المشترك اللفظي

، بقلم فاروق مواسي

قرأت في صفحة الشاعر الصديق جريس دبيات قصيدة تحية أرسلها للشاعر المعلم سعود الأسدي:

عرفتُكَ مُذْ وعيتُ الشعر عَيْنا
نهلْنا عنكَ بحرَ الشعر عينا
وكنتَ لنا على الآثار عينا
تنادينا الى المأثور عينا
قضيتَ العمر بين الناس عينا
تُرَوّي الجيل بعد الجيل عينا
أخاف عليك يا أستاذ عينا
إذا اختاروا لحرف الضاد عينا
سألتُ الله أن يَكْلاكَ عينا
لتبقى قُرَّةَ العَيْنيْنِ عينا
مُريدُكَ لا يزال يراكَ تاجًا
على فَوْدَيْهِ مِلْءَ العينِ عينا

المعاني على الترتيب:

1- السيّد الرئيس 2- النبع 3- الرقيب 4- العلم والنظر 5- الطليعة 6- الخالص 7- عين الحسد 8- الهيئة والمنظر 9- العين الباصرة 10- خيار الشيء 11- الذهب.

بالطبع فإن جريس خاطب سعودًا بهذا العرض اللغوي، أولاً لتذكيرنا بأنه يخاطب معلمه للغة العربية، وها هو الشاعر دال على معرفته وموضع ثقة، وثانيًا لأن سعودًا شاعر الفصيحة والدارجة يهتم كثيرًا بتنوع المعنى والدلالة في توزيع أبياته، ولهذا أحب أن ينسج على المنوال بتجربة عازفَة، وتفننًا يحاوره فيه.

يلاحظ القارئ أن اللفظ الواحد (العين) يدل على معان مختلفة، وهذا يسمى "المشتَرَك- (polysemy).

من معاني (العين) الباصرة، ينبوع الماء، الرقيب، سيد، المطر، ديدبان أو جاسوس، النفس، حرف العين، الحسد، الشمس، خيار الشيء، الذهب، وهي تبلغ نحو المائة. والمذكور منها في القرآن نحو سبعة عشر كما ورد في مادة "ع ي ن" في (تاج العروس) للزَّبيدي.

أما كلمة (الخال) فقد روى ابنُ بِرّي في (لسان العرب) ما يدل على معان مختلفة لها:

أتعرف أطلالا شَجَونك بالخال
وعيشَ زمان كان في العصُر الخالي؟

(الخال الأول: مكان، والثاني: الماضي
لياليَ ريعانُ الشباب مسلَّطٌ
عليَّ بعصيان الإمارة والخال

(الخال: اللواء)

وإذ أنا خِدنٌ للغويِّ أخي الصِّبا
وللغزلِ المِرِّيحِ ذي اللهو والخال

(الخال: الخُيَلاء)

وللخَود تصطاد الرجال بفاحمٍ
وخدٍّ أسيل كالوذيلةِ ذي الخال

(الخال: الشامة، والوذيلة= المِرآة)

إذا رَئمتْ رَبعًا رئمتُ رِباعَها
كما رَئم المَيثاء ذو الرئية الخالي

(الخالي: العزَب)

ويقتادني منها رخيم دلالِها
كما اقتاد مهرًا حين يألفه الخالي

(الخالي: من الخلاء)

زمانَ أفَدَي من مِراح إلى الصِّبا
بعمِّيَ من فَرط الصبابة والخال

(الخال: أخو الأم)
وقد علمتْ أني وإن ملت للصبا
إذا القوم كعّوا لست بالرَّعِش الخالي

(الخال : المنخوب الضعيف)

ولا أرتدي إلا المروءةَ حُلَّة
إذا ضنَّ بعض القوم بالعصْب والخال

(الخال: نوع من البرود)

وإن أنا أبصرتُ المُحولَ ببلدة
تنكَّبتها واشتمتُ خالا على خال

(الخال: السحاب)

فحالفْ بحِلفي كلَّ خِرقٍ مهذَّبٍ
وإلا تحالفْني فخالٍ إذاً خالِ

(من المخالاة
وثالثُنا في الحِلف كلُّ مهندٍ
لما يُرْمَ من صمِّ العظام به خالي

(أي قاطع)

وقد نظم بطرس كرامة أبياتًا أخرى في (الخال) وصلت إلى أربعين معنى، نشرت في كتاب جمعه شاكر البتلوني (نفح الأزهار)- بيروت- 1899، ص 20.

وثمة كلمات أخرى وردت في المشترك، منها: العجوز، قضى، الإلف، التاجر، الأرض...إلخ

ولا يظنن ظان أن المشترك ظاهرة في العربية فقط، بل نجده في لغات العالم المختلفة، لكنه أكثر في العربية، ولا يفقهه إلا المتبحرون في اللغة، وذلك بسبب الغموض الذي يظل في دلالاته المتباينة.

يقول أبو علي الفارسي عن المشترك أنه "من لغات تداخلت، أو أن تكون لفظة تستعمل للمعنى، ثم تستعار لشيء، فتكثر وتصير بمنزلة الأصل". ( ابن سيدَه: المخصص، ج13، ص 259).

لا يعد إبراهيم أنيس الكلمات التي بينها رباط من المشترك، بل يقصره على الكلمات التي ليس بينها رباط، فلكلمات (العين) التي تعني الباصرة والجاسوس والرقيب يكون الارتباط بينها ظاهرًا، والمجاز هو الأولى. (أنيس: من أسرار اللغة، ص 41-42).

اشتمل كتاب السيوطي (الإتقان ، ج1، ص 372- 373) على تفصيل المعاني التي يدل عليها كل لفظ مما يلي:
الهدى، السوء، الصلاة، الرحمة، الفتنة، الروح، القضاء، الذكر ، الدعاء.

يفرد السيوطي في (المُزهر ، ج1، ص 369- معرفة المشترك)- الفصل الخامس والعشرين بابًا يتناول فيه الآراء المختلفة حول المشترك، وعددًا منها مع معانيها، كما يذكر بعضًا من أسباب المشترك:

"ومن الناس من أوجب وقوعه- قال: لأن المعاني غير متناهية والألفاظ متناهية، فإذا وزع لزم الاشتراك".
..
أيا كان الأمر، فنحن ندرس لغتنا جهدَنا، وجدير بنا أن نعرف الأضداد والترادف والمشترك والإتباع، وهذه ثقافة وإثراء في اللغة والأدب، ولا مشاحة أن النماذج الشعرية أعلاه دليل معرفة واطلاع، وسياحة لغوية فيها انتفاع.

لكني أنصح في لغة اليوم أن نخصص المعنى الواحد للفظة الواحدة، فاللغات العالمية العلمية الحديثة توجب تحديد المعنى للكلمة وتحديد الكلمة للمعنى، وألا يكون هناك أي لبس في اللفظة أو في المصطلح.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف