شواهد لا نستخدمها

، بقلم فاروق مواسي

إنّ أباها وأبا أباها
قد بلغا في المجد غايتاها

لحن أحد الأساتذة فقال: "إلى أباها"، وبعد الاستدراك والاعتذار أجازه أحد الأساتذة بدعوى أن (أبا) تعامل معاملة المقصور، فلا حاجة للاستدراك، وذكر البيت.

لم أشأ أن أناقش الأستاذ في زمان ومكان لا يسمحان لي بذلك، فأحببت هنا أن أذكر له إن الشواهد التي تخرج عن اللغة المعيارية المتبعة اليوم، لا نعمل بها، خاصة وقد قُعّدت القواعد-، وبقيت الشواهد لاطلاع الدارسين وأبحاثهم، فنحن لا يصح لنا أن نجيز مثلاُ:

"إن هذان الرجلان صادقان" بدعوى أن القرآن أورد إن هذان رجلان-، ولا نستخدم "جاء ضيفي الكثيرون" لأن القرآن ذكر عن ضيف إبراهيم المكرمين، فللقرآن تخريجاته وتأويلات الشارحين له. وأوضح في لغتنا اليوم أن نعمد إلى استخدام "ضيوفي".

ثم هل نعمد اليوم إلى المجاورة ما دام امرؤ القيس استخدم "كبيرُ إناسٍ في بجاد مزملِ".

هل نجمع الفعل عند تقدمه على الاسم= لغة أكلوني البراغيث، كأن نقول: ذهبن الفتيات؟

وهل نأمر الواحد بلفظ أمر الاثنين، كأن نقول: سافرا يا أخي!

وهل نجري الاثنين مجرى الجمع، كأن نقول: هذا خصمان اختصموا...إلخ

وثمة في القرآن والشعر الجاهلي استخدامات لا تعد ولا تحصى مما نتركه للدارسين المختصين.

اللغة بإملائها ونحوها وصرفها فَرضت أو فُرضت، وكل خروج لا بد أن يكون منطقيًا ومعقولا، ولو أجزنا كل شاهد فيعلم الله أننا سنجيز كل شكل للكلمة بدءًا من الحمدُ لله، والحمدَ لله، والحمدِ لله رب العالمين، فهل تسكت يا صديقي وتجيز: اللهَ أكبر؟

فمهلاً أو فمهلٌ، والأولى هي الأسيغ!

لنأت إلى البيت ولأستعن بالمصادر:

إنّ أباها وأبا أباها
قد بلغا في المجد غايتاها

نسب العَيني والسيد المرتضى في شرح القاموس هذا البيت لأبي النَّجم العِجلي،
ونسبه الجوهري لرؤبة بن العجاج.

وذكر العيني أن هناك من نسبه في نوادره لبعض أهل اليمن.

انظر إلى هذا الشاهد "بلغا غايتاها" بدلاً من "بلغا غايتيها":

فقد اعتبر إعراب "غايتاها": مفعولاً به لـ "بلغ" على لغة من يلزم المثنى الالف، أي منصوب بفتحة مقدرة على الالف منع من ظهورها التعذر (فهل نعمد إلى ذلك اليوم، كأن نقول- قرأت الكتابان، واستقبلت الصديقان؟).

"غايتا" مضاف، وضمير الغائبة مضاف إليه، وهذا الضمير عائد على المجد، وإنما جاء به مؤنثًا، ومن حقه التذكير لأنه اعتبر "المجد" صفة أو رتبة، والمراد بالغايتين المبدأ والنهاية، أو نهاية مجد النسب، ونهاية مجد الحسب، وهذا الاخير أحسن.

إذا عدنا إلى "وأبا أباها" التي نستخدمها اليوم "وأبا أبيها"، فقد رأوا أن علامة الرفع والنصب والجر حركة مقدرة على الألف كما تقدر في المقصور.

إن بقاء الألف في الأسماء اشتهرت نسبتها إلى بني الحارث وخثعم وزُبَيد، وكلهم ممن يلزمون المثنى الألف في أحواله كلها، وقد تكلم بها في الموضعين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك في قوله: "ما صنع أبا جهل؟ "، وعلى هذه اللغة قال الإمام أبو حنيفة: " لا قود في مثقل ولو ضربه بأبا قبيس" وأبو قبيس: جبل معروف.

خلاصة الأمر أننا نجد في "أب" و"أخ" و"حم" ثلاث لغات أشهرها أن تكون بالواو والألف والياء، وهذا ما نتقيد به اليوم.

أما الثانية فتكون بالألف مطلقا.

وأما اللغة الثالثة فهي حذف الألف والواو والياء:

جاء أبُه ، رايت أبَه، وإلى أبِه، وقد نسبوا بيتًا لرؤبة بن العجاج:

بأبه اقتدى عديّ في الكرم
ومن يشابه أبه فما ظلم

فهل ترى يا حضرة الأستاذ المتسامح أن نعود إلى ما كان من شواهد قليلة؟

ألا نكتفي بما اتفق عليه، وما شاع وذاع في لغتنا المعيارية؟


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف