السبت ٢٩ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٥
القصة الفائزة بالمرتبة الثالثة
بقلم عبد الباسط محمد خلف

نساء في الشاحنة

راح مُكبر الصوت الوقح يطارد سكون القرية الصغيرة بإعلان لأحد السَّمَاسِرة: من تريد العمل هناك، فعليها الإسراع في النوم باكرًا، لأن الرحلة ستنطلق في الثانية فجرًا. اقتحم النداء مدفوع الأجر للمنادي الأعور أُذن والدة انشراح، نقلت العجوز التي بات الزمن يُعاقبها بمرض لا نهاية له، الفرحة لابنتها:انهضي …انهضي… جاءت البشرى، غدًا ستذهبين إلى العمل، "بكرة بتنسي المرض ويومه يما."

تملك الذهول عاصمة جسد انشراح، فقال لسانها بتمرد على العقل: موافقة يا أمي، وسأخلد للنوم حتى تلك الساعة، لا تنسي الزوَّادة.

عادت إلى نومها، وتكرر الحال مع أخريات كانشراح:

ليلى صاحبة الوجه المستدير مثلاً أمرها زوج والدتها بالعمل وتخصيص نسبة من المال له ، فالإفلاس يطارده منذ سنتين، ونسي كما كان يردد لرفاقه طعم اللحم الأحمر والسجائر المستوردة.

سميرة التي خذلها حظها العاثر، زوجها لا يعمل منذ عشر سنوات.

سهام يسمونها"عانس"ولا أحد يعيلها، وتعرف في الحي من لونها الذي حرقه الشمس.
فيحاء، الصبية غير المتزوجة أو التي لم يسمح لها بالزواج، تريد مساعدة أختها في إكمال تعليمها الجامعي ، فهي في السنة الأخيرة، وإذا لم تساعدها فستخسر أحلامها.

أم سليم تحتاج لثمن فاتورة الدواء ذي العلبة الصفراء غير المتوفرة في المستشفى الحكومي.

إنصاف لم تعرف النقود منذ سنتين وحفنة من الأيام.

أبرمن صفقة على جَناح السرعة مع السَّماسِرة، لم تكن أي واحدة منهن على علم بأي شرط من بنود اتفاقية"باريس الاقتصادية"، مثلما لم يعرن الانتباه لوثيقة "جنيف" التي لم يكن يعرفن قراءة بنودها أو فهم تعابيرها. أنبلجَ الفجر المبكر وهاجرت خيوط الظلام مكانها في عيونهن، استيقظن وهن ينظرن لساعاتهن القلبية التي راحت دقاتها تقرع جرس إنذار يبشر بحلول لعنة - لا تَعرف هوامش الخطأ، ولم تعتد التزود بالوقود.

نسيت فوزية الزَوّادة، ارتَدت سهام جوارب والدتها المهترئة، لم تستطع علياء غسل وجهها لأن المياه مقطوعة هذا الصباح عن العائلة بأمر من السلطة المحلية، وذلك لعدم تسديد الفواتير المتراكمة على العائلة، فشلت أم علي في وداع صغيرها "سعدو" كما كانوا يدللونه في الحارة، أجبرت ليلى على النهوض قبل الموعد بنصف ساعة؛لأن زوج أمها لم يذق طعمًا للنوم، وراح في ذلك الليل البارد يضرب أخماسًا بأسداس، ويخاطب نفسه:سأشتري تلك العينة من التبغ الحار من حانوت أبي شوقي العلي... وسأفلح أخيرًا في ابتياع "التوباكو" لأول مرة منذ ثلاث سنوات ...

أما أم سليم فأجبرت على مقاومة مرضها، فيما بدرية استدانت من شقيقتها ثمن الخبز الأسود الذي ستصطحبه في طعامها.

الجميع جَهَزن أنفسهن، واستبقن الموعد بعشر دقائق، راحت نسمات هواء الصباح تقتصُ من قواهن وتلفح وجوههن. وما أن سمعن أصوات محرك الشاحنة إلا واستعددن للصعود .

قال السائق:بسرعة.. بسرعة يا بنات، تأخرنا، الخواجا ينتظرنا ع الحاجز يالله ...
تكدست البنات في المقدمة، لأنهن الأقدر على تحمل ضغط الدفع الذاتي من الخلف، الأمهات الطاعنات صعدن في مؤخرة المركبة، كن كالسمك المعلب أو سردين "أبو شاربين" كما قالت هدى، وصارت الدنيا تعبث بهن، الرؤوس تدور في الجهات الأربع، السرعة تجعلهن كمن يسبح في القمر.

تمايلنَ يسارًا ويمينًا، بعضهن أجبرن على إكمال النوم المـُقتطع، وأخريات حاولن الحديث خشية سيطرة سُلطان النوم عليهن أيضًا.

بدأ السائق الأرعن يبحث في مؤشرة المذياع على محطة إخبارية تسمح له الاستماع لأي شيء في هذا الوقت المتأخر مما يجعله يقاوم النعاس، وربما يصطاد خبرًا طازجًا عن الحرب حديثة العهد في أرض الرافدين..

لم تجد أم سامي بدًا، من إطلاق نكتة علَّها تنتزع من وجوههن ضحكة تخفف من آثار سرعة الشاحنة، التي تسير على شارع ممزق. قالت : مره في واحد اسمه أبو جلدة، وقع في حفرة، وظل فيها لأنه رفض كل المساعدات التي كان يبدأها أصحابها بهات إيدك. إلى أن جاء رجل في آخر اليوم، وراهنهم على أنه سيخرجه من الحفرة، عندما قال له: خذ ايدي يا أبو جلدة...

انطلقت ضحكات وتعليقات ساخرة، تزامنت و الانتقال للمحطة الأخرى من الرحلة.

توقف السائق إسماعيل، وهبط إلى الأرض لفتح الباب: يالله انْزَلن للثلاجة يا بنات قبل ما يجو أولاد عمنا ...

نزلن من المركبة، وقد سُرق الهواء منهن لمدة طويلة، وبدأن باسترداده قليلاً، لأن الرحلة لم تنته بعد.

في مقدمة الشاحنة المخصصة لنقل الخضار، جلس ديفيد الأسمر مع نظارته وشعره الطويل، ظنت أم محمد أنه فتاة، أطلقت لها نداء التحية فهي تعرف القليل من العبرية، حيث سمعت بها وهي تعمل هناك … ضحكت زميلاتها، وقلن لها:هذا واحد، العتب ع النظر يا أم محمد ...

خلال إعادة الانتشار إلى الثلاجة سقطت أم كفاح أرضًا، فهي مصابة بضيق في التنفس، وآثرت الرجوع لبيتها، فيما الأخريات انتقلن من علبة سمك إلى أخرى، وهذه المرة ستكون المسافة أطول، مثلما أخبرهن السمسار.

نزل ديفيد من مركبته، وأقفل باب الثلاجة، ثم أدارها مسرعًا، إلى أن وصلن حاجزًا شائكًا صار يطوق القرى والمدن ويحولها لسجون كبيرة، أمرهن بالنزول، والتسلل عبر ثغرة في الجدار ثم المرور بحقول وأودية، وذلك كله قبل أن يولدَ الفجر.

تقاطرن مذعورات في مكان موحش، فتشن عن مسرب يمكن أن يقيهن من الوحل، وحاولت انشراح الاحتماء بأم راضي من البرد والمطر وبعض الكلاب الضالة المنتشرة في المكان...

وصلن وهن يتنفسن الصعداء إلى النقطة التي ينتظر فيها ديفيد السائق وصاحب مزرعة البرتقال التي سيقطفن ثمارها.

تذكرت أم سليم أن والدها...... كان ذات يوم مالكًا لأشجار مماثلة في يافا، قبل أن يجبر على الرحيل.

حاولت هدى إيقاف أم سليم عن الحديث قائلة: إللي فات مات يا حاجة، إحنا بنات اليوم...

لم ترد أم سليم على الصغيرة هدى، وقالت: "الدار دار أبونا وأجو الغُرب طحونا..."

ثانية، أعدن تعليب أنفسهن في الثلاجة، لم يكن بمقدور أي واحدة منهن التحرك، فالتي تُبدل مكانها ستضطر لفقدانه.

كل واحدة كانت تُغني على ليلاها، فالرحلة طويلة وتحتاج لأربع ساعات على الأقل.

فرملَ السائق على حين غرة، فشعرن أن زلزالاً لحق بهن، أم سليم أكرهت على الاستفراغ، لأن المرض لن يمنحها هدنة للسفر بطريقة تحول الإنسان لعلبة سمك رخيص أعد على عجل لإغاثة اللاجئين. تضررت انشراح قليلاً مما قذفه بحر أم سليم الجائع.

التف عن حاجز لشرطة مكان البلدة التي لا يعرف اسمها الأصلي ، وتَمددُ فوقها هذا القادم من بولندا الباردة.

في السابعة والنصف، وصلن للبيَّارة، تنافسن على النزول لاستنشاق الهواء الذي حجب عنهن، لم تستطع انشراح فتح عيونها دفعة واحدة، وتحولت لبضع دقائق إلى كفيفة مُبصرة.

أُمرن بالعمل فورًا، وتلقين تعليمات كثيرة، تَأمر وتَنهى وتحُذر وتحُدد.

كرر ديفيد بعربية محطمة: "ممنوء الاستراخة، بس نوس ساءه"...

راح الإعياء يتسلل إلى أم سليم وغيرها، فنهارهن بدأ فعليًا قبل خمس ساعات.
قالت لانشراح: معقول إللي بصير؟

"لوينتا …؟"

لم تعرف انشراح جوابًا، رغم أنها تخرجت من المدرسة قبل صف واحد من الثانوية العامة.

حاصرهن الإعياء، إلى أن وصلت الساعة إلى الثانية والنصف، لينقلن إلى عمل آخر. عندها قالت انشراح:سنصل إلى البيت ربما في السابعة أو أكثر.

استنسخَ الوجع نفسه في رحلة الإياب، وكان على المائة عاملة الوصول إلى البيت لتناول طعام إن وجد، والنوم سريعًا ، لأن الغد لا ينتظر أحدًا.

تفرقن على بيوتهن في أربع قرى مجاورة، وحصلن على تنبيه : غدًا سنبكر يا بنات قليلاً!!

استمر الحال لعشرين يومًا، في كل يوم كان يبرز ذل إضافي، أجبرن على القبول بطَعمِه، إلى أن جاء يوم الأربعاء ليزداد ضخ الذل.

نقطة عسكرية أوقفت الشاحنة، وأمرت بتفتيشها أنكر ديفيد وجود أحد، لم يصمد سوى دقيقة، فتح الجنود الشاحنة، وتفاجأوا بشحنة البشر هذه، أمروا على الفور بتحويل المحتجزات إلى مركز للتحقيق للاستماع إلى إفادتهن.

وبدأوا يلتقطون الصور ويسخرون من "السردين البشري".

داخل المعسكر أمر ضابط كبير بتصنيف المحتجزات لأربع مجموعات وفق العمر.
في المعتقل الأولي، شرع الضباط بالتحقيق مع كل واحدة، ولم يفرغ هؤلاء من ممارسة ساديتهم إلا بعد الثالثة من فجر اليوم التالي.

في كل يوم كانت انشراح،بعد عودتها من العمل،تدون يومياتها المرة.

في اليوم الأول:تمنيت الموت لأنه أرحم من الحياة بهذا الشكل.
في اليوم التالي كتب: اللهم الموت ...
بعده: لو كان غسان كنفاني موجودًا لكتب رواية ثانية، وهذه المرة لنساء في الثلاجة أو الذل.
المحطة الرابعة: لولا لطف الله، لسقطت أم سليم في حفرة عميقة.
خامس أيام الذل: شعرت بأنني كعلبة الطونه الرخيصة.
في اليوم السادس: بدأت أفكر بالخلاص من هذه الدنيا.
ثم:تمنيت أن تنشق الأرض لتأكلني، فربما اعثر على راحة!!
ثامن أيام الهوان:حاولت تجرع مبيد للأعشاب، فلعلي أرتاح من هذا الوجع!
في اليوم التاسع:تعرضت للضرب بعصا من ديفيد، لأنني اقتربت قليلا من جدار الثلاجة عندما توقف قرب إشارة ضوئية.
في المحطة العاشرة: لم نر الشمس لا في الشاحنتين أو على الأرض.
اليوم الحادي عشر: وعدنا بتلقي أجر.
النقطة الثالثة عشرة: نسيت طعامي.
_اليوم الرابع عشر:أقتص البرد من جسدي وزميلاتي، وفتشَنا ديفيد خشية تهريب البرتقال.
عند الخامس عشر من أيام العذاب: تعرضنا لمطاردة ونحن نتهرب عبر الأسيجة، وأطلقوا علينا الغاز المدمع.
في نهارنا السادس عشر: تفاقمت أوجاع أم سليم.
بعده: طالبنا بأجرنا، لكننا تلقينا وعدًا آخر.
في اليوم الثامن عشر:نال مني المرض، كنت أتمنى الغياب في اليوم التالي، وأجبرت على الذهاب.
_الاثنين: أمطرت السماء بغزارة، وغرقنا في الوحل.
الثلاثاء أو اليوم العشرون: فتشت عن سمٍ ثانية.
الأربعاء: انتهى الذل، ولم يَدُقنا الشوك، فلم نتسلم أي أَغُورة!!
في صباح اليوم التالي تسلل المرض إلى جسدها، واحتجزها في الفراش لخمسة أيام، ولم تعثر على دواء...

وصل النبأ إلى مديرة المدرسة وطالباتها ومجلسها التعليمي، وصادف ذلك وقصة مسعدة أم هشام - التي تنافست الأحزان على استعمار وجهها، فهي ابنة الرابعة والخمسين، وقد تنازعت صور أولادها الأربعة الذين حرموا من ارتشاف الحرية للسيطرة على ذراعيها.

وقفت أم هشام وعشرات الأمهات بجانب لوحة بيضاء ثبتت أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنين، تفيد بأن الزيارات ممنوعة هذا الشهر أيضًا.
استيقظت باكرًا، وشددت الرحال في السابع عشر من نيسان يوم الأسير الفلسطيني إلى مدينة جنين للتضامن مع أبنائها وأبناء مثيلاتها.

حملت في جعبتها الكثير من الوثائق والتفاصيل الصغيرة التي تنفي عنها السعادة بخلاف اسمها: قصاصات ورق من صحف عبرية تظهر نجلها بسام وهو في لحظة تعذيب، إطار ضخم يجمع أولادها في ناحيته المقابلة، يقف علام ابن التاسعة عشرة. وفي الركن المقابل، يستقر رسم بلال، الابن الأصغر لأم معذبة توفي زوجها نبيل سعيد ذياب قبل سبعة عشر عامًا تاركها تتجرع الشقاء كالماء. في الزاوية السفلى للإطار الذي لا يفارقها في مناسبات واعتصامات كهذه يستلقي رسم عزام أبن الخامسة والعشرين.

تحولت لخبيرة بشؤون السجون وتضاريسها وأوصافها و لا زالت تتذكر جيدًا السادس عشر من آب العام 2001، حينما سرق جيش الاحتلال منها ولدها عزام، وبعد نحو عام حكموا عليه بالسجن مدى الحياة.و لم يبق في بيتها سوى أربعة أبناء، وانتقلت ابنتاها إلى بيت الزوجية.

تتهاطل الدموع من عينيها، فلم تعرف بالحكم على عزام إلا بعد مرور ستة أشهر، إذ حاول أشقاؤه تأجيله عن مسامعها قدر المكان..

تنتقل في قلبها المقسم لدويلات يحكمها الحزن لروي حكاية نجلها علام الذي لم تزره كما أخوته منذ لحظة أسرهم، فهو الذي أدمن المحتلون احتجازه بدون توجيه لائحة اتهام، وأسرفوا في تمديد أحكام الاعتقال الإداري بحقه غير مرة.

تستأنف لحظة ألم مزدوجة أخرى، ففي الثاني من تشرين الأول 2001، أعتقل جنود الاحتلال ابنيها بسام وبلال .

تشرع من جديد في رسم "خارطة طريق" لأوجاعها، فقلبها يتوزع على سجن عسقلان حيث بلال وبسام، وعوفر وحواره وأنصار ثلاثة في صحراء النقب والدامون الشاهد على تنقل علام الصغير.

تعيد نشر قهرها، فعلام كان بصدد إكمال دراسة الثانوية العامة، وهو المدلل الذي أصبح يشاركها ليلها وحلمها المزعج.

في كل مرة تحاول فيها أم هشام الاستفسار عن موعد الزيارة الأولى، تعود بإجابة لا تفهمها: أولادك ممنوع زيارتهم لأسباب أمنية ‍؟؟

: إذا ما طلع النهار وتوجه الطلبة لمدارسهم تتذكر علام، وإذا ما حان موعد إعداد طعام الإفطار يشاركها البكاء على أولادها الأربعة، وحينما تتوجه إلى حقلها تتخيل الأيام الماضية عندما كانوا يعملون ويحتلون الأرض.

في اللحظة التي تفتح فيها خزانة الملابس وتعيد ترتيب الغسيل، تتجدد أحزانها على من غابوا، وإذا ما صعدت على سطح المنزل تبدأ بالنداء على بسام، ولا تفارقها الحسرة على عزام إذا ما طهوت الطعام الذي كان مولعًا به..

في غرفة الصف طلبت معلمة اللغة العربية من تلميذاتها قراءة مقطع من قصة " رجال في الشمس" للأديب غسان كنفاني، ردت عليها بيسان الطالبة المتفوقة: لماذا يا معلمتي نذهب بعيدًا، فلدينا نساء في الشاحنة؟!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى