مخاض مسخ

، بقلم شيماء رؤوف

أتيت الى رَحِمي نطفة لا نفع لها ولا ضرر 
الوقت يمضي وانت تكبُرُ دَاخِلي 
تزداد جذورك تشبثا وتشعبا داخل جسدي 
طفل مُسَمّمّ مشوه سيفتك بك حتما 
لا بأس، لن أُجهِضه 
- نَفَس حسنا تنفسي
تنفسي، افعليها الآن .. ادفعيه

: *الرّكلة الأولى


أغمِضُ عيني
امسك بأغطية السرير الذي الازمه منذ مدّة طويلة وصرخات قصيرة متقطعة ... 
أتذْكر عندما اتيت الى رحِمي ضائعا تبحث عن مأوى ؟ 
تذْكُر عندما آويتك بعيدا عنهم .. بداخلي؟ 
تذْكُر عندما اخبرني جميع الاطباء بكونك مسخا 
وضعت يدي عليك عوّذتك بالله ثلاثا من كل شرّ قد يَلَحَق بك .. وابتسمت 
مضيت أقصّ عليك القصص، أأنس بك 
تكبر يوما بعد يوم يزداد ذبولي، وتزداد توهجا
تتفرع جذورك بداخلي كلعنة تعرف كيف تمتد وأين 
تنتشي بإيلامي، تركُلُ محبّتي، 
انفاسي .. 
رئتاي تتشققا أثر الهواء الذي يدخل إليهما.
عاجزة عن التقاط انفاسي 
أئن 
قشعريرة تسري بجسدي، البرودة تلازمني على الرغم من كوني ارتدي الكنزة الصوفيّة التي حاكتها لي جدّتي 
قالت لي انني لن اشعر بالبرد ابدا اذا ما ارتديتها ، لكني قد شعرت!

الرّكلة الثانية :

 
ينقطع حبل افكاري قوّة المخاض تكاد تمزّقني 
لا استطيع ارجوكِ بالله عليكِ ساعديني 
اطرحيه عنكِ الآن تنفسي وحسب ادفعيه، -
اغمض عينيّ انفاس ضعيفة متقطعة بالكاد تخرج وأنت . 
ها انت ذا ترتسم في مخيلتي باسِماً 
على الرغم من كونك مسخا الا ان ابتسامتك جميلة، جميلة جدا 
رأيتك بعين لم يراك بها غيري 
آمنت بك وقت ان كفروا بك، 
وأحببتك، في عالم آخر غير هذا قبل أن اراك حتّى 
 أحببتك ..

الرّكلة الثالثة :

 
لم اصرخ ؟
كانت واهنة 
ضعيفة بعض الشيء ليست بقوّة الركلات الماضية ؟ هل انتهى ؟ ام انه الهدوء اللعين الذي يسبق كل عاصفة، ارجوك عُدْ لركلي مجددا، تحّرّك الآن اخبرني انك بخير، وانك على قيد عشقي، لا تتخلى عني الآن وقد راهنت الجميع عليك، اتحسس يد الممرضة التي تقف الى جواري
- ارجوكِ اخبريني تحدّثي قولي اي شيء لا تحدقي بي هكذا

الرّكلة الرابعة: 


يركلني بكل ما اوتي من قوّةٍ وبأس ها أنت ذا الهي روحي تكاد تُنْتَزَع مِنّي، جبيني يتصبب عرَقا كما ان رعشة جسدي تزداد 
ولكن لا بأس، طالما انك على قيد عشقي فلتفعل ما تريد، تغذّى على دمي، ارمي بحملك على كاهلي، استمر في ايلامي وسأستمر في ضمّك الى قلبي الصغير 
وان اجتمع كل سوء الأرض بك اريدك اكثر من اي شيء آخر 
خذ كل الدماء التي امتلكها 
اسحب كل الدّم الموجود في جسدي
حتّى وان كنت اعلم انك في رحمي لأن لا رحِم آخر يرتضي ما ارتضاه رِحِمي لما تخليت أيضا 
لن القي بك 
لن اتخلى اذا ما الكل ولّى 
لعنة حلّت بقلبي 
لا انا قادرة على ان انتهي منك 
ولا طاقة لي أن تبقى بجوفي

الرّكلة الخامسة :

 
اغْمِضُ عينيّ مجددا، اذكر كيف كُنْتَ تتغلغل فيّ لم يقتصر الأمر على رَحِمِي، 
توسعت الى ان تمكنت من مجرى الدّمِ في 
كنت تملأ شراييني وأوردتي تشّعبت حتى استطعت الوصول الى كل شيء اعمق شيء فيّ 
ووعدت ان تبقى 
وان لا تخذلني 
ان تبقى بداخلي اذا ما اراد الجميع انتزاعك ...

الرّكلة السادسة :

 
تصرخ الممرضة بأعلى صوتها : 
- انزعيه عنكِ الآن، ان لم ترحلي عنه سيرحل عنكِ ابعدي ذلك الأذى عنك، 
تستحقين طفلا آخر جميل يليق بك، مَن ذلك المسخ الذي يدميكِ، اطرحيه الآن، فكرِّي بك لمرّة واحدة وحسب 
- رباه ساعدني ارجوك، انفاسي لاهثة وكأن الاوكسجين يدخل الى جسدي من ثقب ابرة،
لكنه ملأني، سدّ كل ثغراتي، لامس نبضه وجداني كيف لي ان اخلعه عني 
كشجرة مُعَمِّرة امتدّت جذورها وسط دهشة الجميع لتأخُذ المياه من بلدة مجاوره نمت جذوره في روحي كيف ؟ 
كيف انزعه عنّي، أحاول بكل ما اوتيت 
- ستفعلينها الآن .. وان كان ذلك موجعا، موجعا جدا لكن حياة جديدة ستكتب لكِ، وطفل آخر جميل ليس مسخا يقتات على عظامك، كفّي عن ذلك الآن، لمرّة واحدة وحسب فكِّري بك ..

السابعة والأخيرة : *


عاد يركلني بعنف، فصرخت بكيت، وبدأت أنتحب 
 - لماذا تصرخين، صوتك مرتفع، تزعجينني 
لطالما ركلتك وتحملتِ ؟ ما الذي تغيّر الآن 
 - لن تعتذر هذه المرّة؟
لا يجب فقط ان تعتادي على الرّكل، تصرخ الممرضة الآن افعليها الآن، استجمع قواي، انفاسي اللاهثة، امسح عنّي دموعي وعرقي عن جبيني حسنا .. سأجهضه الآن 
النّفس الأخير، ادفعيه بكل ما اوتيت من قوّة ها هو ذا اراه من هنا، لم يتوقع ان تتخلي، ولم يتوقع ان تطرحيه عنك، اعتاد ان يركل وان يعتذر، وكف عن ان يعتذر، في المرّة الأخيرة كان من الواجب عليّ ان لا اصرخ حتّى، ينبغي عليّ ان اكون قد اعتدت على ان يرْكُلني 
انزعيه الآن عنّي، خلِّصيني منه 
تمدّ يديها تلتقطه بعنف 
ملتصق بأوردتي، متشبث بِرَحِمي، محتلّ لذاكراتي، يسري بدمي، 
تنزعه عني بكل ما اوتيت من قوّة وأصرخ صرخةً يودّ لو يستفيق منها أهل القبور .


شيماء رؤوف

كاتبة مصرية

من نفس المؤلف