القصة القصيرة.. إبداع و سحر خاص

، بقلم رضا سليمان

أتتنى رسالة من قارئة تسألنى عن: ماذا أقول فى محاضرة عن فن كتابة القصة القصيرة لشباب الكُتاب؟

فى البداية يجب أن نؤكد على أن القصة القصيرة هى لون أدبى له سحره الخاص و إن كان هذا اللون لا يحظى بالتقدير الكافى فى الوقت الراهن مقارنة بما تحظى به الرواية، لكن هذا لا يعنى أن رواد ومحبى فن القصة القصيرة هم قليل بل هم كُثر.

فن كتابة القصة القصيرة يجتذب فى البدايات الكُتاب الشباب، ذلك لأنها تعتبر إطار أو قالب مناسب للغاية لتلك الفكرة التى تعتمل بداخل الكاتب الشاب ولكنه لا يمتلك القدرة على السرد الروائى الطويل، فيختصر مكنون ذاته و مشاعرة فى عجالة لتظهر لنا القصة القصيرة.
وكما تجتذب القصة القصيرة الكُتاب الشباب فى البدايات فهى أيضاً ملاذ الكتاب كبار السن فى النهايات عند افتقارهم القدرة على الكتابة الطويلة لكنهم يمتلكون الأفكار الملحة فيقذفونها سريعاً فى قالب القصة القصيرة.

أما عن كينونة القصة القصيرة فقد كثُرت التعريفات و الأراء.. لكنى اختصرها فى كلمات قليلة كما يلى: سرد شديد الاختصار يقدم موقف عرضى.

و للقصة القصيرة أهداف يجب أن يراعيها كاتبها أهمها الفكرة و المعلومة التى تقدمها وثانيها الإمتاع وتلك أهداف عامة تنسحب على كل ألوان الأدب. وهناك دائما قيمة فكرية و أخلاقية تكمن خلف القصة القصيرة.

اللغة فى القصة القصيرة يجب أن تكون راقية و بسيطة لا ابتذال فيها و لا تقعر وأفضل الكلمات أيسرها على عقل المتلقى. مع مراعاة التجديد و الابتكار فى التراكيب اللفظية و التشبيهات و الاستعارات التى تُجمل القصة و تعطيها نكهتها الخاصة.

مضمون القصة القصيرة أمر يعود للكاتب.. وبالتالى هو شرط لا يستند إلى قاعدة فى كتابة القصة.. فقد يكتبها الأديب عن موقف صغير جداً لا يراه أحد غيره.. فهناك مَن كتب قصة قصيرة عن صرصور قُلِب على ظهره و يحاول الاعتدال فلا يستطيع، وفيها تعايش الكاتب حال الصرصور و أسمعنا صوته و تفكيره الداخلى. وهناك الأفكار الغريبة التى قد تستهوى الكُتاب، فقد كتبتُ قصة قصيرة بعنوان "ثورة الأيدى" و فيها حالة تخيلية لأيادى البشر و قد ضجت من أفعالهم المتطرفة و التى يستخدمون فيها تلك الأيادى، فتقرر الأيدى القيام بثورة و ترك الأجساد وتجمهرت فى ساحة عظيمة تتوسط المدينة و أجريت المفاوضات بين الأجساد و الأيدى عبر مندوبين لعودة الأيدى إلى الأجساد. وقصة قصيرة جداً كتبتها بعنوان "لحظة وداع" تقابل فيها العرافة عابر وتقرأ الكف، تقاوم دمعة،و قبل أن يعبر الطريق تكون نهايته..

الأفكار كما يُقال ملقاة على قارعة الطريق.. أو الأفكار مثل قطعة قماش.. الأديب المتميز هو الذى يلتقط الفكرة و يصوغها كيف يشاء.. يأخذ قطعة القماش و يقوم بحياكتها على شكل رائع..

ودائماً فى الأدب لا يُسئل الأديب لماذا كتب؟ و لكن يُسئل كيف كتب؟ السؤال عن الكيفية التى كتب بها و الكيفية هى اللون و النكهة التى يتميز بها هذا الأديب عن غيره.. فحينما تقرأ قصة قصيرة بدون معرفتك لكاتبها و تقول هذا أسلوب فلان.. فأنت تؤكد على نجاح هذا الكاتب فى الحفاظ على تفرده بهذا الأسلوب فى الكتابة. لكن هذا لا يعنى أن الكاتب المتنوع و المُنَوِع فى ذات الوقت أقل قيمة.. بل هو بتنوعه يؤكد على قدراته و تمكنه من الإلمام بالكثير من أشكال و ألوان الكتابة الأدبية.

ليس هناك عدد كلمات معين للقصة القصيرة أو حتى تقريبى.. فقد تطول أو تقصر وفقا لرؤية الكاتب و لكن الأفضل فيها الاختصار بقدر الإمكان، و الإسهاب يُضعف القصة القصيرة..

هناك أيضا علامات الترقيم، يجب أن تستخدم بحرفية عالية فلا يُعزف عنها ولا تستخدم بإسراف، فكل نقطة و كل فصلة لها أهميتها و لها معناها فى القصة القصيرة.

وليست القصة القصيرة قالب درامى كئيب إنما من الممكن أن تكون خفيفة الظل ترتقى بالحالة النفسية للقارئ. ومنطقى جداً أن تجد منها القصة ذات المضمون السياسى.. وإن كان الكثير منها عاطفى و ذاك من أسباب الابتعاد عنها لأنها فى هذه الحالة تدور فى إطار مدح أو ذم المحبوب و البكاء على ما مضى بشكل لا تجديد فيه.

من كبار كتاب القصة القصيرة الذين قرأتُ لهم أنطوان تشيكوف أو تشيخوف و الكاتب الساخر ميخائيل زوشينكو و يوسف إدريس وقد كتب الروائى الكبير محمد عبدالحليم عبدالله القصة القصيرة و كتبها ببراعة الكاتب الكبير النوبلى التكريم نجيب محفوظ.


رضا سليمان

كاتب مصري

من نفس المؤلف