الخميس ٢٢ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٩
بقلم بسام الطعان

أبطال القرية

لوجوههم الساقطة في مستنقع الكراهية، لنفوسهم الملوثة بحب الذات، لهدرهم حبهم وعطفهم وإنسانيتهم تألمت، وتمنيت أن أهرب من تلك القرية التي لم أجد أمن يرفرف فيها ولا راحة.

في صباح أول يوم جمعة أقضيه في القرية عُينت فيها مدّرساً، استيقظت على وقع زلزال قوي على شكل صرخات وصيحات هدارة، اتكأت بمرفقيّ على الوسادة، أسندت رأسي إلى مسند السرير وتساءلت:"ترى ماذا حصل؟

ظلت الصيحات ترتفع في سماء القرية، فانبعث فيًّ حب استطلاع

ارتديت معطفي وخرجت، فتملكني الخوف مما رأيت، ولأنني غريب عن القرية ولم يمض على وجودي فيها سوى ثلاثة أيام، جلست أمام باب المدرسة الخارجي أراقب.

رأيت رجلا عرفت فيما بعد أن اسمه(سعدون)يركض ومن خلفه بعض الأولاد وكل واحد منهم يحمل عصا ، وكان سعدون يمسك بطرف ثوبه بيد، وبالأخرى عصا غليظة لها رأس دائري الشكل، مليء بمسامير ذات رؤوس كبيرة، ويطلق شتائمه البذيئة التي تستحق وبجارة براءة اختراع أو شهادة "إيزو".

كنت أنظر إليه متعجبا، مندهشا من سلوكه وشتائمه الغريبة، وحركاته الأكثر غرابة، وهو يركض نحو أحد البيوت وما أن اقترب من (حميد) الذي كان مقرفصا إلى جوار حائط بيته الترابي القريب من المدرسة، رأسه بين ذراعية وركبتيه، منكمشا حول نفسه كمن يبحث عن مكان استدفاء داخل نفسه، ما أن اقترب منه حتى قال والغضب يطل عملاقا من عينيه:

- يا خليفة إبليس.. اللعنة عليك.

ثم انهال عليه بالعصا قبل أن يسمح له بالكلام، أطلق المسكين صرخة ألم وصرخة دهشة، وقبل أن يقوم بأي حركة جاءته ضربة أخرى أسقطته على الأرض، ثم رفع ثوبه إلى الأعلى وقام بحركات لا يجوز لرجل أن يقوم بها، عندئذ تطايرت الإدانة من عينيًّ، لكنه لم يعلن انتصاره المجيد لأن (حامد) شقيق (حميد) خرج من منزله، وحين شاهد شقيقه ملقى على الأرض، اقترب من سعدون ولكمه لكمة قوية، ثم خلصه من عصاه بسهولة، وانهال بها على رأسه، فسقط المضروب وهو يئن أنينا خافتا، وهرب الأولاد كل باتجاه، وبعد دقائق وصل الدعم اللوجستي وابتدأت المعركة الحقيقة.

تقدم (شهاب) ابن عم سعدون و بحركة باردة ـ رأيت في عينيه ووجهه المحروق آلاف السيوف والسكاكين ـ استل سكينا، وبحركة سريعة دفع نصلها في كتف حامد وتراجع إلى الوراء وكأن شيئا لم يكن، أطلق (حامد) آهة متحشرجة، تأرجح جسده يمنة ويسرة، ثم جلس على الأرض وهو يمسك بكتفه بينما ظلت شتائمه تطير من حوله بأجنحة متعبة إلى أن حمله بعض الرجال إلى داخل بيته.

خمس دقائق مرت، فسادت المكان الفوضى، هذا يسأل وذاك يجيب، هذا يهدد وذاك يزمجر، هذا يشتم وذاك يرد، هذه تصيح وتلك تولول ، فجأة برز(عبيد) ابن خال حامد وحميد من وراء أحد البيوت، تقدم نحو(شهاب) يريد الانتقام، كان يمسك بعقاله ويلوح به في الهواء بينما الزبد يملأ فمه، وحين انتبه إليه الأخير، تقدم منه وقال بعصبيه وسخرية مكسوة بالضحك:

- ارجع يا دودة أحسن ما أدوسك.

سقط في عينيه خوف من سددت إليه قذيفة "آر بي جي" فتراجع وراح يشتمه بداخله.عبيد كان شهيرا بالدودة بسبب نحافته وجسمه الهزيل.

الشمس ضحكت من مناظرهم، لسعتهم بخيوط حارقة جعلت العرق ينهمر من أجسادهم، لكنهم لم يهتموا بذلك، ظلوا يضربون، يهددون، يتوعدون، أما أنا فلم أجرؤ على الأقارب من أحد خوفا من أن يظنني مع جماعة ضد أخرى، وإنما كنت أنظر بذهول إلى الحطام الآدمي المستباح.

في هذه الأثناء غادر ( صلاح) القرية على عجل ليخبر ابن عمه الذي يعمل في المدينة ويلعب الكاراتيه عن وقوع معركة في القرية وليطلب من الحضور للدفاع عن عشيرته الماجدة التي كانت تلقبه بعنتر.

والآن اسمحوا لي سأقطع سياق القص لأعود إلى وقائع المعركة التي لا تزال متأججة، وبعدها سأخبركم كيف جاء بطل الكاراتيه إلى القرية وكيف غادرها.

لأن كل سكان القرية ينتمون إلى عائلتين، هرع الصغير والكبير باتجاه مسرح العمليات الحربية حاملين الرفوش والفؤوس والعصي والمناجل،بينما أصواتهم تعلو، صراخ وعويل، ولم يمر وقت طويل حتى اختلط الحابل بالنابل، بدأت الصدور تعلو وتهبط، والثياب تقطع والعورات تظهر بشكل فظيع ومقرف، والجوع تتزاحم على القتال من جديد، وأنا أرى الغبار يعلو والدماء تسيل، فأغرق في حيرتي وتعاستي وندمي على مجيئي إلى قرية كهذه، هل في بلدنا مثل هذه القرية؟

جاء(حمزة) من المدينة ويحمل على ظهره بعض الأغراض، وحين شاهد والده العجوز واقفا أمام أحد الجدران وهو يلوح بعصاه ويشتم، اقترب منه على عجل وتساءل باستغراب مبطن بشيء من الخوف:
- خير يا أبي؟

تطلع إليه الأب وقد احمّر وجهه وقال بعصبية:
- بعد كل هذا وتقول خير؟!.. يريدون يـ... وتقول خير؟!

فلم ينتظر، ألقى بالأغراض على الأرض، وسرعان ما انخرط في القتال دون أن يعرف من الظالم ومن المظلوم، هجم وزئير آلاف النمور يخرج من حنجرته وسط صياح النساء و"هلاهيلهن".

والآن سأعود إلى بطل الكاراتيه. فور وصوله إلى المدينة أخبره (صلاح) بما جرى في القرية، فهب من مكانه وقال بعصبية مصطنعة:
- اليوم يومك يا (عواد)

استأجر(صلاح) سيارة على حسابه لتقله البطل إلى القرية، وأصر على أن يتأخر في المدينة لبعض الوقت بحجة أن له عملاً يقضيه ثم يلحق به على وجه السرعة، ولكن لم يكن له عمل وإنما ليأكل "الفلافل" التي يحبها، وحين وصلت السيارة كانت المعركة قد هدأت قليلا، غير أن بعض الشتائم كانت تقذف في كل الاتجاهات وكأنها تخرج رشاً من باردوة "كلاشينكوف".

نزل البطل من السيارة، خلع قميصه بحركات سريعة ومتوترة، تقدم نحو الأمام والكل ينظر إليه وهو يحرك يديه ويصيح:
- ياع.. ياع...

منهم من فرح في داخله، ومنهم من نظر إليه باشمئزاز وسخر منه ومن حركاته، وعندما توسط بعضهم وهولا يزال يحرك يديه حركات لا تمت لفنون الكاراتيه بصلة ويكرر "ياعاته" تقدم منه أحدهم بكل هدوء وقال:

- يا عنتر.. "الياع" تقولها في المدينة وليس هنا. ثم انهال على رأسه بالرفش فسقط على الأرض دونما حركة.

بعد أن غادرت السيارة، جاء (صلاح) وهو يرى في مخيلته الضحايا التي تركها البطل ملقاة على الأرض كخرق بالية، وحين لم يجد البطل سأل عنه، فقال له أحدهم بسخرية مطلية بالحقد:

- ابن عمك صار بالمستشفى.. اذهب فلا بد أنه بحاجة إلى بعض الدم.
- هل زمرة دمه مثل زمرة دمك؟ قال أخر وهو يضحك.

فجأة ارتفع صوت نسائي من داخل بيت (حميد) ثم خرجت ابنته وهي تولول، اقتربت من والدها الذي كان لا يزال يعاني :

- يا أبي.. بقرتنا مذبوحة!
- ركض حميد،وركضت زوجته، وركض بعض أقربائه، وما أن وصلوا الزريبة شاهدوا البقرة تسبح في بحر من الدماء.
- هم الذين فعلوها.. نعم هذه فعلتهم.
- تريثوا حتى نعرف الفاعل.
- ومن غيرهم يفعلها.

هرول صاحب البقرة إلى داخل إحدى الغرف، وبعد لحظات عاد ويحمل خنجره:
- يا ويلهم مني.
- ولم يمر وقت طويل حتى كانت أكثر الأبقار والأغنام مذبوحة أو مخنوقة، ولم تسلم الدجاج ولا الديوك أيضا، واحترقت بعض البيوت، ولم يعرف أحد من الذي احرقها.

دخلت المدرسة وأنا أسمع هدير القطعان البشرية يدوي في الفضاء، لملمت ثيابي وأغراضي القليلة لأهرب، ولكن قبل أن أسير نحو الطريق المؤدية إلى المدينة، جاء(عبود) آذن المدرسة وهو يرتجف:

- ماذا تفعل هنا؟ اهرب.. اهرب وانفد بجلدك.

فتسلل السؤال عبر محطات الاستغراب بخشونة بالغة:
- بالله عليك اخبرني.. ماذا جرى حتى حصل ما حصل؟
- ألا تعرف أن جحش حميد رفس ابن سعدون وكسر سنه. قالها بلهجة من يفتح بابا للعراك.

وظل البوم ينعق في سماء القرية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى