم... في خان يونس حدث العكس.

* إن ما آلت إليه مدينة خان يونس من تخلف حضاري جاء نتيجة ما سبق ذكره بالإضافة إلى العشوائيات والمخالفات والسياسات الخاطئة في تغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة بالإضافة إلى عدم الأخذ بعين الاعتبار للناحية الجمالية في المباني وعدم الاهتمام بواجهات المباني وكذلك عندما قامت البلدية بإنشاء مشاريع غير مدروسة تقلل من القيمة الحضارية للمدينة...

* لقد أصبحت شوارع المدينة مرتعاً لسيارات شفط المجاري وعربات الكارو التي تقودها الحمير والبغال والتي تترك مخلفاتها وروثها في كل مكان.

* كل ما سلف ذكره أثّر على سلوك السكان فأصبح سلوكهم سلوكاً مع الأسف الشديد... سلوكاً غير حضاري وأصبح خيرة أبناء خان يونس يغادرونها ويأخذون أماكن أخرى لسكناهم... وتراهم خجلى من مظهر وقذارة مدينتهم... حتى أن الصفات البغيضة لعائلتها قد سادت بين أفراد عائلاتها على حساب الصفات الحميدة التي كانوا يتحلون بها... في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات كانت كل عائلة تتفاخر بوجود المثقفين والمتعلمين بين أبنائها وكانت تشعر بالعار والخجل إذا خرج من بين أفرادها من يعتدي على الناس ولا يحترم عاداتهم وتقاليدهم وحرماتهم... أما الآن فنجد أن العائلات تتفاخر كلما زاد عدد الخارجين عن القانون فيها... وسادت الغوغائية والفوضوية والهيات.

ثالثاً: قيمة خان يونس المادية :

* من معرفتي بأسعار الأراضي وتكاليف المنشآت من مبان سكنية ومستشفيات ومدارس وجامعات وخلافه... بالإضافة إلى الطرق والخدمات القائمة... فإنني أستطيع وضع تقدير لقيمة خان يونس المادية وهو مبلغ ليس يسيراً... إذ جاء نتيجة عملية تراكمية لجهود وتعب عدة أجيال من الأجداد والآباء والأحفاد... إن رقم أربعة مليارات دولار (4 آلاف مليون دولار) هو يساوي القيمة المادية للمدينة حسب الأسعار الحالية.

* إن هذا الرقم قابل للزيادة أو النقصان كلما تقدمت المدينة حضارياً أو تخلفت... وعليه فإن أي فرد من سكان وأهالي المدينة يمتلك أرضاً أو منشأ فإن تقدم المدينة سوف يرفع من قيمة هذه الأملاك وعكس ذلك صحيح... لذلك فإن تقدم المدينة يحقق المنفعة العامة لجميع أهلها.

ملاحظة

مستشار وزارة الاشغال العامة والاسكان السابق

من نفس المؤلف