دموع القنّاص

، بقلم جورج سلوم

الدّمار هو خلفية الصّورة..والبيوت المنهارة هي كلّ ما يمكنُ رؤيتهُ..(حمصُ ) أيَا مدينة الموتْ...انحنتْ أعمدتها ومالتْ سطوحها بتأثير القصف...وضاقت شوارعُها الضيّقة بالرّكام والحُطام...خلتْ بيوتها من الناس وسكنت زواياها أشباحُ الخوف وعفاريتُ الحذرْ...وكأنك أمام لوحةٍ سُريالية رسمها فنّانٌ عصبيّ المزاج وعلى عجلةٍ من أمره..

ذلك ما يمكن رؤيته من البرجِ الذي اعتليته..وحُدّد لي كنقطةٍ للرّصد والقنص..أكياسُ الرمل مكدّسة أمامي بلّلها المطر فاكتسبتْ صلابة ًولوناً كئيباً مزجتهُ غبرةُ المكان بصُفرة الموت...وبندقيتي سيّدة الموقف مرتكزةٌ على عمودين.. باردة قد يسخن رأسها اليوم؟..سبطانتها ظاهرةٌ من ثغرةٍ مفتوحة بين الأكياس تنذر بالويل لكلّ من سيكون في مرمى النظر..

وكأنّي بها ثعبانٌ مدّ رأسه خارج الجحر ومكثَ صابراً يجترّ سمّه لينفثهُ في فريسة اليوم.. المنظارُ يكبّر عشرين مرة..والهدف عدوّ قد يقتلك إن لم تقتله..

صعبٌ والله أن يصبحَ الشاعر قنّاصاً..والقناص شاعراً..لذلك ما استشعر شيبوب (ذو النبلة ) بينما استشعر عنترة
يمكن للشاعر أن يكون فارساً في ساحة الوغى..يقاتل بالسيف بين الفرسان وجهاً لوجه عندما يصطف الجيشان..فيقرض الشعر وتتمايل الرؤوس وتأخذها الحميّة وتتكسّر النّصال على النصال..

أما القناص فيختبئ في جُحر..جبانٌ كالأفعى المتربّصة.. يلدغ ويتسلل بين الأوكار.. يقتل بدمٍ بارد..تلك هي المهمّة التي أوكلت إليّ..والعسكري ينفّذ ثم يعترض..هذا هو قانون الجيش!
إنها الحرب...والقذرة منها

جعَلَتْ مواطنيك أعداءك بلا سبب

أسيطرُ من نقطتي على ثلاثة شوارع....والعمارات المرتفعة متلاصقة تبوحُ لبعضها بأسرارِهذه الحارة الحزينة... بيوتها خاليةٌ خاوية ونوافذها محطّمة تلعب الريحُ بستائرها...بعضها احترقَ بالأمس والبعض الآخر ما زالَ يلملمُ جراحه..

كلّ شيءٍ جاهز وأنا على أتمّ الاستعداد لأرسلَ أحد أعدائي إلى جهنّم وبئس المصير...تحسّستُ بندقيتي...نزعتُ مخزنها وأعدْتهُ إلى مكانه بعد أن تأكّدتُ من محتواه..

هناك حركةٌ ما خلف كوم القمامة... لست أنا من يطلق النار على جرذ!
أريد هدفا مسلّحاً..ويرمي عليّ أولاً..عندها سأغرقه بالرصاص

مرّت ثلاثُ ساعاتٍ وبدأ المطرُ ينهمرُ بهدوء..وأصابعي تشنّجت وهي مطبقةٌ على زنادِ ومقبضِ البندقية البارد...وأصواتُ القصفِ المدفعيّ ما زالت بعيدة...

تمنّيت في الماضي أن أزوركِ يا حمصُ لأتسامر مع أهلك الظرفاء...لكنّي اليوم أزورك مقاتلاً..ومن سأقتل؟..

عدو اليوم قد يكون من أبناء وطني!!...ويلي من هذه الحرب..عسى ولعل يكون عدوي من المسلحين الأجانب..مرتزقاً قرر الموت هنا..غريباً رمت به الأقدار

ماهذه الحرب التي لا معنى لها؟

وكيف يصبح مواطنوك هم أعداؤك؟

لا أعداء أمامي.. يتوارَون ويهربون..غوروا من وجهي..لا أريد أن أقتل أحداً..لم أحلم يوماً أن تكون ساحة معركتي هنا...المفروض أن تكون على الحدود..هكذا تعلّمنا في المدرسة..فكيف تغيّرت أفكارنا وعقائدنا؟

واهاً عليك ياوطني..السوس ينخركَ من الداخل..هل لأنك قديم ومن قبل التاريخ؟..فقرروا أن يستبدلوك بجديد!..هل يرونك كبيراً ويريدون تقسيم غرفك الداخلية بطريقة عصرية؟

بدأتِ الشمس تميلُ للمغيب..وبدأ الظلام يلفلفُ هذه العمارات بالأكفان..سوداءَ كحجارة هذه المدينة المجنونة التي هجرها سكانها وتشرّدوا في الشّتات..... لقد بدأ الخوفُ يتغلغلُ في جسدي.. المفروض أن يستبدلني أحد رفاقي في هذا الوقت...والمفروض ألا أغادر هذه النقطة من المرصد..هل تركوني وحيداَ وقاموا بانسحابٍ..تكتيكي..؟!

لا اتصال لي مع أحدٍ منهم ولا أصوات مسموعة من طرفهم..أشعرُ الآن بالبرد والوحدة...قلقٌ أنا أو خائف...لست أدري.

سأطلق النار ليشعر الرّفاق بوجودي..وأطلقتُ فزغردتْ موسيقا الموت..

سرى الدفء في أوصالي..ودققتُ النظرْ وترقّبتُ ردّا ما..

طلقاتٍ أخرى ولا من مجيبْ...أنا إذن سلطانُ هذه الناحية وبطلها...(دون كيشوت) يصارع طواحين الهواء..صرخت كفارس في حلبةٍ فارغة بدون خصوم ما خلا عماراتٍ مهجورة:

- هل من مبارزْ؟ هل من مُناجز؟

وداخلني أحساسٌ غريب بين الغبطة والأمان

وابلٌ من الرصاص انهمرَ أيضاً بعد أن ضغطتُ على الزّناد بعصبية..وبدأتُ أسمع رجعَ الصدى من طلقاتي الضائعة..ولا من مجيبْ...

لديّ طلقات كثيرة وثمن كل واحدة يشتري وجبة لعائلة جائعة..آه لو كانت بندقيتي تطلق خبزاً وأرشرشه رشاً على الجياع..آه لو تطلق حبوباً دوائية أو وروداً تزيّن الصدور ولا تثقبها..لا..لا أريدها أن تطلق نقوداً معدنية فالقرش الذي يأتيك سريعاً قد يقتل أيضاً!

لماذا تكون بنادق الحيوانات المفترسة أكثر رحمة من بنادق البشر؟..فتطلق حقناً مخدرة على الضباع والأفيال..ولا يختارون منها مقتلاً ينزف ولا عيناً تنفقئ..ويُحاكَم كل من يطلق النار على (قرد) كمجرمٍ دوليّ..ويعتبرون الحيوانات محميّة..اعتبروا أولئك الأطفال نوعاً من الحيوانات النادرة الآيلة للانقراض..خدّروهم بطلقاتكم كالحيوانات..ثم خذوهم إلى حدائق الحيوان.. دللوهم هناك وأطعموهم اللحم الذي حرموا منه..واعرضوهم للسيّاح يتفرّجون على وحشيتهم..واقبضوا ثمن العرض..ولا تقتلوهم ثم تدفنوهم في مقبرة جماعية!

عندها تذكرت الطعام اللذيذ الذي يُقدّم للكلاب المستأنسة.. ليس لديّ ما يُؤكل..وقد يكون اضطرابي وقلقي بدافع الجوع...لماذا ينسحبون ويتركوني وحيداً؟... لماذا يتقدّمون وينسونني خلفهم؟..آه ما هذه الحرب الشوارعية!

كنت أحبُّ الوحدة قبل التحاقي بالخدمة العسكرية..ولكن في غرفتي الخاصة مع موسيقى حالمة وكتابٍ عاطفيّ وفنجان قهوة بارد..وليس في وكر القتل هذا..

وأطلقتُ الرصاص مجدّداً يمنةً ويسرة..وجاوبني صداهُ قوياً ملحّناً بألحان الجدران الذي ارتطمَ بها...وحتى القصفُ البعيد تلاشى ولم يعد مسموعاً وكأنه مصرّ على تكريس وحدتي وغربتي...كأنها هدنة غير معلنة..إنها وقوف على الأطلال الخربة..إنها بداية القصيدة أيها الشاعر..يا دار عبلة بالجواء تكلّمي والخيل والليل والبيداء تعرفني..قلتها بصوت جهوري وما أجمل الصدى يأتيك من مغارتك المهجورة..أظن أن المتنبي قال قصيدته تلك في حلبة فارغة أيضاً وفي صحراء أشبه بالربع الخالي..وإلا لكان مات وهو يتفوّه بها!

الأمان المؤقت دفعني للتجوّل واستكشاف المكان..ماهذا البيت الذي غدا ساحة للمعركة؟..هذه غرفة أطفال وتلك كتبهم وألعابهم تركوها عندما فرّوا لمنطقةٍ آمنة..أحذية صغيرة جديرة بأن تعلّق على صدور أمراء الحرب كأوسمة غالية الثمن..هذه شهادة تقدير ومرحى من معلّمة المدرسة..هل تخيّل الطفل يوماً أن تسكن بندقيتي غرفته؟..
وهذه غرفة النوم وصورة العائلة معروضة على الجدار..أين أصبحتم يا أصحاب هذه الصورة؟
ألا يوجد طعام في مطبخكم؟..تخزّنون الزيت والمكدوس والزيتون والحبوب..مؤونة الشتاء وافرة كأي عائلة سورية.. وعندما يفرّ المرء أو يموت لا يأخذ معه شيئاً

انا سيّد هذه الناحية وكل ما فيها لي..بيوتٌ كاملة الأثاث إلا من أحيائها الأحياء... غنائم حرب قذرة..وفي الغزوات قد يكون الأحياء أيضاً من جملة الغنائم!..فيردف الفارس السبيّة على ظهر جواده ويطير بها كغنيمة حرب

لقد أخطأت اللغة العربية إذ تسمّي الشارع حياً..هذا ليس حياً من أحياء حمص لأنه لا أحدَ حيٌّ هنا..هذه مقبرة فرعونية وسرداب في مدينة أثرية..فحيِّ على كل من كان حيّاً هنا..
انتقلت إلى البيت المجاور مستكشفاً..والتحرّك سهلٌ بين البيوت عبر الثغرات المفتوحة في الجدران..ونسيت بندقيتي بمكانها..صرْتُ كمستكشفِ الآثار أقرأ تاريخ البيت من صوره المعلقة ومن أثاثه المتروك غصباً تحت نفير الخوف والهروب والنزوح

لا أخفي عنكم أنني فتّشت في الأدراج المغلقة والخزانات الخشبية..لا تزال رائحة أهل هذا البيت عالقة في ملابسهم المعلقة وثيابهم الداخلية التي كانت معدّة للغسيل وجواربهم بروائحها المتنوعة..وللبيوت أسرار تنكشف عندما يفرُّ المرء طالباً النجاة بروحه فقط..رشرشت على بدلتي العسكرية عطوراً قد تكون نسائية..لعبت بعلب الزينة ومساحيق التجميل..مرآة كبيرة أمامي ومنذ زمن طويل ما شاهدت وجهي بالمرآة..هكذا على مهل.. وضعت أحمر الشفاه على شفتي وتحت شاربيّ..والكحل على عيوني..وبيّضت وجنتي بمسحوق أبيض..وغمست ذقني في مغطس من العطر..وضحكت بصوت عال..عالٍ جداً في حلبتي الفارغة..وبانت أسناني الصدئة..

قد أحمل معي ذكريات من البيوت التي زرتها..وأعتبر ذلك سرقة مشروعة..هذه القلادة ليست ذهباً لكنها تليق بصدر حبيبتي..وإن لم آخذها سيأخذها غيري..هذه هي الحرب التي لا مبدأ ولا شرع لها ولا وازع من ضمير!

البرّادات المنزلية مغلقة إلا على طعام فاسد إذ لا كهرباء هنا..لكن بعض المعلّبات تفي بالغرض وتسكت جوعاً..وزجاجات الخمر لا تفسد..بقي عليّ البحث عن سجائر لتصبح مائدتي عامرة..وأختار أجمل غرفة نوم وأنام فيها..وأتوسد أطرى الوسائد وأنعمها..وأنام وأحلم ولتكن ليلة من ليالي العمر..فالعسكري حياته مرهونة باللحظة الحاضرة وغداً قد أكون شهيداً
قضيت عدة ليال في ذلك الحي قبل أن ألتحق برفاقي..كانوا مشغولي البال عليّ إذ اعتبروني شهيداً أو مخطوفاً أو مفقوداً..سهرنا في ليلة سمر وتجاذبنا أحاديث كثيرة فيها الكثير من التأليف والمبالغة عن بطولاتي الجوفاء..

اعترفتُ أنّ طلقاتي الناقصة لم تقتل أحداً

قلت لهم بأنني لم أشاهد دماء..كنت فقط أدافع عن نفسي وكانوا يهربون كالجرذان..واعتبروني بطلاً

حكيت لهم عن موائدي الحافلة في البيوت المتروكة وأنواع الخمور الغالية التي شربتها لأول مرة وقد لا أشربها ثانية..ومغامراتي مع الملابس والعطور ومساحيق التجميل النسائية في غرف النوم المهجورة..وعندما استسلمت للنوم في فراشي العسكري القاسي وعلى وسادتي الخشنة تذكرت البيوت العامرة والمخدات الناعمة..عندها سالت دموعي بصمت على وطن سيعيدون إعمار خرائبه.. وقد كان عامراً بأهله..

تعليق الكاتب:

تلك قصة حقيقية رواها لي العسكريُّ نفسه..وهو طالبٌ جامعيّ في كلية التربية..رواها لي عندما أتوا به جريحاً ذات مرة إلى أحد المستشفيات الحمصية!

طبعاً فيها إضافات منه..وفيها إضافاتٌ مني.


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف