كوخ العم نجم

لا شك أن التقارب بين الرواية والفنون الإبداعية الأخرى، لا ينحصر في الكتابة فحسب، بل في أساليب البناء، وطرائق التعبير كذلك، ففي رواية «كوخ العم توم»، يعود الفن التشكيلي؛ ليشارك عناصر الرواية فضاءاتها، لذلك بدت الكاتبة "فاتن الصراف" – هنا – تمتلك القدرة على تحويل الصورة الواقعية إلى متخيل قائم بذاته، فعرفت كيف تجعل من تجربة السجن والحرب وما يتبعها من الهجرة واللجوء للإنسان العراقي على مدى ثلاث عقود مِهاداً للانخراط في عمل روائي جاد وتوظيفه لمصلحة وطنها.

رواية «كوخ العم توم» هي نوع من الكوميديا السوداء تُجسد تسلط القوي على الضعيف، وانعدام الآدمية والتوحش بشكل رهيب، سواء على مستوى السلطة السياسية أم على مستوى الأفراد اتجاه بعضهم البعض؛ فعلى مستوى الوقائع (القصة) يشكل خروج أبطال الرواية من وطنهم الأم (العراق) عبر رحلة "عبور" شاقة إلى بلد المهجر (هولندا) والتقائهم على أرض أجنبية نموذجاً للمعاناة المتعدية حدود الجغرافيا والتاريخ واللغة. فهروب خالد من ماكنة الموت اليومية في بلده الأم وبحثه عن ملاذٍ آمن، لم يكن يتوقع أن تنتهي به الرحلة إلى مدينة هولندية ليعمل في غسل الصحون، قرر ذلك بعدما فقد الأمل بتحقيق حلمه في افتتاح قاعة للفنون في بغداد يعرض فيها لوحات الفنانين. وحده "فان كوخ" أو العم نجم ذلك الرجل الذي ظهر في حياته فجأة نجح في كسر الرتابة عن حياته الجديدة. كان وجود العم نجم في هولندا كلاجئ مناسبة لتنمية موهبته في فن الرسم الذي برع فيه منذ كان تلميذاً في المدرسة، أما أُذنه المقطوعة على يد أبناء جلدته فيمكن اعتباره نتاج لتوتر مضمر بين وعي الذات الشعورية وتلاشي الذات الجسدية الأخرى، المتمثلة بخسارة جزء من الجسد، حدث ما حدث للعم نجم في تلك الليلة المشؤومة في العشرين من أيلول عام 1994، وكان ذلك بعد صدور قرار مجلس قيادة الثورة في العراق الذي يحمل الرقم 115. والذي يسمح بقطع أذن السجناء كعلامة على عدم اخلاصهم للنظام الحاكم، وهكذا تستمر المعاناة في حياة العم نجم بعد تجربة الأسر حين فشل في عبور الحدود العراقية الإيرانية وأُلْقيَ القبض عليه من قبل جنود إيرانيين بتهمة التجسس لصالح الحكومة العراقية، وسيق إلى مخيمات الأسر لمدة ثمانية سنوات.. خرج بعدها حتى وصل إلى مخيم اللجوء في هولندا ولم يكن يتصور يوماً أنه كان يحمل ملامح وجه "فان كوخ" التي تطابقت، كثيراً، مع ملامح وجهه بعد أن فقد نصف أذنه اليسرى في تلك الليلة السوداء.

- عبر منظومة الحكي هذه يجري السرد ليجسد قصصاً أخرى يكون فيها للمرأة نصيباً من الألم والضياع فتتقاسم البطولة فيها فتاتان "خديجة"، ابنة البصرة، تلك الفتاة الشقراء، التي لم يُحرّرها جمالُها وشهادتها ونجاحها كأستاذة في الجامعة، من تلك العقدة التي زرعها والدها بداخلها، العقدة من الارتباط برجل، والعيش كامرأة طبيعية مثل كل النساء، فتبتعد عمن أحبت، وتعيش معاناتها مع صديقتها "إيناس" رفيقة الطفولة والدراسة والشباب التي كان لها الأخرى مأساتها حينما أحبت شاباً اختار صديقتها للزواج وكان عليها تجهيزها للمناسبة السعيدة.
وتتعدد الشخصيات في الرواية التي تبقيها الكاتبة معلّقة حتى إشعار آخر، شخصيات هاربة من ماضيها، وغير متأقلمة مع حاضرها، وقلقة على مستقبلها. فتكشف بذلك عن العجز والاغتراب والنفي الوجودي والعاطفي للذات الإنسانية عبر مراحل زمنية متلاحقة تتحدث خلالها الكاتبة عن تلك الأمراض الاجتماعية التي تنخر المجتمع من الداخل، زنا المحارم، زواج القاصرات، السلطة الذكورية، انعدام الأمن، الاعتقالات التعسفية، مصادرة الحريات، العزلة، الرعب، وغيرها من صور توثق ذاكرة كل مواطن عراقي عانى الظلم ولما يزال...

تأليف: فاتن الصراف

الفئة: رواية عربية

المقاس: 14.5 × 21.5 سنتم

عدد الصفحات: 176

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون

ردمك: 978-614-01-2566-7