الأربعاء ١٥ أيار (مايو) ٢٠١٩
بقلم عبد الرحيم حمدان حمدان

قراءة نقدية في «منذ ساعة تقريبا» لناصر رباح

وقعت بين يدي رواية للكاتب ناصر رباح صادرة عن دار خطى للنشر في غزة، وتحمل عنوان "منذ ساعة تقريباً"، وتقع في(330) صفحة من القطع المتوسط. وقد قُسمت الرواية ُثلاثين فصلًا، كل فصل منها يحمل عنواناً يتناسبُ مع الفكرة والمضمون.

ولما علمت أن تلك الرواية هي باكورة أعماله الروائية، أدركت أن الكاتب من الأصوات المتميزة في عالم الرواية الفلسطينية، وأن أسلوبه يحمل سمات روائية متفردة، لقد ولد المؤلف - حقا - كاتباً روائياً كبيراً؛ ذلك أن روايته استوعبت مكونات الإبداع الروائية الجوهرية من شخصيات وسرد ولغة وزمان ومكان وبناء فني، وأنها جميعها تفاعلت معا في شبكة متينة من العلاقات الفنية، وأحسست أن وراء هذه المكونات الفنية كاتباً سعى جاهداً إلى تطوير أدواته وآلياته تطويراً سلك فيه سبيلاً داخلياً، أي: طورها من داخل تلك الأدوات؛ لأن الرواية من الفنون الأدبية التي تمتلك القدرة على التطور، ومواكبة مستجدات العصر، فعُنٍي في رسم شخصياته الروائية بالتفاصيل الدقيقة وراء تلك الشخصيات، والتي ساهمت في الكشف عن ملامحها ومعالمها الأساسية، وحاول الكاتب تكسير تراتبية الزمن بعيداً عن التمسك بالتتابع الزمني المنطقي، وقام برصد الأمكنة الروائية المختلفة، مبدياً حرصه على استبدال الفضاء بالمكان.

إن أجمل ما يلفت نظر القارئ المستقبِل، ذلك الانسياب والتدفق في السرد والوصف والحوار، يبدأ المتلقي بقراءة الفصل الواحد، فيستمر في القراءة، لا يهون عليك أن يتركه قبل أن ينهي قراءته؛ لما فيه من إثارة وتشويق؛ ولما يقابله من دهشة ومفاجآت.

إن تراسل الأجناس الأدبية الإبداعية الكتابية من: رسالة وشعر، وتراسل الفنون من مسرحية، وسينما، وفن تشكيلي وإيقاع موسيقى، وتصوير فوتغرافي يتجلى بصورة واضحة في المشاهد الروائية المتعددة ويعد علامة فارقة من علامات تحول الرواية الجديدة>

تمتعت الرواية بلغة وصلت مفرداتها وتراكيبها وأساليبها إلى تخوم الشعر وشواطئه، لغة شعرية موحية بالدلالات، مفعمة بالمجازات التصويرية، فضلاً عن أن الرواية استخدمت تقنيات سردية متنوعة منها: تقنية الارتداد الفني، والاستباق، والتذكر، والتداعي، ورسم المشاهد، وأسلوب القطع الفني، وتقنية الحذف المتمثلة في النقاط(..... ). وأسلوب التشتت في الأحداث والزمن واللغة..

إن أجمل ما يلفت انتباه المتلقي، ويجعله يستمتع كثيراً في قراءة الرواية، هو ذلك الحوارُ المتعدد الأنماط من: حوار داخلي وآخر خارجي، والذي يعد لبنة أساسية من لبنات البناء الروائي في هذه الرواية، علاوة على ما في توظيفهما من مهارة واقتدار وجدارة، فتجدهما يتمازجان مع بعضهما بعضاً، وتداخلهما وامتزاجهما في الوقت نفسه مع السرد والوصف
.
هذا الحوار الفني الذي استوفى شروط الحوار الفنية، جاء في جمل قصيرة متتالية يشبه الى حد بعيد الحوار الذي يجري على خشبة المسرح، الحوار المسرحي، وجاءت الرواية أقرب ما تكون في لبناتها السردية إلى ما يسمى بالرواية المسرحية.

إن الحوار المسرحي في مقاطع كثيرة في الرواية يولد إيقاعا نغمياً يوحي بمضمون الفكرة والمقصد الكامن وراء تلك الحوارات.

وفي مكنة المتلقي إيراد نماذج للحوار الفني بأنواعه المتعددة، والذي ساهم في دفع حركة الأحداث ورسم ملامح الشخصيات وتحديد أبعادها المتنوعة.

ففي أحد المشاهد الروائية يقول السارد على لسان "سلامة" الموظف في مكتب البريد مخاطباً المكتوب:

- أتشرب قهوة؟

وتبعها سلامة بضحكة صغيرة ساخرة. الخطابُ رغم إحساسه بالحرج، فقد تنفس الصعداء، واهتز في مكانه؛ ليتحول من وضعية الوقوف إلى الاضطجاع على أحد جانبي الرف، لكنه سرعان ما أدرك أن تلك الدعوة لم تكن إلا سخرية كاملة من الموظف.

- تعال هنا!

تحرك المظروف من مكانه، واستقر بين يدي سلامة يقلبه بكراهية واضحة، ثم يمسكه بيد ويطرق به راحة اليد الأخرى ويهز رأسه:

- نعم، نعم، أعرفه، أعرفه. منير الساكت، ابن خلدون، الله يرحمه ! لكن من سيرسل له خطابا!؟

في تلك اللحظة غلت القهوة، وانسكب وجهها.

- إيه.. هو يوم أسود من أوله، هذا خطاب نحس، هل أمزقه؟ هل أضعه في الدرج وأنساه؟ أنا لا استبشر خيراً. استر يا رب!( الرواية ص 12 ، 13).

وفي مشهد روائي ثان يقول السارد الكلي العلم مازجاً سرده بحوار خارجي وداخلي رهيفين:
"وضع العم سلامة المظروف في جيبه، وتقدم خارجاً، أغلق المكتب، ولوح لجاره الذي تفاجأ بانتهاء الدوام المبكر للمكتب:

- الى أين؟

- مشوار صغير وأرجع.

هكذا ردَّ سلامة موارياً سوءة ما في جيبه، ومخفياً مصيبته، مشى وهو يكلمه:

- أأعجبك أن أكذب بعد هذا العمر؟! أهكذا تصنع بي؟ ماذا فعلت لك؟ لماذا يصبح العمل الذي كنت أفتخر به ذات يوم شيئاً معيباً؟ ... هل تجيبني؟

ثم هزَّ الخطابَ في جيبه كمن أَجبر متهماً على الاعتراف بجرم لا يفهمه، والخطابُ يكاد أن يقول له:

- يا رجل، خلِّصني من هذا الحرج، وارمني حتى ولو على باب بيته، وانتَهِ مني.

واصل سلامة خطاه باتجاه العنوان، وهو يجهز اعتذارا ً لطيفاً عما يحمله.

سأقول مثلا: لا أعرف، وصلني اليوم، ثم أمد يدي بالخطاب، وأغادر مسرعاً، أو الأفضل أن أقول له: كيف حالك؟ آه تخيل... اليوم وصلك الخطاب! ثم أضحك، وحين يبادلني ضحكة مختلطة بالدهشة، سأعتذر بأنني مشغول، وأستعجل انتهاء تلك المهمة السخيفة: إيصال خطاب بريد يتيم في وقت لم يعد فيه أحد يرسل أو يستقبل خطابات" (الرواية: ص 18).

من حق القارئ أن يتأمل ويستمتع بهذا الحوار الذي اختفي فيه السارد / المؤلف وراء الشخصيات، وتركها تعبر عن أفكارها ورؤيتها للحياة بنفسها بطريق تلقائية، وبأسلوب مباشر مستثمرا في ذلك أنسنة الجماد (المكتوب) مثلا، إذ جرد الموظف سلامة (ساعي البريد) من "المكتوب" شخصاً آخر يخاطبه، وجعل من المكتوب إنساناً يستجيب له، ويردّ عليه كلاماً منطوقاً؛ ليكشف عن طريقه الأحاسيس والمشاعر المستكنة داخله. وقد جنح الروائي لانتقاء الألفاظ واختيارها الدقيق مثل الفعل: (يكاد) الذي خفف وروده في العبارة من حدة المبالغة في التصوير.

وفي مشهد ثالث يتجلى فيه الحوار الخارجي الذي يدور بين شخصيتين من شخصيات الرواية هما: "هالة" وزوجها "منير"، مازجاً الحوار الخارجي بالحوار الداخلي، والسرد، يقول السارد:

وعلى أثر خروج أبويها (هالة) من زيارتهم الأولى قالت لمنير وهي تفُضُّ هداياهم:

- أبي أهداني عطرا ً ممتازاً، وأمي جلبت لي قميصَ نوم، منير.. هل يمكن أن تشتري لي كتابا؟
- كتاب! أي كتاب؟
- أي كتاب تجده في طريقك، لا يهم .
- وما الهدف؟ ما الداعي؟ هل ستعودين للدراسة؟
- لا لقد اكتفيت من المدرسة، لكن الكتب أرواح يؤنسون البيت. بيتُنا مات حين باع أبي المكتبة، حين خرجت منه الكتب.

(أوه.. ها هي جدتي عادت من موتها).

- هالة، هل تحلمين أنت أيضاً بجوادٍ يأكل العشب؟

مدَّ لها كأسا كان فيه بقية ماء وقال:

هالة، اشربي.. اشربي يا هالة.. يبدو أنك عطشى

أنت تسخر مني؟ إذن لا عشاء لك اليوم.

هه.. هه.. هالة لا تفكري أنك تستطيعين ليَّ ذراعي يوماً، حتى ولو كنتِ تمزحين. سأخرج، وسأتأخر، كلي أنت وحدك ونامي مبكراً.

حين يتأمل المتلقي هذه الحوارات المسرحية يكتشف أن الكاتب اتكأ على تقنية الترميز في لفظتي "الحصان" و"العشب". وكذلك يعثر القارئ على متناصات لفظية تنم على ثقافة أدبية واسعة، فعبارة "الكتب أرواح يؤنسون البيت " تستدعي إلى ذهن السامع سطراً شعرياً من قصيدة محمود درويش" لماذا تركت الحصان وحيدا". التي يقول فيا محاوراً:

- لماذا تركت الحصان وحيدا"؟!

- لكي يؤنس البيت يا ولدي.

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها..

أو هو مستمد من الإهداء الذي ورد في مطلع الرواية والذي يقول فيه الكاتب:
إلى أبي...

مت، فمات البيت."

فقد ساهم هذا التناص في تعميق مضمون المشهد الروائي، ومنحه حيوية ونبضا تراثيا غنيا بطاقات إيحائية.

نأمل أن تكون هناك قراءة نقدية لرواية أخرى للكاتب، وقد استغل التقانات الروائية المطورة في روايته؛ ليصل بها إلى مصاف كتاب الرواية المتميزين.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى