لماذا سمي الموشح بهذا الاسم؟

، بقلم فاروق مواسي

لن أتوقف هنا على تعريف الموشح، وبداياته، وفنونه وأغراضه، وأشكاله، وما صدر عنه من كتب، ومن نظم فيه من وشّاحين، بل سأتوقف على سبب التسمية، وذلك من خلال مطالعاتي في مصادره، والمصادر عنه.

الموشح (موشح أو موشحة أو توشيح، وتجمع على موشحات أو تواشيح) من الفعل (وشّح)- بمعنى زين أو حسن أو رصع. وهو فن شعري يختلف عن ضروب الشعر الغنائي العربي في أمور عدة، وذلك بالتزامه بقواعد معينة في الشكل الشعري، وبخروجه أحيانًا على الأعاريض الخليليلة، وباستعماله اللغة الدارجة او العجمية في خَرْجته، ثم باتصاله القوي بالغناء الذي استلزم هذا التغيير في أجزاء البيت (أي مجموعة الأقسام).

وقد اصطلح النقاد على تسمية هذه الأجزاء بمصطلحات هي:

1- المطلع 2- القُفل 3- الدَّور 4- السِّمط 5- الغصن 6- البيت 7- الخرجة

وثمة تسميات أخرى للتوزيعات المختلفة.

يقول ابن خَـلدون في مقدمته أن هذا النَمَط الشعري برع فيه أهل الأندلس:

"وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفنونه، وبلغ التنميق فيه الغاية، استحدث المتأخرون منهم فنًا منه سموه بالموشح، وينظمونه أسماطًا أسماطًا وأغصانًا أغصانًا، يكثرون منها، ومن أعاريضها المختلفة".

(المقدمة: ص 583 المطبعة التجارية- القاهرة)

سمي هذا الفن بالموشح لما فيه من ترصيع وتزيين وتناظر وصنعة فكأنهم شبهوه بوِشاح المرأة المرصع باللؤلؤ والجوهر.بأشكاله وتطاريزه.

يقول صاحب لسان العرب نقلاً عن الجوهري في "الصحاح":

"الوشاح- بضم الواو وفتحها- يُنسج من أديمٍ عريض، ويُرصّع بالجواهر،وتشده المرأة بين عاتقيها وكَشحيها.

وهو كذلك في (لسان العرب):

"كِرْسانِ من لؤلؤ وجوهر منظومان مُخالَفٌ بينهما معطوف أَحدُهما على الآخر، تَتَوَشَّحُ المرأَةُ به."

(الْكِرْسُ : الْقَلاِئدُ الْمَضْمُومُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ هِيَ مِنَ الْوُشُحِ وَنَحْوِهَا، وَالْجَمْعُ أَكْرَاسٌ. وَيُقَالُ قلادة ذَاتُ كِرْسَيْنِ، وَذَاتُ أَكْرَاسٍ ثَلاثَةٍ، إِذَا ضَمَمْتَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ".

ملاحظة: لم يرد معنى "الموشح" بمعنى النمط الشعري في (لسان العرب) ولا في المعاجم القديمة.

المراد بالعاتق: مابين العنق والكتف، وبالكَشح: الخاصرة التي يدور الحزام حولها.

يبدو أن الاسم جاء كناية عن إضافة البهجة للشعر الغنائي، فالموشح وُضِعَ للغناء، وذلك لما فيه من زينة وتنويع. يتضمن الوشاح لؤلؤًا وجواهر مصفوفة بالتناوب، والموشح مصنوع من أقفال وأدوار بالتناوب، والشبه ظاهر، وذلك في اختلاف الوزن والقافية.

يصف حبيب حزان في كتابه الموسوعي المغمور عن الأندلس (الأدب الأندلسي) ، ج2، ص 1059 الوشاح بما فيه بعض التفصيل:

"الوشاح: قلادة من نسج عريض ترصع بثمين الجواهر على حاشيتيها من اليمين واليسار بصفّين يتقابلان في عقدة، ويتنافران مرة أخرى، وهكذا يستمر الترصيع بين التلاقي والتباعد، فيشكلان رسمًا جميلاً وبه تتحلى المرأة حيث تضعه على عاتقها الأيمن، وتعقد طرفيه على كَشحها تحت إبطها الأيسر".

يضيف محمد عناني في كتابه (الموشحات الأندلسية، ص 21) رأيا آخر:

"ولعلهم استلوا المعنى من "الموشحة" من الظباء والشاة والطيرالتي لها طرّتان على جانبيها".

(الطّرة القطعة الجانبية المختلفة).

هناك من رأى أن اللفظة سريانية "موشحتا"- (ܡܘܫܚܬܐ)- أي بمعنى "إيقاع" أو "ترتيلة من المزامير". وهذا الرأي مؤسس على أن الموشحات ظهرت في المشرق العربي، وتأثرت بشدة بالموسيقى الكنسية السريانية، حتى أن الردّات في أقدم الموشحات كانت تحوي ألفاظا سريانية.

(صلاح فضل: طراز التوشيح، وفي عدد من المواقع على الشبكة).

أما مصطفى صادق الرافعي فيسوق رأيًا آخر في سبب التسمية:

"الموشح، ويقال له التوشيح أيضًا، والذي نراه في أصل هذه اللفظة أنها منقولة عن قولهم "ثوب موشَّح"، وذلك لوشي يكون فيه، فكأن هذه الأسماط والأغصان التي يزينون بها هي من الكلام في سبيل الوشي من الثوب، ثم صارت اللفظة علمًا".

(تاريخ آداب العرب، ج3، ص 140- دار التوفيقية للتراث).


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف