الحوت يبتلع القمر

، بقلم فاروق مواسي

لمن البيتان التاليان، وما هو المقصود بقول الشاعر: "الحوت يبتلع القمر".
..
أبصرت فاتنة العقول وعندها
رجل نبا عن قبح طلعته النظر
ودنا يقبّلها، فقلت مناديًا
ضِجّوا فإنّ الحوت يبتلع القمر

بعد جهد ومتابعة توصلت إلى أن الشاعر هو أمين ناصر الدين اللبناني (1876- 1953)، وله مجموعة "صدى الخاطر"- 1931، وفيها ورد البيتان.

ذلك لأنني اهتممت بالبحث عن الشاعر- صاحب البيتين، وقد كان يرددهما على مسمعي المرحوم الشيخ يوسف صالح قعدان، وهو شاعر لقب في باقة "الأصمعي".

الوصف الشعري واضح الصورة:

امرأة فاتنة باهرة تخلب الألباب هي برفقة رجل قبيح لا يستطيع المرء أن ينظر إليه لجهامته، فالبصر يرتد عن ملامحه. اقترب القبيح من ربة الجمال ليقبلها. نعم ليقبلها.

هنا اهتز الشاعر رافضًا هذا اللقاء، فطالب مستمعيه أن يرفضوا رسالة ما بينهما، وصرخ:
"ضجوا فإن الحوت يبتلع القمر"!

من الشرح الأولي يفهم القارئ هذا التشبيه الضمني- أن الحوت هو الرجل القبيح، وأن القمر هي –طبعًا- تلك المرأة الحسناء، وقد يفهم القارئ أن الكلمة "يبتلع" تدل على افتراس الرجل للمرأة.

لكن التعليل للمقولة لا ندركه إلا إذا عرفنا الأسطورة.

في بلاد الشام فسروا سبب الخسوف بطريقة أسطورية، قريبة لما هو سائد لدى الكثير من الشعوب، وفي مواطن العرب الأخرى، حيث كانوا يعتقدون عند الخسوف أن حوتًا عملاقًا قد ابتلع القمر.

كانوا يشعرون أن من واجبهم إنقاذ القمر من هذا الحوت المفترس، وذلك لا يكون إلا بإخافته وإيقاع الرعب في قلبه، كي يلفظ من فمه القمر الذي ابتلعه.

والطريقة هي أن يلجأ الناس إلى القرع على الأواني المعدنية بضربات عالية الصوت، أو بالقرع على الصفائح، مرددين: «حوته بالله يا حوته...خلِّي قمرنا يفوتا".

بل كانوا في كثير من الأحيان يستخدمون البنادق والمسدسات، وذلك زيادة في إيقاع الرعب في قلبه، وكان هذا الطقس يستمر إلى حين انجلاء ظاهرة خسوف القمر، فيعود الناس فرحين إلى منازلهم، بعد أن حققوا أمنيتهم بتخليص قمرهم المحبوب من الحوت الغدار، والذي عاد ليضيء بنوره ظلمة لياليهم.

ويظل الاستنفار مستمرًا والناس خائفون حتى يتراجع الحوت إلى عالم البحار، فينتصر الخلق والحياة وروح الخير، وينتهي الخسوف، وعندئذٍ يخرج الناس يغنون ويدبكون احتفالاً باستمرار الحياة والوجود، ومن الأغاني التي يرددها بعضهم:

يا حوتة يا مكحوتة
قمرنا أكل الحوته
والحوتة راحت مكحوته

تناول علي الخليلي هذه الأسطورة، وذكر أن الأطفال هم الذي يغنون ويضجون:
" دشر قمرنا يا حوت
احسن ما نفقع ونموت"،

وكانوا يستمرون بالهتاف حتى زوال الخسوف، فيعودون الى منازلهم فرحين بظهور القمر من جديد.

(الخليلي، علي: مدخل إلى الخرافة العربية، ص 81)

على ضوء الأسطورة فالمعنى- أننا نحن المرافقين للشاعر علينا أن "نقيم القيامة" بأصواتنا وضجيجنا حتى يتخلى الحوت (هذا الرجل الذي يقبّل) يتخلى عن القمر (هذه المرأة الجميلة)، إذ لا يصح في رأي الشاعر هذا التزاوج الغريب بين القبح والجمال. ويبدو أن هذا هو موقف الشاعر، فكتب ما كتب، لأنه استهجن مثل هذا التزاوج.

لا بِدعَ أن هذا الموقف قد يجد له من يؤيده بحماسة، وقد يجد له من يعارضه، ولكل رأيه.

ذكرني هذا الموقف ببيتي شعر قالهما الشاعر المصري- إمام العبد- (1862- 1911)، حيث كان أسود البشرة شديد الحلكة، فكان صديقه يلح عليه بالزواج، وأن ينقطع عن رهبنته،
ولكن! فما أصعب زواجه من حسناء جميلة في تصوره:

يا خليلي وأنت خيرُ خليل
لا تلم راهبًا بغير دليل
أنا ليل وكل حسناءَ شمسٌ
واجتماعي بها من المستحيل

فهل الشمس والليل يجتمعان؟

من الطريف أن شاعرًا رد على إمام بعد أن سمع بيتيه:

هي الشمس مسكنها فى السماء
فعزِّ الفؤاد عزاءً جميلا
فلن تستطيع اليها الصعود
ولن تستطيع اليك النزولا

وعلى ذكر إمام العبد وسواده، أختم بدعابة حافظ إبراهيم له:

سخر حافظ من لونه الحالك عندما كان العبد يكتب بالريشة، فقد سقطت قطرة من الحبر على الورقة، فقال له حافظ ابراهيم: «نشف عرقك يا إمام»!


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف