كتاب «مرايا في الأدبِ والنَّقدِ والثقافةِ»

مشروعٌ رائدٌ لإرساءِ ثقافةِ نقدِ النَّقدِ سيمون عيلوطي

يواصلُ الناقد الدكتور محمد خليل في كتابِهِ الذي صدرَ حديثًا بعنوان "مرايا في الأدبِ والنقدِ والثقافةِ" مشروعُهُ مع النَّقدِ، والسَّعيِّ الدَّؤوبِ في معالجتِهِ لحركتِنا الأدبيَّةِ والثقافيَّةِ، سواء أكانَ ذلكَ في البحثِ والدّراسةِ، أو من خلالِ محاضراتِهِ التي يقدِّمها بينَ الحينِ والآخر في مختلفِ المنتدياتِ والمراكزِ الأدبيّةِ.

لاحظتُ من خلالِ قراءتي لكتابِ "مرايا في الأدبِ والنَّقدِ والثقافةِ" أنَّ الدكتور محمد خليل يُسلِّطُّ الضوء على أهمِّ المظاهِرِ التي مرَّتْ على مشهدِنا الأدبيِّ الفلسطينيِّ عبرَ مراحلِهِ التَّاريخيَّةِ-المفصليَّةِ والتي تَشَكّلَ هذا الأدب في ظلِّ مُناخاتِها وتطوَّر. فنراهُ يتوقف ُ في الفصلِ الأوَّلِ من الكتابِ عند "مظاهرِ الحياةِ في فلسطين قبلَ النَّكبة"، متطرّقًا إلى "عهد الحكم العثمانيِّ" من مختلف جوانبِهِ: السّياسيَّةِ، والأدبيّةِ، وتطوُّر الصَّحافة، والصُّحف العربيّة في فلسطين قبل الانتداب البريطانيِّ.

أمَّا في الفصلِ الثاني، فيتناولُ "واقع النَّقد الأدبي قبل النَّكبة" ما يساعده على الولوجِ في الفصلِ الثالثِ، إلى "مظاهرِ الحياةِ عامَّة بعد النَّكبة".

تتوالى فصول الكتاب في سردِ وتحليلِ ودراسةِ الظَّواهرِ الأدبيّةِ، والاجتماعيَّةِ، والسّياسيَّةِ، والاقتصاديّةِ، التي واكبت مسيرة أدبنا الفلسطينيّ في تلكَ المراحلِ، فبلورتهُ وجسَّدت ملامحه، ومضامينه، وماهيّة فنَّه الخاص بهويَّتهِ الأدبيّةِ التي ميَّزتهُ بنكهةٍ تختلفُ عن النَّكهةِ الأدبيّةِ التي نُحِسُّها في أدبِ الأقطارِ العربيّةِ، وإن كان جزءًا لا يتجزَّأ منها غالبًا.

يؤكّدُ المؤلّف من خلالِ نظرتهِ الشَّاملةِ الوارد ذكرُها آنفًا، أنّ "الأثرَ الأدبيّ، شعرًا
ونثرًا، وكذا كلّ أثر فنيٍّ، لا يتشكَّل من فراغ، إنَّما ينشأ مرتبطًا بسياقاتٍ متعدّدةٍ من ذلكَ المنطلق"، وبالتَّالي "لا يحقُّ لأيِّ قارئ، أو باحث، أو ناقد أن يقرأ، أو يدرس نصًا ما بمعزل عن سياقاتِهِ الاجتماعيّةِ، والثقافيّةِ، والاقتصاديّةِ، وحتَّى السياسيَّة! فالنّص نفسه، أدَبِيًا كان أم فكريًا، هو بنية لغويَّة، فنيَّة، يُعَبِّرُ عن واقع المجتمع وينبثق عنه. وفي هذا السِّياق قال أحد الأدباء: "إذا أردتَّ أن تعرفَ شعبًا من الشّعوب، فاذهب إلى فنونِهِ"!

للاعتبارات الواردة أعلاه، وجدتُ أن هذا الكتاب يشكِّل إضافة نوعيّة لحركتِنا النّقديَّةِ، لا يندرجُ مثلَ النَّقدِ الأدبيِّ عند البعضِ، تحتَ باب العلاقاتِ العّامةِ، أو لاعتباراتٍ فئويَّةٍ، أو حزبيَّةٍ، أو لغيرِ ذلكَ من الأمورِ التي لا تمتُّ للنَّقدِ الموضوعيِّ بصلة. مؤلّف الكتاب: يُغامرُ بالإبحارِ في بحرِ النَّقدِ المنهجيِّ ليصلَ إلى "نقدِ النَّقدِ" يقول بهذا الصَّدد، (ص118): "تهدفُ الدّراسةُ إلى الوقوفِ على واقعِ ((نقدِ النَّقدِ)) في أدبِنا المحليِّ في ضوءِ النَّقصِ الحاد الذي تعانيه مسيرة حركتنا الأدبيَّة والنقديَّة. لم يحظَ هذا الموضوع إلى الآن، باهتمامِ كتَّابِ النَّقدِ الأدبيِّ المحليِّ، وخيرُ دليلٍ على ذلك، أنَّ المتتبِّعَ لا يلحظ وجود كتاب خاص بنقدِ النَّقدِ". هذه الدَّعوة الصريحة لمعالجةِ النَّقدِ بالنَّقدِ، أراها في محلِّها، لعلَّها تُحدُّ من تلك الفوضى العارمة في مجال النَّقد عند بعض كتَّابه، والتي أخذت في الآونة الأخيرة تنتشرُ بشكلٍ لافتٍ، مستغلَّة سهولة النَّشر على صفحاتِ مواقع التواصل الاجتماعيِّ، وبعضِ المواقعِ على الشَّبكةِ العنكبوتيّةِ، وما زادَ الطّين بلّة في هذا المجال، هو: غياب المحرر الأدبيّ المختص عن تلك المواقع، وعن صحافتنا والورقيَّة أيضًا.

إذا أردنا أن نتوسَّعَ في مفهومِ الدكتور خليل لنقدِ النَّقدِ، نراهّ يتلخَّص في الآتي: "هو نشاط معرفي يقوم بمراجعة الأقوال النقديّة كاشفًا عن سلامة مبادئها النّظريَّة، وأدواتها التحليليَّة، وإجراءاتها التَّفسيريّة والتَّأويليَّة. في ضوء ذلك الواقع تبدو الحاجة ماسَّة إلى وجود نقد النَّقد.

وهذا يتطلَّب البدء بالتأسيس لهذا المشروع. لا سيَّما وقد مضى على عمر حركتنا الأدبيّة المحليَّة ما يزيد عن سبعة عقود، علمًا أنَّ العمر الحقيقي للأدبِ لا يقاسُ بالزَّمنِ، لكنه بكلِّ تأكيدٍ لا يحدث خارجه".

ما تقدّم يقود الدَّارس إلى نتيجة مفادها أنَّ "الطَّريق الأمثل للنُّهوضِ بالنَّقدِ الأدبيِّ هو وضعه موضع النّقد والمساءلة". من هذا المنطلق؛ اختارَ أن يسيرَ في مشروعِهِ النَّقديِّ الرَّائدِ نحوَ الاتجاهِ الصَّعب، وهو: نقد النَّقد. ومن المؤكَّدِ أنَّه نتيجة لذلكَ سوفَ يثيرُ من حولِه زوبعة من العواصفِ الكلاميّةِ والكتابيّةِ، خاصة أنَّ ثقافة الحوار، ومناقشة الرَّأيِ بالرَّأيِ، لم تتأًصَّل بعد، في حركتِنا الأدبيّةِ النّقديَّةِ، وفي حياتِنا العامّةِ أيضًا.

فهل تراه إزاء هذا الوضع: ينجحُ في تحقيقِ مشروعه النَّقدي لتأسيسِ ثقافة نقد النَّقد؟!...
أرجو ذلك.