بصائر سابحة

، بقلم محمد محمد علي جنيدي

يجري حتى استبد به التعب، فألقى بجسده تحت ظل شجرة تطل على كورنيش النيل، فانسكبت هنالك دموعه وفاضت أشجانه وكأنما ينتظر شيئا ما وهو يتذكر أيامه الخاوية.

هكذا كان يمارس حسن رياضته في مطلع كل صباح حتى صادفته فتاة تمشي مسرعة في الجهة المقابلة له وقد لاحظ عينيها تغرق في فيض من الدموع، استمر في ركضه قليلا ولكنه سرعان ما توقف وأعاد نظره إلى الخلف فإذا بالفتاة يسقط منها شيءٌ، فجرى نحوه وأدرك أنه محفظة فحملها إليها والتقى بها تحت ذات الشجرة التي يستريح تحت ظلالها - الآن -،، ناداها بصوت خافت: يا أختي يا أختي.. فوقفت واستدارت له وكأنما قد أحاطها الله بهالة من نور - ناضرة الوجه.. يكسي بريقها حزن دفين، وكأنما دموعها لآليء تتساقط على وجنتيها،، فسألها: أختي هل هذا لكِ، فأجابته بعينيها الجميلتين دونما حديث كأنما تريد أن تقول له نعم، ثم مالت بوجهها الذي بدا كبدرٍ ينير عتمة القلوب، ثم أعطاها محفظتها وهو يطلب منها: هل لي أن أقدم لك شيئا - شكرته - ثم استدارت لتكمل مسيرها....

تابعها حسن دون أن تدري به حتى اقتربت من مياه النيل وفردت ذراعها لتلقي بما في يدها في مياه النيل، ولكن هذه المرة استفزه الفضول ليعرف قصتها وانتظر حتى أتى الموج له بما ألقت، فإذا به ذات المحفظة.. تعجل في فتحها والماء يخرج منها فوجد ورقة صغيرة مكتوبٌ فيها (إلى الله المشتكى) ..

فرفع عينيه ليلحق بها ولكنها اختفت تماما، أخذ يجري في كل اتجاه فلم يجدها، وكأنها ضوءٌ قد صعد إلى السماء فتوارى بين سحب عاتية، أخذ يبكي ضارعا إلى الله (اللهم فرج همّها وأصلح أمورها وارزقها بما يسرها)...

وتمر الأيام وهو يأتي تحت ذات الشجرة يسأل الله ما بال الفتاة التي ألقت بمحفظتها في النيل!.

وهكذا كان حسن يأتي كل يوم حتى ألمح من بعيد الفتاة تأتي لذات المكان التي ألقت فيه بمحفظتها فهرول إليها ووقف خلفها وهو يسمعها تحمد الله وتثني عليه،،..

وبصوت خافت ناداها من خلفها أختي العزيزة.. أختي العزيزة،.. فاستدارت له باسمة كأجمل من الفجر إذا أقبل بين طيات النسيم ضاحكا مشرقا، فلم يرتب كلماته واستنهضته مشاعره ليقول لها: افتقدتك كالذي افتقد روحه - أرجوك - خبريني هل أنتِ بخير، هل مازلتِ تشتكين من شيء؟، فقالت: كفاني منك الدعاء، وإلى الله المشتكى، ثم استأنفت حديثها معه قائلة: اشتكى والدي السرطان ولم نجد ما ننفقه، واشتد به المرض لكنه كان راضيا صابرا حتى ظننت أنه مفارقٌ في هذا اليوم الذي رأيتك فيه، وعدت إلى الدار متعبة وأخذتني سجدة طويلة وأنا أدعو له حتى غلبني النوم في أمانها، ولم ييقظني سوى صوت آذان الفجر، وشعرت أن شيئا ما يربط على كتفي - فخفت – فإذا به والدي الذي لم يبرح سريرة منذ شهور، يستنهضني، ويأخذ بيدي، ويحتضنني وهو يقول لي بأن الله قد شفاه وهو يتصبب عرقا أطيب من ريح المسك، لم ننتظر طويلا، وذهبنا ظهرا إلى الطبيب المعالج لإجراء فحوص طبية فأخذت الطبيب دهشة كبيرة لما رآه محادثا ويمشي مبتسما، وكان الأمر أعجب في يوم آخر حينما تلى علينا نتائج الفحوص، وكأنما لم يصب بسرطانٍ قط،، فسبحان الله.. وها أنا قد جئت إلى هنا أخي لأحمد ربي على فضله وأشكره على عطاياه....الحمد لله

انهمر حسن في دموعه وهو يردد.. الحمد لله..الحمد لله،.. وساد الصمت قليلا بينهما وتساءلت العيون عن شيء ما قد استطاع حسن أن يبوح به بعد عناء وتمنى عليها أن تجيبه على سؤالٍ أخير قال لها: أختي.. هل أنت متزوجه فقالت: لا،، قال: هل تقبلينني زوجا لكِ،،.. فلم تجب واستودعته الله قائلة: إذا جمع الله بيننا ثانية سأخبرك ثم همت بالرحيل وقد قطعت خطواتٍ بعيدة عنه.... فنادها ليذكرها بشيء: أختي العزيزة ، فاستدارت نحوه باسمة ناضرة المحيا فقال لها : هذه محفظتك ألا تأخذينها، فقالت: هي معك في أمان من الله، فقال: أنا حسن.. اسمي حسن،.. فقالت : أنا دعاء..

وهكذا يأتي حسن من يومها يلقى بجسده تحت ظل هذه الشجرة يدعو لها ويدعو لنفسه بدعاء.

من نفس المؤلف