دراسة نقدية

خصوصية البناء الشعري عند المرصفي

، بقلم إبراهيم خليل إبراهيم

عرفت الشاعر والناقد رفعت عبد الوهاب المرصفى فى أوائل الثمانينيات عن طريق شقيقه الأصغر وصديقى جمال عبد الوهاب المرصفى الذى كان يدرس بكلية الحقوق فى ذلك الوقت وكنت أنا أدرس بكلية التجارة وكان الشاعر رفعت عبد الوهاب المرصفى مجندا بالقوات المسلحة وأتذكر وقتئذٍ أن صديقى جمال أعطانى ديوانا بعنوان" أذكرينى" لشقيقه الشاعر رفعت ولم أكن أعلم أنه شقيقه وعندما قرأته سألنى صديقى: ما رأيك فى هذا الديوان؟ فقلت له: صاحب الديوان يملك موهبة فطرية وبما إنه فكر فى إخراج ديوانه هذا إلى النور فهذا يعنى أن الشعر يسكنه وهنا أخبرنى صديقى بأن صاحب هذا الديوان هو شقيقه الأكبر.. وكان اللقاء وكان العزم على تكثيف رحلة المسير فى درب الكلمة فحضرنا الندوات الأدبية معاً وكتبنا للإذاعة المصرية واحتضننا برنامج ما يكتبه الشباب هذا البرنامج الأدبى الذى كان يذاع يوميا عبر أثير إذاعة الشباب والرياضة وللتاريخ أذكر أن حلقة الاثنين من هذا البرنامج والتى كانت تقدمها الإذاعية القديرة سعاد الجرزاوى تعد من أوائل الوسائل التي أذاعت أشعار الشاعر رفعت عبد الوهاب المرصفى.

كما تقتضى الأمانة أن نشيد بالإذاعيين: عديلة بشارة – رحمها الله – ومحمود عبد العزيز وصلاح الجرزاوى ومحمد عبد الكريم وعزة محيى الدين وعزة مصطفى وعبد الفتاح حسن ونجلاء عبد البر وسامية السيد ومحمد جراح وعبد الحليم الشارونى من أسرة مذيعى إذاعة الشباب والرياضة حيث اهتموا بنا وبكتاباتنا وأذكر أيضا أن الشعراء الكبار: فاروق شوشة ومحمد إبراهيم أبو سنة وعبد المنعم عواد يوسف وأحمد سويلم أشادوا بالتجارب الشعرية الأولى للشاعر رفعت عبد الوهاب المرصفى عندما عرضها عليهم وقتئذٍ وأذكر أن الشاعر الكبير أحمد سويلم قال حين عرضت عليه قصائد شاعرنا فى بداية الثمانينيات من خلال برنامج لمستمعي الشرق الأوسط والذي كانت تقدمه الإذاعية القديرة نبيلة سنبل قال: إن التجارب الشعرية الأولى والتى أمامى للشاب رفعت عبد الوهاب المرصفى تؤكد أن صاحبها لديه الموهبة الشعرية وسوف تكون له فى المستقبل مساحة جيدة على الخريطة الشعرية.. وقد كان.
مما لاشك فيه أن لكل شاعر مذاقه الخاص ونكهته الجاذبة التى تؤسس له التميز عن غيره وكلما تفرَّد الشاعر بالخصوصية كلما خط اسمه بحروف من نور على جبين الشعر الحديث وأستطيع أن أُجزم فى هذا البحث أن شاعرنا الكبير رفعت المرصفى إستطاع أن يفرض مذاقه الخاص فى هذا السياق فبالإضافة إلى معجمه الرومانسى المتميز الآخاذ وصوره الشعرية الطازجة الرفافة وأيضاً بالإضافة إلى لغته السلسة المُنسابة كل ذلك مجتمعاً أفرد له مكاناً متميزاً على الخريطة الشعرية ويمكن القول بأن هذا الرصيد من التميز الذى يحظى به الشاعر الكبير رفعت المرصفى لم يأت فجأة أو من فراغ وإنما تأكد على مدار تجربة حياتية وفنية ممتدة عبر عشرات الإصدارات الشعرية والنقدية للأطفال وللكبار التى استطاعت أن ترسخ وتؤكد خصوصية البناء الشعرى عند رفعت المرصفى ولنتأمل بعضاً من المقاطع الشعرية المرصفية التى تدلل على ما قدمنا:

هاأنذا..... أتوضأُ من طيفك كلَّ مساء
أستقبلُ محراب الذكرى / ألمحك على شاطئ
منفاى الأبدىّ / أغادر طوق الوقت
وجلباب العمرِ / أجوبُ ضفاف الحلمِ
وأصعدُ / وأصعدُ / وأصعدُ
يرتدُ بُراقى / محتضنا عينيك وذاكرتى
يا وجهاً.... قد بعثَ الفَجر بأنسجتي

والذى يتأمل هذا الطّرح الشعرى يستطيع أن يشتم عبق شاعرنا رفعت المرصفى، فها هو معجمه الرومانسى الرفّاف يتماوج بين شطوط قصائده فكلمات الوضوء والطيف والمساء والمحراب والذكرى والشاطئ والضفاف والحلم والعيون.....إلخ.. هى من مفردات المعجم الرومانسى الخاص بشاعرنا المرصفى والمتأمل لشعره يستطيع أن يرصد هذا المعجم فى معظم إنتاجه.

هذا بالنسبة للمعجم الرومانسى الشفاف أما بالنسبة للصورة الشعرية نجدها هنا صورة رئيسية يتلوها عدد من الصور الجزئية التى تفسرها أو تستكملها ولكن فى وحدة عضوية واحدة وفى نسيج شعرى واحد حتى أن القارئ لا يستطيع التوقف إلا بعد انتهاء الدفقة الشعرية والتى تأتى بنهاية المقطع الشعرى.

والمتأمل لبداية الصور الجزئية المكونة للصورة الرئيسية المشار إليها يجد أنها تبدأ بالأفعال المضارعة مثل: أتوضأ – أستقبل – ألمحْ – أغادر – أجوب – أصعدُ... وهذه الأفعال المضارعة إنما تدل على بداية الحدث واستمراره وبالتالى لا يستطيع القارئ أن يستريح فى الوقوف إلا عندما تكتمل الصورة فى ذهنه ويكتمل المعنى أيضاً وهذا الاكتمال فى الصورة والمعنى معا لا يتأتى إلا مع نهاية المقطع الشعرى أو الدفقة الشعرية عندما يقول:

يرتدُّ بُراقى / مُحتضنا عينيك وذاكرتى
يا وجهاً.... قد بعث الفجر بأنسجتي

ويمكن أن نؤكد أيضاً على هذه الخصوصية فى البناء الشعرى عند رفعت المرصفى إذا تأملنا المقطع الشعرى التالى أو الدفقة الشعرية التالية:

قصيدةُ / راودتُّها عن نفسها / فاستعصَمتْ
بخّرتُها – فاستعصَمتْ / سكَّنتُها فى أُعينى
أشعلْتُ دمعى فوقها / هطلتُ فى رحابها
ألقيتُ بالشاى الخفيف / الذكريات
بالرحيل المُستضاء فى عروقها
فأومأتْ بسرّها وأشرقتْ
ثم استطالت فى وريدى أغنياتٍ للخلود

ونستطيع أن نرصد منهج البناء الشعرى ونتتبعه عند شاعرنا من خلال الصورة الكلية والتى تتشكل من مجموعة من الصور الجزئية ولكن فى نسيج واحد محكم فلا يمكنك الفصل بين الصورة الرئيسة والصور الجزئية المكونة لها فالجميع فى وحدة عضوية واحدة وفى نسيج شعرى واحد يتميز بالترابط والتماسك وتستطيع عزيزى القارئ أن تتأمل دور الأفعال الماضية التى تسبق الصور الجزئية المكونة للصورة الكلية لمقطعه الشعرى أو لدفقته الشعرية فمثلا الأفعال الماضية: راودتها – بخَّرتُها – سَّكنتها – أشعلت – هطلتُ – ألقيتُ...إلخ.. هذه الجمل الفعلية المتلاحقة تجعل المتلقي لا يستطيع أن يقف بارتياح قبل أن يصل إلى نتيجة هذه الأفعال أى عند الجملة الشعرية التى يقول فيها:

فأومأت بسرها وأشرقت
ثم استطالت فى وريدى أغنيات للخلود

فالجملتان الأخيرتان هما المتممتان الأساسيتان للدفقة الشعرية الممتدة التى سبقتهما ومن هنا يتميز رفعت المرصفى بهذه الخصوصية فى البناء فالصورة الممتدة والمركبة من عدد من الصور الجزئية والتى تمثل فى مجموعها وحدة عضوية واحدة كما تمثل أيضاً دفقة شعرية كاملة هى من أهم سمات البناء الشعرى عند شاعرنا رفعت المرصفى ويمكن للقارئ المتمرس أن يتعرف على شاعرنا من خلال هذه الخصوصية بصرف النظر عن وجود اسمه أعلى النص الشعرى أو عدم وجوده وبنفس السياق التأملى نقرأ ما يقوله شاعرنا فى المقطع التالي:

ها أنتِ على نصل الموج
تَضُمّينَ أحاديث الماء وذاكرة البحر
تَبُثّينَ تراتيل فصول الأزمنةِ الأولى
تَقفِينَ بباب مضيق الحزِن
زهوراً تتغنى / ونزيفا يرسمنى

فالصور الجزئية التى أعقبت الصورة الرئيسة تبدأ بالأفعال الماضية كالتالى:

تضمين – تبثين – تقفين...إلخ
إلى أن تصل بنا هذه الصور الجزئية إلى نهاية الدفقة الشعرية التى يقول فيها:
زهوراً تتغنى / ونزيفا يرسمنى

وبالتالى فقد أتى شاعرنا بصورة رئيسة يقول فيها: "ها أنتِ على نصل الموج" ثم أعقبها بنوع من التداعى الشعرى الجميل بمجموعة من الصور الجزئية التى تستكملها شرحاً ومعنىً فى سياق شعرى متماسك من البداية حتى النهاية وبنفس الطرح البحثى والتأملى نقرأ ما يقول شاعرنا رفعت المرصفى فى الدفقة الشعرية التالية:

أيتها المدينة التى دُخانها دمى
وعطرها رخامُ مُستباح
مُشتتُ على حروف النزيفِ والرغيفِ والمُشتهى
تلوكُهُ الموائدُ المُرصّعات بالنهودِ
والنقودِ والعطايا
أيتُها المدينة...... المدينةْ
الليل جدار الفقراء الشعراء العابدين
الذين ينامون على أرصفةِ الجمر
يلوكون حروف الجمر وحِنّاء الفجرِ
وطَمى الروح
أيتها المدينة التى.... عطورها جروح

وهنا بدأ شاعرنا الدفقة مخاطباً المدينة بصورة شعرية رئيسية متمثلة فى السطر الأول والثانى منها ثم أعقبها ببعض الصور الحزينة الموضحة لها تفسيراً ومعنى فالمدينة عطرها رخام مُستباح وهذه هى الصورة الرئيسة ثم يستكمل المعنى بقوله أن هذا العطر الرخام المستباح مشتت على حروف النزيف والرغيف والمشتهى، تلوكه الموائد المرصعات بالنهود والنقود والعطايا وهكذا يتأكد التميز والتفرد والخصوصية فى البناء الشعرى وفى بناء الصورة عند شاعرنا منذ نشأتها امتدادها وتركيبها من عدد من الصور الجزئية التى تكون فى نهايتها الدفقة الشعرية الكاملة وأيضاً الإيجاز فى صورة رئيسية ثم التفصيل واستكمال المعنى فى عدد من الصور والمشاهد الجزئية ومن الخصائص الهامة فى البناء المعمارى للقصيدة عند شاعرنا خاصية التوظيف الدلالى للمفردات فكل لفظة لها مكانها المحدد بدقة بالغة وشاعرية محسوبة ولنتأمل ما يقوله فى هذا السياق من خلال الدفقة التالية:

أعترفُ الآن بأنّكِ / كُنتِ على حَق
وبأن مبادئ سُقراط / تاهت فى الأرض
وبأن زمان المُعجزة الكُبرى
لن يرجعَ ثانيةً قَطْ
أعترف الآن بأنكِ... وبأنِّى لم نُولَدْ..... بعد

ولنتأمل التوظيف الدلالى للمفردات التى أشرنا إليها فى كلمات "تاهت فى الأرض" حيث كلمة فى الأرض تؤكد معنى التوهان فى كلمة تاهت حيث أن مبادئ سقراط تاهت فى كل أنحاء الأرض بامتدادها ورحابتها كما أن كلمة سقراط جاءت رامزة إلى الحكمة المتمثلة فى شخص بطل النص أو الشاعر ثم تأتى خاتمة القصيدة لتشكل أروع ما فيها توظيفا وتوصيفا:
أعترف الآن بأنك... وبأنى / لم نولد..... بعد

وأنا اعترف الآن أيضاً عزيزى القارئ بعد هذا الطرح الموجز بخصوصية شاعرنا رفعت المرصفى المتفردة فى البناء الشعرى بأبعاده المختلفة وفى مذاقه الخاص الذى نشتم عبقه ونستشعره من مسافات بعيدة ومن زوايا مختلفة.

من نفس المؤلف