عودة إلى الينبوع خليل توما

لعينين من شعلة الفجر طال انتظاري
وها أنتِ في المهد، ما كنتِ شيّا
سوى الحلم والرّمز، أسمع فيك النداءَ الشّهيّ
لنسغ تسلل ذات ربيع وأوحى إلى الظلّ بالسّاقية،
وعن قارئات الطّوالع أنّ النساءْ
إذا جاءت الليلة القاسية
ونامت على جوعها الأرضُ في القيد والرّيح والزّمهريرْ
سينجبن، ينجبن حتى الهزيع الأخيرِ، وأنّ السّماءْ،
ستنشق عن نجمة، ربّما، أو غلام صغير،
وأنّ الجبال وأنّ الحقول سترعشها صرخة ٌ
ويقوم النّفير.
أحنّ لكفين من زنبق ٍ
وثوب تلوّث فوق الترابْ
وأمّ تنادي .... " اتركيني قليلًا"
أرتّب بعض الحجارة بيتًا وما ثمّ بابْ
وأجمع من يابس العشب شيئًا، ومن
ورق التين شيئًا،
وأسقف بيتي
فينهار، أبنيه، ينهار، أبنيه، ظلّ إلى
اليوم في خاطري كالعذابْ.
لوجه تألق في دهشة كلّ شبر ينادي
هنا الحقل والصّخرة العالية
وكانت ورائي تشدّ على باقة الأقحوان ِ
انطلقنا،
وكان المساء الشّهيّ على مقربة،
وملنا إلى عشّ عصفورة!... أين هامت
ومن لصّ منها الصغارْ؟
وبالأمس جئنا وقلنا نعود إذا اكتست الرّيشَ
مات النّهار،
وأمّي تنادي على أمّها
"أين راح الصغار؟"
وعدنا فقالوا كبرنا، فشاخت حقول
وضاعت طريق ٌ
ولم يبق إلا الجدار.
سلام على جوعنا المشرئبّ، سلامٌ
على عرينا والدّموعْ
على حارة يزعج الليلَ فيها
صغارٌ يضيئون مثل الشموع.
كبرنا فأين ابتساماتنا
تلألأ في الشّمس كالياسمينْ
وكيف ذوت جمرةٌ في الصّقيع ِ
الصّقيع اللعينْ
على دفئها اكتظّت الأرض بالعاشقات
وبالخيل طارت بفرسانها
وبالوردِ والدّمع والأمّهاتْ
وهل عافنا بلبل الثّلج عافَ المدينة؟
هنالك تقبع أسوارُها
كأنّ المقابر فينا دفينة،
كأنّ الضّباب الذي لفّها
زفيرُ الضحايا وقتلى الرّصيفْ
فلم يبق إلا عيون الذّئابِ
سلام ٌعلى عزمنا المستبِدّ سلامٌ
على جرحنا والنّزيفْ
فقد نامت الأرض في الزّمهريرْ
وفي القيدِ والليلُ سجّانُها
ولكنّنا في الهزيع الأخيرْ
وجدنا الشّموعَ، وعودَ الثّقابِ
الثقابِ الأخيرْ
وهذي الجبال وهذي الحقولُ
سترعشها بسمة ٌ
إذ يقوم النّفير.