أمي عائشة... وورقة من الأرياف

، بقلم رشيد سكري

من وراء الأحجار الطينية الملساء، كانت عائشة تنظر إلى الساقية تسيل ماءا زلالا.اقتربت من مجراها...فأخذت تعبث بعصا، ترسم دوائر تضيق على الطين المبلل. ينعش خرير ماء عين"بوتلمسيردين"نفسها المتضايق، دلفت بحذر شديد، تحت أشجار الدفلى المتشابكة الأغصان و الأوراق تجر رجلها المعقوفة إلى الوراء؛ وأخذت مكانها بالقرب من مجرى المياه.

رشفت منها رشفة عميقة... استلذت برودة الماء و المكان، وروائح التربة المبللة. ذبال متساقط من أشجار الكليبتوس، زاد من عطونتها مدت رجلها اليسرى كابسة على ركبتها لتطرد منها العياء. اقتحمها صوت، تعرف رنين أوتاره...

ـ إلى أين أنتِ ذاهبة أمي عائشة؟

ودون أن ترفع بصرها، أجابت قائلة: إلى المقبرة

ـ ذلك سيتطلب منك جهدا جهيدا، وأنت مهيضة.

فأجابته، وهي تشدك على رأسها المشتعل شيبا بحزام من الصوف المفتول، بكلام منفلت من بين ثنيتين ذهبيتين:

ـ بقيت وحيدة كما ولدت أول مرة... زيارتي للمقبرة تذكرني بالفتوة المتوارية مع السنين.
مدت يدها اليسرى ؛ ليستقيم عودها في الوقوف... لكن احدوداب الظهر منعها من ذلك. بعض الفتيان يحملون القنينات الفارغة على ظهور الدواب، يملؤنها ماءا ذهابا و جيئة، ويتركون وراءهم لغطا و غبارا يتطاير نقعه، تتبعهم أمي عائشة بالصياح؛ لأن أهل المكان يتضايقون من شدة وقع الحوافر على الأديم.قطعت الممر الضيق وسط أشواك الصبار صاعدة إلى الربوة المترامية كهلال خصيب، تنتهي بشريط أشجار الزيتون الأخضر، فبدت المقبرة خلفها تبتلع مصائر العباد. قالت في خلدها: إن كومة من التراب الأبيض المبلل بماء بوتلمسيردين تكفي لأتربة جثمان جديد.

جاهدت أمي عائشة التعب الذي شلها و كلها، لتحضر مراسيم الدفن الجديدة.

اقتربت...

اقتربت...

وغبش يعلو الرموش... دامعة كما كانت العيون ؛ حتى احمرت الجفون. بفم أدرد مشقوق رفع الفقيه حميدان عقيرته بسورة الزلزلة"إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها"... وصوته تحس به يشق عنان الربوة.

آه! آه! تلك أيام خوال.

عندما حفرت أمي عائشة نصف الربوة، لأناس عبروا هذا المكان.

أحمل الأحجار الطينية على الأتان الشهباء.

أسافر بها من أجل أن يحلو المقام الجديد.

أفرغ ماء عين بوثلمسيردين من قِباب ضخمة.

أمزج الماء بالطين الأحمر و التبن المهشم الأصفر.

أغلف به وحشية البيت القشيب.

أضع الأحجار الشستية الأُردوازية متراصفة.

أغلق بها خصاص اللحد الجديد.

دنت من الحشد لتقف على جلية الخبر، وصوت الفقيه يأتيها،الآن، صافيا وعذبا. سألت خيالا و ظلا يحجب عنها أشعة الشمس الصاهدة.

من يكون الوافد الجديد؟

فأجابها:

غريب الدوار...

ـ سلام، إذن...

ـ هل حلت كنزة من بلاد برا؟

لا أعرف أمي عائشة... فأسلمت روحها لرياح شرقية مالحة، سكنت خياشيمها.

المقبرة بناء من أحجار امتزجت فيها أتربة بيضاء بأتربة حمراء أرجوانية، مشكلة لوحة زيتية متناسقة... في وسطها شجرة كليبتوس فارعة تمنح الظل و الفيء للعابرين والراقدين على السواء. على مسافة معشوشبة بمختلف الأزهار، التي اختلطت ألوانها، وقفت أمي عائشة على حافة الغبش الكليل الذي يلف عيونها. تنظر إلى القبور، وقد تهشمت حوافيها، تتلمس سمتا إلى شواهدَ محفورة على الأحجار الكلسية، علَّها تعثر على بقايا قبر حَدُوم الغسالي.
حدوم المرأة بألف رجل.

أسطرت الوجود النسائي بالقرية، عندما وقفت في وجه القائد بوخنزيرة الغاصب رافضة أن تمنحه قوتا، تعبت من أجله أياما و لياليا. صفعة واحدة على خدها الأيسر، كانت كافية أن تشعل فتيل نار لم تهدأ أُوارها ؛ انتفضت القرية فأصبحت على صفيح ساخن، ضد الاستغلال و الحيف.

في المساء، لفظت القرية، من وجعها، تجمعا غفيرا عند الحجرة الملساء؛ مجلس ينشط كلما ضاقت القرية ضائقة. من كل حدب وصوب نساء و رجال و شيوخ و أطفال تركوا المسيد، وهم يحملون ألواحهم المصموغة بالكلام الرباني... رافعين بأوداجهم الصغيرة

اللطيف...

اللطيف...

كانت أمي عائشة تتذكر ذلك، كأنه حدث بالأمس، وسط الحشد تمرغت حدوم معفرة وجهها بروث البهائم، ممزوجا بحليب شاة وحيدة القرن، فانتفضت كدجاجة مذبوحة... تسارعت النساء؛ لإيقاف نزيف هذا المشهد الدرامي الكئيب... بللنها بالماء... فتخشبت وتصلبت أطرافها، تحسسن أوداجها بأصابعهن العجراء، فوجدن البرودة تجري مجرى الجسد القتيل؛ فكانت شهيدة الحجرة الملساء. تتذكر أمي عائشة، وقد استطابت الريح الشرقية المالحة في مناخيرها مبللة بها ريقها المتيبس، وهي تنظر إلى الحشود تذوب فُرادى و زَرَافات بين الشعاب و الممرات الضيقة.

عادت أمي عائشة أدراجها، كما يعود المساء، ورجلُها المعقوفة إلى الوراء تلامس وجع تراب مسحوق، فوجدت الديكة الملونة الريش، ملأت صحن الدار، كما تملأ عليها حياتها الرتيبة.


رشيد سكري

كاتب وباحث مغربي

من نفس المؤلف