وميض في الرّماد ومعاناة المغتربين نزهة أبو غوش

وميض في الرّماد للرّوائي المقدسي، عبدالله دعيس في 381 صفحة صدرت عام ٢٠١٨ عن مكتبة كل شيء الحيفاوية.

ماذا أراد الرّوائي دعيس أن يوصل للقارئ؟

في روايته، أمسك الكاتب بزمام لغته العربيّة، قواعدها وبلاغتها وأصالتها، وجيّرها بسلاسة وطلاقة؛ من أجل أن يوصل فكرته ويقنع بها قارئه؛ كذلك حرّك شخصيّاته بمرونة ودراية بين أماكن مختلفة من الولايات المتّحدة – نيويورك- إلى الدّول العربيّة، العراق، سوريا، مصر، فلسطين.

نلحظ أنّ الكاتب قد وظّف خياله بأًسلوب ذكي داخل روايته، حتّى أنّه جعل القارئ يصدّق أنّ الأحداث حقيقيّة، إِلا من بعض الأحداث المبالغ بها، مثل عمليّة اختطاف الوثائق من بين أيادي المليشيا المجرمين داخل السّفينة مع أنّ لا أحد يمكنه أن يحدّ من خيال أيّ كاتب. هنا يمكن تشبيه هذا الحدث بالأفلام البوليسيّة الّتي نشهدها على الشّاشات.

من الناحية الفنيّة استطاع الرّوائي ان ينظّم أدوار شخصيّاته بترتيب متتالٍ، ثمّ يعود لأحداث كلّ شخصيّة بالتناوب، ممّا سهّل على قارئه سهولة الفهم السّريع لمعرفة مسار ومصير كلّ شّخصيّة دون أيّ تعقيد.

استخدم الكاتب أُسلوب الرّسائل؛ - الألكترونيّة والورقيّة- من أجل تطوير الأحداث وربطها روائيّا ببعضها البعض، ربّما تعتبر هذه الطّريقة الكلاسيكيّة في الأدب، لكنّها وسيلة ناجحة ساهمت في توضيح الحدث والتّعبير عن العواطف والمشاعر نحو الحبّ والألم والنّدم والشّوق إِلى الوطن الأُمّ، كما أنّ الوسائل التّكنولوجيّة الحديثة قد ساهمت في تطوّر الأحداث بشكل سريع، كذلك أُسلوب الاسترجاع ( فلاش باك) ؛ من أجل العودة بالأحداث إِلى الوراء وتذكّر أحداث سابقة حدثت مع الشّخصيّات وربطها بالحاضر.

استخدم الكاتب دعيس أيضا أُسلوب الحوار، الّذي يبيّن ماهيّة الشّخصيّة وحقيقتها، وإِن قلّت نسبيّا في الرّواية؛ كذلك أُسلوب الحوار الدّاخلي ( المونولوج) الّذي يكشف عن نفسيّة الشّخصيّة ودواخلها.

صوّر لنا الكاتب في الرواية الغربة بوجه أسود لئيم جارح، بل قاتل.

اِغتربت شخصيّات الرّواية: مصعب، عبد الحكيم، عليّ، نزار، غادة، وهدى في مدينة خلف المحيطات، في مدينة الأضواء والزّحمة والعمارات الشّاهقة والغموض، وتعدّد الجنسيّات والألوان والدّيانات والعقائد؛ وبلد المليشيات والعصابات والمجرمين؛ فكانت غربتهم مضاعفة، فهي غربة داخل غربة داخل عربة.

هم غرباء عن أوطانهم وأهلهم وقوميّتهم.؛ أمّا كونهم عربا ومسلمين فأضافت لهم غربة أصعب بكثير ممّا توقّعوا قبل هروبهم من أوطانهم الأصليّة؛ حيث أوقعتهم غربتهم في مآزق ومصائب كثيرة، لم يفتأوا أن يخرجوا من واحدة حتّى يدخلوا بغيرها، وخاصّة من النّاحية الأمنيّة الّتي وُصم بها المسلمون من قبل الغرب في كافّة أنحاء العالم، وألصقوا بهم تهما، هم أبرياء منها؛ وذلك من أجل توجيه عيون العالم نحوهم، لتحقيق السّيطرة على الشّرق وثرواته مثل النّفط وغيره.

من خلال تشابك الأحداث في رواية استطاع الكاتب أن يوصل فكرته المناهضة لأفكار الغرب والّذين يحاولون مرارا وتكرارا تثبيتها على المسلمين في هذا الكون. ربّما كانت الرّواية بحاجة إِلى تكثيف الأحداث حول المؤامرات الّتي تحاك ضدّ المسلمين مثل البوليس السّرّي والمخابرات من خلال استخدام التّنصّت، وكشف أسرار الحكومات وذكر العلاقات بينها وليس بين الافراد فقط؛ حيث حمّلت شخصيّات الرّواية أعباء كبيرة فوق كاهلها.

المكان في الرّواية ينمّ عن دراية الكاتب عبدالله دعيس بالمواقع وأسماء الشّوارع الحقيقيّة في مدينة نيويورك الّتي ذكرها بدقّة، وهذا يؤكّد على أنّها أماكن عاش فيها الكاتب وعرف عنها الكثير. أمّا الزّمان فقد بدا واضحا في الرّواية منذ الثمانينيّات حتّى التسعينيّات، حيث وقعت بالفعل حوادث دمار وتخريب؛ أمّا المستقبل فقد أوحى الكاتب عن وقوع حوادث مدمّرة وهدّامة في مدينة نيويورك، يقصد بها تدمير المركز التّجاري العالمي في نيويورك.

حاول الكاتب دعيس في نهاية روايته أن يشعل وميضا يخترق الرّمال المبعثرة في عالمنا العربي والاسلامي، وذلك من خلال تزويج الأحبّاء في مدينة غزّة الفلسطينيّة، وعودة المهاجرين إِلى الوطن.

لم تخلُ الرّواية من أُسلوب التّشويق الّذي يشدّ القارئ لمتابعتها.