المارد الكبير الودود «بي اف جي» ٢٠١٦

، بقلم مهند النابلسي

"سبيلبيرغ" عندما يحول "الفنتازيا" الروائية الخالصة لمغامرة شيقة ولمتعة سينمائية ظريفة وواقعية مدهشة!

القصة تستند لرواية شهيرة لرولاد دال صدرت في العام 1982...قام بالأدوار الرئيسة كل من رايلانس (صاحب الاوسكار بجسر الجواسيس)، روبي بارنهيل، بينيلوب ويلتون، جيميي كليمنت، ربيكا هال، راف سبول وبيل هادر.

يحدث في هذا الشريط أن تتصادق فتاة صغيرة يتيمة مع عملاق لطيف ودود، حيث يأخذها بدوره لبلاد المردة، ويسعى جاهدا معها لايقاف زحف المردة "آكلي البشر والأطفال خصوصا" عن العالم الانساني الحضاري.

قام كل من كاتلين كينيدي وفرانك مارشال بيغان بتطوير واقتباس النص الروائي للسينما في تسعينات القرن الماضي، تم عرض الفيلم بافتتاحية مهرجان كان 2016/ماي، واطلق في صالات العرض التجاري بالشاشات الثلاثية وآي ماكس، وقد لاقى ثناء نقديا جيدا (75%) ونجاحا جماهيريا مقبولا، واكاد اجزم بان كل من لم يشاهد الفيلم بتقنية عرض الثلاثة دي/آي ماكس فهو لم يستمتع بالعرض اطلاقا، كما أن الكتابة عنه تفتقر في هذه الحالة للمصداقية والجدية، حيث يمكن لأي قارىء ملم بالانجليزية أن يترجم باختصار أدبيات الشريط بشكل ميكانيكي ممل ومكرر وبلا شغف!

تتحدث القصة عن طفلة يتيمة اسمها صوفي، تعيش في ميتم فتيات يدار من قبل سجانة معقدة وحازمة تدعى "مسز كلونكرز"، وفي ليلة ما ترى صوفي من شرفة الميتم شبح شخص ضخم ينفخ أشياء من خلال "منفاخ" لداخل غرف النوم أسفل الشارع...وعندما يتم اكتشافها من قبل الشخص الضخم الغامض، يبادر بخطفها مسرعا لمنزله الغريب المجاور لأرض المردة... هناك يعرفها على نفسه بأنه "المارد الضخم اللطيف"(بي اف جي)، الذي يقوم عادة بنفخ الأحلام لداخل غرف نوم الأطفال، ثم يشرح لها بأنه يوجد مردة آخرين مخيفين وعمالقة يقومون عادة بأكل البشر وخصوصا الأطفال...ولأن صاحبنا الظريف يرفض أكل الناس وسرقة الطعام، فانه يكتفي عادة بتناول خضروات ضخمة كريهة ذات رائحة منفرة تشبه الخيار وتسمى "سنوز كومبر".

يتصادق العملاق الودود مع صوفي بسرعة، ولكن صوفي تتعرض لخطر فجائي مع قدوم مارد ضخم شرس الهيئة والمنظر يدعى "بلود بوتلر"، والذي يشك باحساسه وحاسة شمه القوية بأن "بي اف جي" يخفي في كهفه كائنا انسانيا صغيرا، فيدب الذعر في صوفي وتخفي نفسها داخل "خيارة ضخمة" كريهة المذاق دون معرفة صديقها العملاق، وحتى يخلص صاحبنا من شر المارد المتطفل فانه يقدم له نفس الخيارة الكريهة المذاق...فيحدث أن يقوم "بلود بوتلر" ببصقها مع صوفي دون أن يعلم بوجودها داخل فمه الشهواني، ثم يغادر بقرف واستياء وهو يتوعد العملاق الودود بزيارة مرتقبة مفاجئة...وعندما تعلن صوفي عن عطشها، يقدم لها العملاق مشروبا فوارا غريبا يدعو "فروب سكوتل"، يسبب ازعاجا لأن فقاعاته تذهب للأسفل وليس لسطح المشروب كالعادة، ويسمي هذا المشروب الغريب "ويز بوبنغ"...وفي اليوم التالي يأخذ المارد صديقته صوفي لأرض الأحلام لصيد أحلام جديدة، ونراه يعاق ويطارد من قبل المردة النائمين، حيث يطارده زعيمهم الأكبر المخيف والذي يدعى بآكل اللحوم "فليش لوم ايتر"، ونلاحظ نحافته وصغر حجمه مقابل بدانتهم وضخامة أجسامهم، ويسخرون منه بقذفه كالكرة بينهم!

هناك في بلاد الأحلام يستعرض العملاق اللطيف مهاراته وشغفه بصيد الأحلام، ولكنه بالخطأ يصيد بعض الكوابيس، ثم يستخدمها بقصد للتعارك مع المردة المتوحشين...وتنجح صوفي باقناعه للسفر والوصول لقصر الملكة البريطانية لاقناعها بالقبض على المردة واعتقالهم والتخلص منهم، ثم تنجح باستخدام معرفتها الجغرافية لتوصيل صديقها العملاق اللطيف بصحبتها لقصر بيكنغهام الشهير بوسط لندن، ويتمكن المارد اللطيف من صناعة كابوس مخيف يلقيه في ذهن الملكة المستغرقة في النوم، مركزا على ممارسات المردة آكلي البشر ووحشيتهم الجامحة، ثم يترك صوفي في حجرة الملكة المحروسة لتوضيح خفايا الموضوع، حيث تتضمن مشاهد الحلم وجود الطفلة صوفي، لذا فالملكة تصدقها بلا تردد بعد استيقاظها، وتطلب منها صوفي أن تسمح للعملاق الودود الخجول بالتحدث مباشرة مع جلالتها لشرح خفايا الموضوع.

وبعد جهود مضنية من قبل طاقم موظفي القصر الملكي يتم تجهيز طاولة ضخمة وكرسي عملاق مناسب للمارد الودود، ثم يقدم له فطور شهي فخم تحدث من خلاله طرائف عديدة، منها بصقه المفاجىء للقهوة الساخنة على الخدم الواقفين لعدم تذوقه لها، كما تتناول الملكة برفقة صوفي الفطور بطاولة مجاورة، وهي تتأمل باستغراب طرافة ممارسات وسلوكيات العملاق وطريقة حديثه وتناوله النهم لكميات الطعام االوفيرة المقدمة له...ولاحقا تتصل الملكة تلفونيا بكل من ملك السويد و"سلطان" بغداد لتأكيد حيثيات قصة المارد اللطيف، ونعلم أن فريق المردة المتوحشين قد قاموا بزيارة هذين البلدين خلال الليلتين السابقتين، ثم تأمر الملكة قادة الجيش البريطاني ومارشالات سلاح الجو لملاحقة المردة بلا هوادة حتى اعتقالهم لنفيهم لمكان ناء، وبالرغم من تردد هؤلاء في البداية الا انهم يقومون بالتعاون المطلوب، ونرى قافلة من المروحيات ترافق صوفي والعملاق اللطيف لأرض المردة، وتفاجئهم كالعادة وهم نيام، حيث يتم تربيطهم بسهولة واعتقالهم واعادتهم الى لندن، ليتم التوجه بهم لاحقا لجزيرة نائية مخصصة لهم...ونلاحظ أن قائدهم آكل اللحم العملاق المتوحش يقاوم ببسالة، حيث تتمكن صوفي والمارد اللطيف من التحايل عليه لاقناعه بالاستسلام ليتم تربيط قدميه ورجليه، ثم يهجرون جميعا لحفرة معزولة ليصبح "الخيار الضخم المتعفن"(مع كم هائل من البذور) هو طعامهم الوحيد...في المشاهد الأخيرة للشريط الشيق، يتم بناء قلعة ضخمة لتصبح المنزل الجديد للعملاق اللطيف الذي يستمتع بتنمية عدد متنوع من الخضروات المفضلة لديه، وبجواره كوخ صغير انيق تقطنه صوفي الذكية، ليعيشوا بالجوار في أمان ووئام ليباشر هو بدوره بتأليف كتاب يتضمن مغامراته العديدة (المقصود الرواية ذاتها)، وليبقى مثابرا على بعث الأحلام... وينتهي الشريط الممتع بتجاور صوفي مع المارد الودود، وكانه يسعى لتخفيف شعورها بالوحدة بواسطة بالحديث معها وسماعه لها، حيث نلاحظ في المشهد الأخير اللافت مبادرتها بالهمس الناعم "صباح الخير أيها المارد اللطيف"! ويسمعها مبتسما...ونعلم ضمنيا أنهما تقبلا العديد من الهدايا الجميلة المقدمة من الحكومات والدول التي سبق واستهدفت من قبل "المردة المتوحشين"، مثل بريطانيا نفسها ثم السويد والعراق والجزيرة العربية والهند وباناما والتيبت وأمريكا بطبيعة الحال، وأستفسر هنا بدوري فهل تتضمن هذه النهاية مجازا يقصد به "الارهابيين العالميين" (مثل الدواعش وأمثالهم)اللذين تمثلوا هنا بالمردة المتوحشين "آكلي البشر"، وما المقصود بتسمية دول بعينها لتقديم الهدايا؟!
حافل بالايماءآت والايحاءآت ذات الدلالة:

...ومنها لطف العملاق وطيبته وحزنه ونحافته وذكاءه وحساسيته، مقابل المردة الآخرين البدينين الضخمين والمخيفين المتوحشين الجلفين والأغبياء، اللذين لا يفعلون شيئا سوى النوم والتسكع والمراوغة في الأنحاء والبحث عن ضحايا "آدميين" لافتراسهم...ثم طريقة العملاق باخفاء نظارات "صوفي" الضائعة لتضليل رئيس المردة الخبيث ولتجنب تكسيرها، ثم التركيز على العلاقة التفاعلية بين العملاق والطفلة صوفي، وتضمينه لنكاتا طريفة تسعد الأطفال، مثل تناوله "لأصوات الضراط" كبديل للتجشؤ بفضل الشراب الفوار الغريب الذي تذهب فقاعاته للأسفل بدلا من السطح!

كما تكمن طرافة الشخصية بصوت المارد المضحك ولكنته المشوهة، وبطريقة مشيته الهزلية التي تتمثل برفعه لاحدى ساقيه وكانها أثقل من الاخرى...كما بطريقة حفظه للأحلام في جرار خاصة، وبفصله لها ما بين جيدة ومخيفة، محاولا ان يخفي الأخيرة عن صوفي، وبدا ملهما عندما تحدث بشغف عن "الأرض" وسماعه لها، فهو يقول لصديقته الصغيرة "أطرف القصص أسمعها من الأشجار ذاتها وكل الهمسات السرية في العالم"!

انها قصة شيقة حول أهمية الأحلام وحكايات الطفولة تتطرق للوحدة والعزلة والحنين والصداقة والبرغماتية، كما تركز على أهمية الاصرار والمثابرة حتى النجاح، وتلقي الضؤ على "سحر الصداقة" بين أشخاص "غير متجانسين" اطلاقا!

قصص الطفولة واليتم والحزن والعزلة في فانتازيا "نصف تحريكية" آخاذة!

خلط سبيلبيرغ في هذا الشريط ما بين العناصر العائلية وقصص الطفولة واليتم والحزن والعزلة، وأدخل عليها عناصر جذابة من الخيال العلمي والفنتازيا وفن التحريك، وحولها لقصة حية واقعية متماسكة، تماما كما سبق وأبهرنا بفيلم "مغامرات تان تان" في العام 2011، وربما يعد هذا الشريط المدهش استمرارا لمسيرة المخرج المتمكن في "آي تي والمخلوقات الفضائية ولاحقا بجوراسيك بارك"، وبدا وكأنه معجب تماما بشخصية الممثل البارع مارك رايلانس(الحائز على الاوسكارعن دوره الاستثنائي بجسر الجواسيس ) فقد اقتبس صوته وشكله وأسقطه ببراعة على شخصية العملاق الودود الحزين...وأخيرا فقد أبدع بتقديم المشاهد من خلال عيني الطفلة البريئة الذكية، وأثار بنجاح لدى الكبار "دهشة الطفولة" والحنين لها، ونجح بتجسيد الرواية الفنتازية مع أدق التفاصيل وأثبت عبقريته السينمائية مرة جديدة، كما أثبت لكل المهتمين بالسينما أن لا شيء يقف عائقا بوجه عظمة وبراعة التطور في فنون "المؤثرات الخاصة والمونتاج والتحريك والتصوير والموسيقى التصويرية".


مهند النابلسي

عضو رابطة الكتاب الأردنيين- عضو اتحاد الكتاب العرب

من نفس المؤلف