الأحد ١ أيار (مايو) ٢٠٠٥
رحلة بحث عن حقوق مسلوبة:
بقلم عبد الباسط محمد خلف

هكذا حلقت" الإذاعيات الصغيرات" في أثير المدينة المحاصرة...

جنـــين:

كانت السماء هذه المرة غير صافية تماماً، فالأنباء تتوارد عن تحليق لطائرات الاحتلال فوق المدينة التي لم تغب عنها كثيراً، فيما كان الأثير في محطات جنين الثلاث "تحتله"إيجابياً إذاعيات صغيرات انهمكن في الحديث عن حالهن وشجونهن وأحلامهن…

استذكرت إحداهن ما حل بالمدينة قبل أربع سنوات، حينما اشتركت في موجه مشابهة، قطعتها أخبار ساخنة وأصوات إنفجارات كبيرة أنهت دون محاكمة حياة شاب بتفجير "كابينة" الهاتف العمومي.

استهلال

شرعت يافا شلبك ومثلها فعلت كرمل صبح ولينا بيدس بقراءة ما يشبه التبرير لتنظيم موجة من هذا الطراز.
من وراء غرفة زجاج المراقبة، شرعن بالتعامل لأول مرة مع "المايكروفون" الأسود و سماعات الأذن وإشارات مهندسات الصوت، وبدأن برنامجه الذي نظمته وزارة الإعلام بالتعاون مع مركز شارك الشبابي، بقراءة افتتاحية المنظمين:" نفتش عن طريقة أخرى نفسح فيها المجال لأحبتنا وزهراتنا كي يطلقوا العنان لأصواتهم بلا رقابة أو تدخل، ويرسمون عبر الأثير مساحة لأحلامهم، ويتحدثون عما يطاردهم من انتهاكات و مصادرة للحقوق وإلغاء و تهميش…"

يواصلن بتفاعل: " نأمل من المستمعين الأعزاء أن لا يتآمروا على موجات الأثير، عندما يعرفن أن أطفالاً كأحبتهم هم الذين يصنعونها".

تقرأ بيسان عسراوي وبراءة بهيني ومها جرار ويشاركهن زميلهن الوحيد مهند مشارقه بنوداً من اتفاقية حقوق الطفل، فيشيرون إلى المادة الثامنة والعشرين من الاتفاقية المبرمة العام 1989، ليعرفن لأول مرة أن دول الأرض اجتمعت ذات مرة واعترفت بحقهم في التعليم والحياة والاختيار وممارسة الطفولة.

يواصل الثلاثة الإشارة لمسألة جعل التعليم العالي بشتى الوسائل متاحاً للجميع"
تختار مجموعة ثانية أغنية حلمن الإصغاء إليها تتحدث عن المعلمة والذئب وعدوانه في رمزية ذات صلة بالأرض والوطن ويمكن أن تنطبق على الأحلام أيضاً…

توثيق مختلف

تقرأ ناريمان على المستمعين مقتطفات من تقرير لمركز الميزان لحقوق الإنسان، يشير لانتهاك الحق بالحياة للطفولة الفلسطينية، تقول بصوت تسلل إليه الحزن ولم تستطع فرحة التعاطي مع "المايكروفون" للمرة الأولى التغطية عليه:" تسببت الأعمال العسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بمقتل 162 طفلاً فلسطينياً خلال العام 2004 وحده"
تعرف ناريمان وكذا بيسان وساجدة ونظيراتها أن هذه الأرقام ليست صماء، فهي تشير لنهاية حياة إنسان وقتل حلم وإحساس…

وتشير الصغيرات إلى زميلاتهن عبير مخيمر التي استشهدت داخل صفها وإيمان الهمص التي سقطت وهي في الطريق إلى المدرسة، و الطفل خالد الولويل الذي استشهد داخل منزله.

وكأن التقرير الذي قرأنه، فتح الباب على مصراعيه للحديث عن زميلتهن رهام الورد التي استشهدت أمامهن في مدرستهن” الإبراهيميين" التي تخلد أيضاً أسمي شهيدين.

رهام

قرأت كرمل عبر الأثير والدموع مرشحة لدخول عينيها: وصلت رهام إلى ساحة المدرسة، يوم الخميس الثامن عشر من تشرين الأول عام 2001، وكانت تحاول الخروج من المدرسة لأنها قلقة على والدها الذي لم يعد إلى البيت في تلك الليلة، فهو كان يحرس الحاجز خلف المدرسة.
تواصل: كانت رهام تريد الذهاب إلى ذلك الحاجز حتى تطمئن على والدها وتقبله القبلة الأخيرة، وكأنها تشعر بذلك، إلا أن أختها منعتها من الذهاب وهددتها بإبلاغ المديرة، لكنها عدلت عن ذلك….

تروى الإذاعيات الصغيرات وكتوثيق لا يمكن أن يتبخر من الأثير شهادة مديرة مدرستهن: لم تكن الساعة قد وصلت السابعة والنصف، حين سمعنا صراخ الطالبات في الساحة، فهرعنا جميعاً، كانت الطالبات يصرخن ويبكين بطريقة جنونية خوفاً من صوت الرصاص والدبابات التي كانت تحاصر المدرسة وتقصفها، قمنا بإدخال الطالبات إلى الغرف في الطابق الأول، ودخلت رهام كغيرها وكانت سليمة لم تصب، ولكن عندما شعرت بزميلتها تحرير أبو عليا في مدخل غرفة الصف مدت رهام يدها لتساعد زميلتها المصابة في الدخول إلى الغرفة، وكانت النتيجة أن رهام تلقت رصاصة في صدرها، لم تنزف ولكنها سقطت على الفور…

ما أن أسدلن الستار عن مشهد موجع إلا وبدأن باسترداد ذكرياتهن مع اعتصام في ذكرى رحيل ناشطة السلام الأمريكية راشيل كوري، التي قتلتها جرافة إسرائيلية في رفح.

كان مكان التظاهرة هو ذاته الذي شهد استهداف ناشط سلام أمريكي آخر، هو بريان إيفاري الذي تعرض لإصابة خطرة شوهت ملامح وجهه.
انحاز الأطفال لأمهاتهم، وبدأوا في تلاوة رسالة لها تقول بعض سطورها: والداتنا الحبيبات: منذ خلقنا لم نجد سواك يرعانا، ي أخب وأغلى الناس على قلوبنا، يا مربياتنا ومعلماتنا ، يا صاحبات الاسم الرائع، أنتن كالبحر يضم أسماكه كما تضمينا وإن خرجوا من مأواهم ماتوا، ونحن كذلك إن ابتعدنا عنك ولو لدقائق ، شعرنا وكأن شيئاً أنتزع منا وجعلنا نرتعش…
أرجوحة وعصافير ودم

تعود يافا وبراءة ولينا وساجدة لممارسة الحزن، حين يقرأن قصة طفل سقط برصاص ثقيل، أذاعت إحداهن: كان عبد السلام يسجل أهدافاً رائعة وكثيرة، ويتصدى لكرات عديدة في جسده لكنه لم يستطع التصدي للرصاصات الثماني التي أطلقها عليه الجنود فاخترقت ست منها جسده واثنتان الحائط، وسجلته شهيداً يستحق الفوز بكأس الحرية.

يتطرقن أيضاً لأرجوحته التي تآمر عليها الصدأ، ولمقعده الدراسي، ولطائرته الورقيه وعصافيره التي لم تتحمل فراقه، فمارست الحداد على مربيها بالموت.

يقول مستمع شاءت الأقدار أن ينقلنا بمركبته لإحدى الإذاعات، حيث نتابع أداء الطاقم الصغير: فعلاً هكذا يمكن أن نحول أطفالنا لأصحاب قصص مؤثرة، ونكف عن التعاطي معهم كأرقام صماء.

واكبت الصغيرات اللواتي تفوقن في موجتهن على تركيبة التذكير الذي يشهده حالنا الرسمي والمؤسسي، ولم يحتجن لـ" كوتا" تمنحهن " فرصة " أو نسبة معينة للبوح برأيهن، ملفات أخرى.

شجون

قرأن ومعهن مهند مقطوعات أدبية ومختارات شعرية ذات دلالات للوطن المضطهد، وخصصن مساحة للأثير أشارت للطفلة فيروز منصور التي تقول حكايتها إنها أصغر ممرضة فلسطينية، إذ شرعت بمساعدة والدها في عيادته وأصبحت تتعامل مع السقماء وهي في سن الحادية عشرة.
انتقلن من جديد لحال المعاناة، فتحدثن عن نيبال مراعبة، نظيرتهن ذات الربيع الحادي عشر التي أجبرت على تلقي جرعات العلاج لجسدها الذي طاردته الحمى من وراء أسلاك الجدار العنصري في قريتها رأس الطيرة القريبة من قلقيلية.

تعود الصغيرات في محاولة أثيرية جديدة للخروج عن التعبير عن الألم، فيشرن لزميلتهن أثمار ناطور التي تسكن مخيم جنين، واللافت أن الناطور تمردت على التدمير الذي أحدثه الاحتلال في مخيمها وعبرت عنه بالغناء لنظرائها وعنهم.

تضامن

ولم تغفل يافا وسواها من الحديث بإسهاب عن عيون الطفل أحمد قنيري أبن الربيع الثامن، الذي كان أصغر من يأم خيمة الاعتصام التضامني مع أسرى الحرية الصيف الفارق.

يقلن: جاء أحمد للخيمة للتضامن مع والده الذي" سرقه" السجان،ويظهر كيف أصبح قاموس أحمد يعج باصطلاحات غير صديقة للحياة، من طرزا: السجن الزيارة، الصليب الأحمر، سجن شطة، معتقل عوفر، المحكمة، المحامي، الإضراب الحرمان من الزيارة، الأغراض المسموح إدخالها......
تتقمص الصغيرات ومهند أدوار المذيعات والمذيعين فيشرعن في حوار مع مسؤول من الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال، مديرة في منظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة" اليونسيف"، ووزارة الثقافة، ومؤسسة تامر.
يسألن، عايد أبو قطيش عن الانتهاكات التي تستهدف حق الأطفال في الحياة، وآخر الإحصاءات التي أصدرتها الحركة العالمية.

تأتي الإجابة لتقطر ألماً وتحمل المزيد من الأرقام ذات الدلالات الثقيلة للشهداء والجرحى والأسرى من الصغار.

يكررن أسئلة أخرى، كالتحري عن حال " اليونسيف" وأجندتها في الأراضي المحتلة وعن يوم البث العالمي للأطفال.

تتطرق الأسئلة وتتكاثر، لتسأل عبد السلام العابد عن دور وزارة الثقافة في مشروع أدب الأطفال ، ومدى الإنصاف الذي حققته الحركة الثقافية للطفولة.

تمتزج أغاني فيروز وريم بندلي وأثمار ناطور، مع مؤثرات صوتية ترشح حزناً، لتأتي في النهاية نشرة أخبار صنعها الصغار، وجاءت تذكر بالسياسة والعنف والاستيطان والانتهاكات والدبلوماسية، ويتوقفن عند خبر المحاكمة الصورية لثلاثة من جنود الاحتلال نكلوا بشابين فلسطينيين وأجبروهم على مضغ الرمال وتقبيل أحذيتهم، ويلتفتون أيضاً لحال الطقس الذي يتمنون أن يكون لطيفاً عليهم وإن كان في ذروة عاصفة..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى