توظيف المتخيّل الشعبي و الأسطوري

في مجموعة «أوراد لأجنحة التراب»

، بقلم الهادي عرجون

المجموعة القصصية «أوراد لأجنحة التراب» لكاتبها علي الخريجي أصيل مدينة مارث. حوت بين جنياتها على 101 صفحة تحمل 09 أقاصيص تصدرت أقصوصة «أوراد لأجنحة التراب» صفحاتها الأولى وهو عنوان المجموعة التي نتولاها بالبحث والقراءة لقد أدهشني وجذبني أسلوبه المتميز والساحر الذي يستميل القارئ ليعيش في حواره مع قارئه الذي يبسط له الأحداث ويرتبها له بعيدا عن التهويم والتغريب وهو في معانقته لتفاصيل الواقع يأسر القارئ ليتماهى مع الأحداث ويتفاعل مع شخصياته القصصية في أسلوب قصصي مميّز.

ففي المجموعة القصصية «أوراد لأجنحة التراب» تتراءى لنا في الوقت نفسه اللغة البسيطة والعميقة مع سهولة وتلقائية في معالجة وتناول الأحداث، فهو يوظّف التراث الشعبي من حكايات وأساطير توظيفا مقنعا أعطى للقصص سمة إبداعية وجمال لجلب القارىء نحو خيوط النهاية و تتبع مسار النص دون أن يخذل القارىء بمطبات تفقده لذة القراءة ومتعة السير في دروب نصوصه والمزج تارة في الحكاية الشعبية والقصّة القصيرة وبين التقاليد والموروث الشعبي الشفاهي وقواعد السرد الحديث.

إذ يعتمد الكاتب في أقصوصة «أوراد لأجنحة التراب» التي تحمل عنوان المجموعة في أسلوبه على توظيف الحكاية الشعبية والخيال الشعبي الأسطوري كما في قوله: «أعرفه لقد شاهدته على بعد ثلاثة أيّام»ص9.

وكذلك قوله: «تمشي على الماء؟ بركاتك يا صاحب السرّ» ص10.

تجسيد لكرامات الأولياء والمفهوم العامي ( لأصحاب الخطوة) والايمان بالأولياء الصالحين وكراماتهم يقول في الصفحة 19 :«سيدي ومولاي الواصل الغوث الربّاني، نعم هذه طريقة في الحج أيضا وهذا مشهور طريقته» مستعملا أسلوبا تشويقيا معتمدا على وسائل الاثارة وهو دليل على براعة كاتبها وليل على تمكنه من أدواته الفنية فالخيال الشعبي تلقائي ساحر أضفى على القصة سحرا وصورا ممتعة جذّابة خدمت النص وسمت بمعانيه.

وهذا الاختيار لم يكن عشوائيا لدى كاتبنا «علي الخريجي» ولكن اختيار واع طبع أغلب أقاصيص المجموعة ولاتكاد أقصوصة تخلو من القصص الشعبي والتراثي وكذلك المعتقدات المرتبطة بالخرافات والخوارق حيث استعمل التراث الديني والتاريخي والثقافي الشعبي (خرافات – سحر – جان…)

ففي أقصوصة «نجمة والنخلة المقدّسة» يقول: «سمعت الامام يقول إن الله أمر الملائكة فوضعوا التراب الذي خلق منه آدم في المنخل ونخلوه فماكان لبابا صافيا أخذ طينه لآدم…» ص28.

وكذلك في قوله: «ووضع خليل الربّ هذا في شريعته التي تقوم على مبادئ تبدو عادلة وقتها مواد قانونية لحماية النخل وتعهّده» ص30.

ثم يضيف في الصفحة 31 من أقصوصة «نجمة والنخلة المقدّسة»

«ألا تعرف أننا كنا نكفن موتانا في حصر سعف النخيل بعد تحنيطهم»

وكل هذا يندرج ضمن المخيال الشعبي الديني، كما أن الحكاية الشعبية والموروث الشعبي العامي الذي مازال أجدادنا يحكونه لنا كانه حقائق عاشوها أو أحداث عاصروها إذ يقول في أقصوصة «قالت جدّتي»:

«أحدق مليا أبحث عمّا يشدها من حاحبيها إلى القمر وهي منشغلة بإبنها الذي يلهو برغيف قذر متسخ بفضلاته» ص39.

ثمّ قول: «لم يستطع أن يبلغ الثديين لقد كانا مشدودين هما الأخران إلى شيء ما في القمر يتأرجح بين السماء والأرض» ص39.

وكلنا يتذكر هذه القصة التي حكتها جدّاتنا عن المرأة التي لم تجد ماتنظف به فضلات ابنه غير رغيف خبز فكان عقابها أن علقت من الحاجبين والثديين عقابا لها وهذه القصّة مازالت تدور في مخيلتنا كلما نظرنا إلى القمر.

كما أن حكايات الجدّات عن الغول والعنقاء التي تحكيها بشيء من الحذر والوقار وبوشوشات كأنها تخاف أن يظهر الغول أو يخرج من الجدار فتتزاحم الأفكار في دواخلنا وترتعد الفرائص وترتفع دقات القلوب لذكر الغول والعنقاء.

يقول الكاتب في الصفحة 46 : «كما كانت جدّتي تخاف علينا من العنقاء ونحن في الصبا الأوّل ومن الغولة لما كبرنا».

ثم يضيف: «وأنا لم أجرب العبث……من أنت؟ فريني من الجن، روح، هامة»

أمّا في قصة «الهلال والربوة» فقد جعل من الهلال مسار حديث وحدث التقى فيه المفهوم العامي والديني والأسطوري والتاريخي حيث يقول في الصفحة 59: «قال يحكى أن عثمان الأول شاهد في حلم ….وهكذا أبدأ فتوحاته لتحقيق الحلم».

وكذلك في قوله صفحة 60: «لكن الهلال كان أيضا أيقونة النصر في الجاهلية العربية»

لينتقل بنا بعد ذلك إلى عديد المفاهيم فالهلال كان رمزا لآلهة الجنس والعهر في حضارة بابل وآشور يقول في الصفحة: 60: «بل إني على يقين أن الهلال رمز عبادة آلهة الجنس والعهر البابلية عشتار ولايزال موجودا على رؤوس تماثيلها الرخامية…»

ثم يحيلنا إلى رمزية الهلال في الحضارة الاسلامية في تحديد أشهر الحرم والصوم و الفطر و الأعياد والحج.

يقول في الصفحة 60 : «كان النبي يقول إذا رأى الهلال اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والاسلام» وكذلك في قوله في نفس الصفحة وستجد في القرآن: «يسألونك عن الأهلية فقل هي مواقينا للناس والحج».

كما أن رمزية الهلال لاتقف عند هذا الحد بل لها كذلك بعد تاريخي ليتجلى لنا تشابك عن الفكرة وتشعبها مع تعددّ معانيها ورؤاها.

إذ يقول الكاتب في قصّة «الهلال والربوة» ص64: «هذا الشكل الذي يشبه الهلال أوّل من صنعه النمساويون احتفاء بانتصارهم على العثمانيين وهلالهم وكأنهم يأكلون شعار أعدائهم…».

فبناء القصّة المتكامل وانسيابيتها الممتعة يمكن اعتبارهما من العناصر المهمة للتشويق فالبساطة والخيال إنما هو وسيلة لاستخلاص العبر من اختيار هذا الأسلوب مع مصاحبة الكلمات النابضة التي تقرّب القارئ لأبطالها والأبطال للقارئ لتحصل الحميمية التي هي نتاج مهارة قصصية وأصابع مبدع غير مرتعشة.

كما نلاحظ في هذه المجموعة تقديس للموروث الشعبي ونقدا له في ذات الوقت وقد استخدمه بأسلوب مثير ومقنع فهو انعكاس للواقع المعيشي وبدخول الكاتب لعديد التفاصيل الدقيقة إنما يحاول استجلاء بواطن الجمال في المكان مع التأمّل والاصغاء لما تركه الأسلاف الذين يشكّلون ذاكرة جماعية ممتدّة وعادات تقص عنها الأديب «علي الخرجي» الغبار وعن تفاصيلها وهو استخدام مكثّف صبغ أقاصيصه.

فالقاص «علي الخريجي» في مجموعته القصصية «أوراد لأجنحة التراب» له مهارة في اقناع القارئ وشدّه لخيوط النصّ القصصي بأسلوب رائع وخيال جامح رغم مايحمله الواقع من حقيقة أكثر مرارة وأكثر جرحا مما جعل شخصيات المجموعة يثورون ويتمردّون على الواقع المعيش.

كما نشير في خاتمة الدّراسة إلى أنّ تفاوت توظيف الخيال الشعبي والموروثات الأخرى من أمثال شعبية ومعتقدات في بقية الأقاصيص لذلك إرتأينا تناول الأقاصيص الأربعة الأولى من المجموعة لما حملته من تكثيف للمخيال الشعبي وجمالية توظيفه في السرد لينعكس لنا ما يرمي إليه الكاتب من دلالات رمزية وايحائية.


الهادي عرجون

شاعر، وناقد تونسي

من نفس المؤلف